
في فبراير/شباط، طرحت صحيفة “الجمهورية الإسلامية” اليومية، القريبة من النظام في إيران، سؤالا ظلت الجمهورية الإسلامية تحظر على نفسها طرحه طوال أربعين عاما: هل ما زالت الدولة قادرة على تحمل كلفة جيشين، الجيش النظامي، الأرتيش، و”الحرس الثوري الإسلامي”، القوة شبه العسكرية التي أنشئت عام 1979 لحراسة الثورة لا الحدود؟
كان السؤال الحقيقي يتعلق بمخرج من المأزق السياسي الداخلي، وقد قالت الصحيفة ذلك بوضوح: إن تمدد “الحرس” في الاقتصاد والسياسة والإعلام والدبلوماسية جعله مؤسسة فئوية متنازعا عليها في الداخل، وذريعة دائمة للضغط من الخارج. وطرح السؤال علنا يكاد يكون جوابا بحد ذاته، لأن الازدواجية لم تكن في أصلها مسألة كفاءة. فوجود جيشين لدولة واحدة كان جزءا من استراتيجية بقاء النظام: جيش يدافع عن البلاد، وقوة حراسة مضادة تراقب ذلك الجيش، وتراقب المجتمع، وتوازن بين الفصائل.
لم تبن الصحيفة حجتها على منطق استراتيجي، بل عادت إلى الذاكرة. استحضرت مذكرات رفسنجاني في 22 مارس/آذار 1989، حيث دوّن أن الخميني أقر بأن الجيش و”الحرس” ينبغي أن يصيرا، مع الوقت، قوة واحدة، لكنه رأى أن اللحظة شديدة الخطورة وأن القوات قد تنقلب على الأرجح. لم يرفض الخميني الدمج، وإنما أجله. وبعد وفاته، دمج رفسنجاني وزارة “الحرس الثوري” بوزارة الدفاع، وترك الاندماج الأعمق يتبدد. وبعد سبعة وثلاثين عاما، أعادت صحافة النظام نفسها إحياء تلك الجملة الناقصة.
جاء رد الفعل على قدر حساسية المسألة وخطورة ما تنطوي عليه. فقد نددت صحيفة “كيهان” بالاقتراح واعتبرته مشروعا للقضاء على “الحرس الثوري”، ووصفة أميركية-إسرائيلية طبقت على “قوات الحشد الشعبي” العراقية. أما صحيفة “جوان” اليومية التابعة لـ”الحرس”، فوصفته بضربة موجهة إلى ركيزة أمن البلاد. وتتهم الشبكات المتشددة المفاوضين، ومحمد باقر قاليباف، وإدارة بيزشكيان، بتدبير انقلاب على “حراس الثورة” المسلحين. وفي الوقت نفسه، تناقش وسائل الإعلام في طهران احتمال الدمج على أنه شرط وضعته واشنطن على طاولة المفاوضات. وحين ترتفع أصوات من داخل النظام نفسه مطالبة بالتصفية، لا يعود الانقسام قراءة معارضة من الخارج. إنهم يقولونه صراحة، وبأقلامهم، وفي صحفهم.
غير أن التفكك ليس رأيا سياسيا عابرا، بل جزء من بنية “الحرس” نفسه. يقال عن “الحرس” إنه دولة داخل الدولة، لكنه في الحقيقة ثلاث دول ترتدي زيا واحدا. الأولى هيئة أيديولوجية عقائدية خاضعة لولاية الفقيه، وقد أضعفها بالفعل مرشد جديد جرى تجاوزه في مذكرة التفاهم مع واشنطن من قبل مجلس الأمن القومي الأعلى التابع له. والثانية جهاز عسكري مبني على خطاب الاستشهاد وفلسفته. أما الثالثة فهي أوليغارشية قائمة على ثقافة البقاء.
بين المكونين الأخيرين تناقض عميق في الدافع والغاية. فالاستشهاد يقاوم حتى النهاية، أما البقاء فيفاوض، ويتكيف، ويتنازل كلما اقتضت المصلحة. ثقافتان متعارضتان تحت قيادة واحدة تنتهيان بالضرورة إلى طريق مسدود. ويمتد هذا الصدع إلى أجهزة القمع نفسها: فعلى مدى أكثر من عشر سنوات، عملت وزارة الاستخبارات وجهاز استخبارات “الحرس الثوري” كجهازين متوازيين ومتنافسين، يكرران الملفات، ويطعنان في الاعتقالات، ويراقبان بعضهما. والجهاز الذي تتداخل فيه أدوات القتل لا يكون كتلة صماء. إنه تنافس داخلي يحمل شعارا واحدا. وما أضافته الحرب والاتفاق ليس التشخيص، بل الجدول الزمني.
لا يحتاج التفكك في ذاته إلى تحذير. ما يستحق المراقبة هو الطريقة التي ستدير بها طهران هذا التفكك: هل سيكون الأمر إعادة تسمية وتبديلا في الشعار؟ تروج وسائل الإعلام التابعة للنظام، صراحة، للاندماج مع الجيش الإيراني كوسيلة لتخفيف الضغوط القانونية والدولية. تبدو المناورة علنية، لكن الأهم أنها لن تصمد، لأسباب لا يستطيع النظام التحايل عليها.
نبدأ بـ”فيلق القدس”. فحروبه لم تخض قط كأعمال دولة معلنة، بل جاءت في هيئة سلاح للوكلاء، ودبلوماسية موازية، وعمليات قابلة للإنكار عبر أربع عواصم. وكل ذلك كان ممكنا لأن “الفيلق” يقف خارج قواعد العلاقات بين الدول. فإذا اندمج “فيلق القدس” في جيش وطني، صارت كل شحنة سلاح، وكل مستشار، وكل عملية، فعلا رسميا للدولة الإيرانية، قابلا للمساءلة والمحاسبة. لا يستطيع جيش نظامي أن يدير محور مقاومة. والاندماج يضع طهران أمام الخيار الذي تهربت منه أربعة عقود: إما إنهاء “فيلق القدس”، وإما جعل الدولة نفسها طرفا محاربا. وفي الحالين، يخسر النظام شيئا لا يعوض.
وثمة فخ مماثل في الداخل الإيراني. فوظيفة “الحرس” الأخرى داخلية: الباسيج وآلة القمع. ولا يستطيع جيش وطني قائم على التجنيد أن يرث مهمة كهذه. فالذاكرة المؤسسة للجيش الوطني هي إعلانه الحياد عام 1979، حين رفض إنقاذ النظام الملكي بإطلاق النار على الحشود. وإصدار الأوامر إلى جيش مجند ومدمج كي يطلق النار على المتظاهرين لا يمنح النظام أداة أقوى، بل يستدعي عام 1979 في الاتجاه المعاكس.
أما البعد الأيديولوجي فلا يمكن استيعابه على الإطلاق، لأنه ليس بعدا إداريا، بل دستوري. فالمادة 150 تنص على بقاء “الحرس” لحماية الثورة ومنجزاتها، وتربطه المادة 110 بالقائد وحده. وحله قانونيا يعني المساس بالدستور نفسه، وهي قطيعة لا يستطيع النظام أن ينجو منها. فالأيديولوجيا لا تنثني؛ إما أن تبقى، وإما أن تكسر.
وليس لدى المكون الأوليغارشي أي نية للاختفاء. فـ”الحرس” ليس ميليشيا فقط، بل اقتصاد قائم بذاته. إنه “خاتم الأنبياء” وإمبراطوريتها التعاقدية، وشبكات الشركات شبه الحكومية التي تقدر قيمتها بأكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي، وأكثر من نصف عائدات تصدير النفط المخصصة لقوات الأمن في ميزانية 1404، وتكتلات مرتبطة بمكتب “المرشد” تقدر قيمتها بنحو مئتي مليار دولار. خطته هي أن ينجو من انهيار الأيديولوجيا بالتخلي عنها، وأن يخرج من تحت العمامة ليعرض نفسه شريكا تجاريا عاديا. هذه هي المناورة التي ينبغي مراقبتها، وهي النتيجة الوحيدة التي قد تسمح لـ”الحرس” بأن يفقد اسمه ويحتفظ بسلطته.
وثمة سيناريو آخر مغر، قد تميل أوروبا إلى قبوله: فيلق مندمج يخدم نظاما متغيرا، يحتفظ فيه بالقوة ويتخلى عن العدوان. في ظل هذا النظام الدستوري، يبقى الجواب “لا”. فالعدوان ليس سلوكا طارئا ينتهجه النظام، بل عقيدته. نص الدستور يلزم القوات المسلحة بنشر الثورة خارج حدود إيران، والمادة 150 ترسخ هذا الالتزام. والدولة التي تتخلى حقا عن هذه العقيدة لا تعود هي الجمهورية الإسلامية. السلطة بلا عدوان ليست إصلاحا لهذا النظام، بل بداية نظام يخلفه.
إن حل “الحرس الثوري” ليس مشروعا غربيا. إنه ما طالب به الإيرانيون عبر خمس موجات من الانتفاضات منذ عام 2009، لأن “الحرس” هو الأداة التي أطلقت النار عليهم، وزجت بهم في السجون، ودفعتهم إلى مغادرة بلادهم تحت وطأة القمع وارتفاع كلفة المعيشة. والسماح لأوليغارشيته بالعودة في هيئة شريك تجاري، أو السماح لضباطه بالظهور من جديد بالزي الوطني، يعني منح جلادي الشعب عفوا مقنعا باسم البرغماتية.
لطالما قالت الرواية السائدة إن “الحرس الثوري” لا يمكن تفكيكه، وإن “فيلقا” بني على مهمة مقدسة يفضل الاحتراق على الانهيار. ما قيل عن رفض الاستسلام صحيح، أما ما قيل عن الموت فخاطئ تماما. لن يهزم “الحرس الثوري” في الميدان. سيتفكك على خطوط انقساماته الداخلية، وستجري تصفيته على الورق بأيدي رجال يعتزمون الاحتفاظ بكل شيء ما عدا الاسم.
ما تبقى هو رفض إعادة تسميتهم، والمضي بالمنطق إلى نهايته. فـ”الحرس” قائم بموجب المادة 150، وحله قانونياً، لا اسمياً، يجعل إعادة النظر في النص الذي أنشأه ضرورة لا مفر منها. إن تفكيك الضامن المسلح للنظام الثوري يعني إعادة كتابة النظام الذي يضمنه. ليس الأمر اندماجا يعيد تقديم الرجال أنفسهم في زي وطني موحد، بل تفكيك يفتح الباب أمام ثورة دستورية.