خليل حسين محرر بموقع السفينة
ليست الحرية نزهة، وليست امتيازاً يُمنح للإنسان متى شاءت السلطات أو الجماعات أو الظروف. الحرية موقف، والموقف ثمن. وكل من اختار أن يكون حراً حقاً، عرف، في لحظة ما من حياته، أن الحرية قد تكون طريقاً شاقاً، وأن أول ما قد يفقده الإنسان حين يقرر ألا يكون تابعاً هو شعوره بالأمان.
فالحرية لا تأتي دائماً مصحوبة بالتصفيق. كثيراً ما تأتي وحيدة، ثقيلة، ومكلفة.
كم من شاعرٍ دفع ثمن قصيدته، وكم من كاتبٍ دفع ثمن جملة كتبها ولم يتراجع عنها، وكم من صحافيٍ وجد نفسه في مواجهة سلطة لا تريد من الصحافة سوى أن تصفق لها. وكم من مثقفٍ اكتشف أن قول الحقيقة قد يكون أكثر خطراً من الصمت، وأن الاختلاف في بعض المجتمعات قد يتحول إلى جريمة تستحق العقاب.
لكن السلطة ليست دائماً سلطة الدولة وحدها.
هناك سلطة المجتمع، وسلطة العائلة، وسلطة الجماعة، وسلطة العادات، وسلطة الخوف، بل وحتى سلطة أولئك الذين يطالبون الآخرين بالحرية بينما لا يحتملون أن يمارسها أحد أمامهم.
وهنا تصبح المعركة أكثر تعقيداً.
فقد يخرج الإنسان من سجن السلطة ليجد نفسه في سجن الجماعة، أو ينجو من المطاردة ليواجه النبذ، أو ينتصر على الخوف الخارجي ليكتشف أن الخوف قد استقر في داخله.
وكم من مناضل أو مقاوم، فرداً كان أو ضمن جماعة، اختار أن يدفع الثمن حتى النهاية؛ فلاحقته الأجهزة، أو اقتيد إلى السجون، أو اضطر إلى المنفى، أو انتهت حياته برصاصة اغتيال. لم يكن أولئك جميعاً يبحثون عن المجد، ولم يكونوا جميعاً على صواب في كل مواقفهم، لكنهم أدركوا حقيقة واحدة: *أن هناك لحظات يصبح فيها الصمت نوعاً من المشاركة في الجريمة.*
غير أن الثمن الأكثر إيلاماً للحرية قد لا يكون السجن ولا المنفى ولا الموت.
قد يكون الأسرة.
أن تختلف عن أهلك، وأن تقول ما لا يريدون سماعه، وأن ترفض ما اعتاد الجميع قبوله، وأن تختار طريقاً لا يشبه الطريق الذي رسموه لك؛ كل ذلك قد يحول الإنسان، في نظر أقرب الناس إليه، من فرد من العائلة إلى «مشكلة» ينبغي التخلص منها.
كم من إنسان جرى التبرؤ منه لأنه رفض العبودية، وكم من صاحب رأي عوقب اجتماعياً لأنه امتلك شجاعة أن يقول «لا». وكم من مثقف أو كاتب أو صحافي وجد نفسه فجأة وحيداً، بعدما تحولت علاقاته إلى محاكم صغيرة، وتحول أصدقاؤه إلى قضاة، وتحول الاختلاف إلى تهمة.
وهكذا تبدأ العزلة.
في البداية تكون العزلة اختياراً. ثم تصبح وسيلة دفاع. ثم تتحول، مع الوقت، إلى واقع لا يستطيع الإنسان الخروج منه.
ينسحب من الناس، ومن النقاش، ومن الحياة العامة. وربما يتخلى عن الكتابة، وعن الثقافة، وعن أفكاره، ليس لأنه اقتنع بخطئها، وإنما لأنه تعب من دفع ثمنها.
وهنا تكون المأساة الحقيقية.
*أن ينجح القمع في إسكات الإنسان من دون أن يضعه خلف القضبان.*
أن يصل الخوف إلى مرحلة يصبح فيها الإنسان رقيباً على نفسه، فيحذف كلماته قبل أن يكتبها، ويتراجع عن مواقفه قبل أن يعلنها، ويعتذر عن أفكاره قبل أن يُطلب منه الاعتذار.
ذلك هو الانتصار الأخطر للاستبداد: أن يتحول السجن من مكان خارجي إلى حالة داخل الإنسان.
لكن هل يعني ذلك أن نتخلى عن الحرية لأنها مكلفة؟
قطعاً لا.
فالثمن الحقيقي ليس ثمن الحرية، بل ثمن غيابها.
قد يخسر الإنسان وظيفته لأنه قال الحقيقة، لكنه قد يخسر نفسه إذا اعتاد الكذب. وقد يخسر بعض أصدقائه لأنه رفض التنازل عن قناعاته، لكنه قد يخسر كرامته إذا عاش طوال حياته تابعاً لإرادة الآخرين. وقد يجد نفسه وحيداً لأنه رفض أن يكون جزءاً من القطيع، لكن الوحدة ــ مهما كانت قاسية ــ أرحم من أن يعيش الإنسان محاطاً بالناس وغائباً عن نفسه.
الحرية لا تعني أن نكون على حق دائماً، ولا تعني أن تتحول آراؤنا إلى مقدسات. الحرية تعني أن نملك الحق في الخطأ كما نملك الحق في الصواب، وأن نراجع أفكارنا دون خوف، وأن نختلف دون أن نتحول إلى أعداء، وأن نناقش دون أن نطالب الآخر بالصمت.
ولهذا، فإن المجتمع الحر ليس المجتمع الذي يتفق أفراده، بل المجتمع الذي *يحتمل اختلافهم*.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للحرية ليس أن يُقتل شاعر، أو يُسجن كاتب، أو يُطارد صحافي، أو يُقصى مناضل؛ بل أن يصبح المجتمع نفسه مقتنعاً بأن هؤلاء يستحقون ما حدث لهم.
عندما يبدأ الناس بتبرير القمع لأن الضحية «مختلف»، أو «مشاغب»، أو «يحرج الجماعة»، أو «لا يعرف مصلحته»، فإن الاستبداد يكون قد تجاوز مؤسسات السلطة ووصل إلى الوعي الاجتماعي.
وهنا لا يعود السؤال: من يقمع الحرية؟
بل يصبح السؤال الأصعب: *من الذي سمح للقمع بأن يصبح عادياً؟*
ربما لهذا السبب يحتاج الإنسان الحر إلى شجاعة مضاعفة: شجاعة مواجهة السلطة، وشجاعة مواجهة المجتمع، وشجاعة مواجهة نفسه أيضاً.
فالحرية ليست مجرد رفع صوت، وإنما القدرة على تحمل نتائج هذا الصوت.
ولأن الحرية لها ثمن، فإن الدفاع عنها يحتاج إلى ذاكرة. علينا ألا ننسى الذين دفعوا الثمن، لا لنصنع منهم أصناماً، ولا لنحولهم إلى رموز فوق النقد، وإنما لكي نتذكر أن ما نعتبره اليوم حقاً طبيعياً قد يكون هناك من دفع حياته ثمناً لكي يصبح ممكناً.
إن الكتابة، والصحافة، والفكر، والثقافة، والنضال من أجل الكرامة، ليست ترفاً في المجتمعات التي ما زالت تصارع الخوف. إنها خطوط الدفاع الأولى عن الإنسان.
وفي «السفينة» نؤمن أن الكلمة لا ينبغي أن تكون صدىً للسلطة، ولا صدىً للجماعة، ولا صدىً للخوف.
الكلمة موقف.
والصحافة، حين تكون جديرة باسمها، ليست وظيفة للرضا العام، وإنما مساحة للسؤال والاختلاف وكشف ما يراد له أن يبقى في الظلام.
قد تخطئ «السفينة»، وقد يختلف معها القارئ، وقد نعيد النظر في مواقفنا وآرائنا، لكن ما لا نريده هو أن نصل إلى اللحظة التي نخاف فيها من السؤال أكثر مما نخاف من الخطأ.
فالخطأ يمكن تصحيحه.
أما الخوف، حين يتحول إلى ثقافة، فإنه يصنع أجيالاً كاملة لا تعرف كيف تقول «لا».
ولهذا نقولها بوضوح:
*للحرية ثمن. نعم.*
قد يكون عزلة، أو قطيعة، أو خسارة، أو مطاردة، أو سجناً، وقد يصل ــ في أكثر اللحظات ظلاماً ــ إلى الموت.
لكن هناك ثمناً آخر، أكثر صمتاً وأشد قسوة:
*أن يعيش الإنسان حراً في الظاهر، عبداً في داخله.*
وهذا الثمن، في اعتقادنا، هو الذي لا ينبغي لأحد أن يقبله.