محرر بموقع السفينة
لم يعد السؤال عن الدور التركي في الشرق الأوسط سؤالاً افتراضياً أو مؤجلاً إلى المستقبل. فالتغيرات التي شهدها الإقليم خلال العامين الأخيرين، ولا سيما في سوريا وإيران، دفعت تركيا إلى موقع أكثر مركزية مما كانت عليه طوال العقد الماضي. ومع تراجع قدرة إيران على إدارة شبكة نفوذها الإقليمية كما في السابق، وانحسار حضورها المباشر في الساحة السورية، تبدو أنقرة أمام فرصة تاريخية لتوسيع نفوذها السياسي والاقتصادي والأمني.
لكن صعود تركيا لا يعني بالضرورة أنها ستملأ الفراغ الإيراني بالطريقة نفسها التي عملت بها طهران. فتركيا لا تملك، ولا يبدو أنها تريد، أن تنسخ النموذج الإيراني القائم على بناء شبكات مسلحة موازية للدولة. النموذج التركي أقرب إلى الجمع بين الدولة والمؤسسات والاقتصاد والتجارة والقوة العسكرية المحدودة، مع استخدام النفوذ السياسي والدبلوماسي بوصفه أداة أساسية.
ومن هنا يمكن طرح السؤال المركزي: هل يتجه الدور التركي في المشرق إلى أن يكون عسكرياً واقتصادياً معاً، أم أن أنقرة ستفضّل نموذجاً اقتصادياً وسياسياً مع إسناد عسكري محسوب؟ وما حدود قبول إسرائيل وإيران بهذا الدور؟ وهل النموذج التركي قابل للحياة فعلاً في المشرق العربي؟
من فراغ إيراني إلى مساحة تركية
كان الوجود الإيراني في المشرق، وخصوصاً في سوريا والعراق ولبنان، جزءاً من منظومة نفوذ تمتد من طهران إلى المتوسط. وقد اعتمد هذا النفوذ بدرجة كبيرة على القوى المسلحة الحليفة والشبكات غير الحكومية، إلى جانب مؤسسات الدولة والعلاقات السياسية.
أما تركيا فتدخل الإقليم من بوابة مختلفة. فأنقرة دولة عضو في حلف الناتو، ولها اقتصاد كبير وعلاقات تجارية واسعة مع العالم العربي وأوروبا وآسيا الوسطى، إضافة إلى جيش قوي وصناعة دفاعية تطورت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة. لذلك فإن النفوذ التركي لا يحتاج بالضرورة إلى أن يأخذ شكل النفوذ الإيراني السابق.
وهنا تكمن أهمية التحول السوري. فتركيا دعمت انتقال السلطة في دمشق، ونسجت علاقات وثيقة مع القيادة السورية الجديدة، وتدفع باتجاه إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية وتوحيد القوة العسكرية تحت سلطة دمشق. وفي 25 آب/أغسطس 2026 أعلنت قوات سوريا الديمقراطية حل بنيتها العسكرية المستقلة واندماج مقاتليها في الجيش السوري، في خطوة اعتبرتها أنقرة عاملاً مساعداً على وحدة سوريا
إن هذا التطور مهم للغاية بالنسبة إلى تركيا؛ لأنه يخفف إحدى أكثر القضايا حساسية في استراتيجيتها الإقليمية: وجود قوة كردية مسلحة مرتبطة تاريخياً بحزب العمال الكردستاني على حدودها الجنوبية.
الملف الكردي: نقطة التحول التركية الأهم
لا يمكن فهم التحول في الدور التركي من دون التوقف عند المسألة الكردية. ففي 10 أغسطس/آب 2026 أقر البرلمان التركي قانوناً يوفر إطاراً قانونياً لتفكيك حزب العمال الكردستاني وإعادة دمج عدد كبير من أفراده، بعد إعلان الحزب إنهاء الكفاح المسلح. وقد حصل القانون على تأييد واسع من مختلف القوى السياسية الكبرى، وإن بقيت ملفات الحقوق السياسية والثقافية الكردية وموقع عبد الله أوجلان من عملية التسوية موضع خلاف.
وفي سوريا جاء إعلان حل قوات سوريا الديمقراطية واندماج عناصرها في مؤسسات الدولة السورية ليمنح أنقرة مكسباً استراتيجياً إضافياً. لكن من الخطأ اعتبار أن “الملف الكردي” قد انتهى نهائياً؛ فاستدامة التسوية التركية-الكردية تتوقف على تحولها من صفقة أمنية إلى عملية سياسية واجتماعية أوسع، كما أن نجاح دمج القوى الكردية في الدولة السورية سيبقى مرتبطاً بطبيعة النظام السوري الجديد وقدرته على حماية الحقوق الكردية ضمن الدولة الموحدة.
مع ذلك، فإن الاتجاه العام واضح: تركيا تسعى إلى إزالة التهديد الكردي المسلح من حدودها، لا إلى إدارة هذا التهديد إلى ما لا نهاية. وهذا يحرر جزءاً من طاقتها الاستراتيجية للتحرك في ملفات أخرى.
هل ستذهب تركيا إلى الدور العسكري؟
من غير المرجح أن تتحول تركيا إلى قوة احتلال كلاسيكية أو إلى قوة عسكرية تعمل عبر وكلاء كما فعلت إيران. والأرجح أن أنقرة ستجمع بين وجود عسكري محدود، وتعاون أمني، وتدريب للجيوش المحلية، ونقل خبرات دفاعية، ثم توظيف الاقتصاد والبنية التحتية كأدوات للنفوذ.
والدليل الأوضح على ذلك هو تطور التعاون العسكري التركي-السوري. فتركيا لا تتحدث فقط عن حماية حدودها، بل عن تدريب القوات السورية وتقديم المشورة والخبرات العسكرية ودعم بناء مؤسسات الدولة الأمنية. وفي الوقت نفسه، تتحدث مصادر مختلفة عن ازدياد التعاون الدفاعي بين أنقرة ودمشق.
لكن هذا الدور العسكري يواجه حدوداً واضحة. فتركيا، رغم قوتها العسكرية، لا تريد الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل داخل سوريا، ولا تريد أيضاً أن تتحمل منفردة تكلفة إعادة بناء الجيش السوري أو أن تتحول إلى قوة احتلال مكلفة.
ولهذا فإن الصيغة المرجحة هي: قوة عسكرية داعمة، وليست قوة عسكرية مهيمنة.
وقد ظهرت حساسية هذا الخيار بسرعة. ففي 18 أغسطس/آب 2026 شنت إسرائيل غارة على قاعدة أبو الظهور السورية، في ظل خلاف حول احتمال وجود أو استخدام تركي للقاعدة. نفت أنقرة وجود وفد عسكري تركي في القاعدة أثناء الضربة، فيما اعتبرت إسرائيل تنامي الدور التركي في سوريا مصدر قلق أمني.
هذا التطور يوضح أن إسرائيل بدأت تتعامل مع الدور التركي في سوريا باعتباره عاملاً استراتيجياً ينبغي ضبطه، لا مجرد حضور تركي محلي.
الاقتصاد: السلاح التركي الأهم
إذا كان الجيش التركي يوفر لأردوغان القدرة على حماية مصالح بلاده، فإن الاقتصاد هو الأداة التي يمكن أن تجعل النفوذ التركي مستداماً.
تركيا تملك ما تفتقده الكثير من القوى الإقليمية: قاعدة صناعية، شركات إنشائية قوية، خبرة في مشاريع البنية التحتية، شبكة تجارة واسعة، قطاع مصرفي وسياحي، وقدرات لوجستية تربط أوروبا بالشرق الأوسط والقوقاز.
ولهذا فإن سوريا تمثل لتركيا أكثر من مجرد ملف أمني. إنها يمكن أن تصبح بوابة لممرات تجارية جديدة، وسوقاً لإعادة الإعمار، ومركزاً لوجستياً يربط تركيا بالعراق والخليج والبحر المتوسط.
وتشير تحليلات حديثة إلى أن حرب إيران والتحولات التي أصابت طرق التجارة والطاقة في المنطقة قد تعزز أهمية تركيا كمركز للنقل والتجارة والطاقة، خصوصاً إذا نجحت أنقرة في تحسين علاقاتها مع دول الخليج والعراق وسوريا.
وهنا يصبح الاقتصاد التركي جزءاً من الجغرافيا السياسية. فكل مصنع أو طريق أو ميناء أو شبكة كهرباء أو مشروع إعادة إعمار تشارك فيه الشركات التركية يمكن أن يتحول إلى رابط طويل الأمد بين تركيا والدولة المضيفة.
بمعنى آخر، قد تكون الطريق التركية إلى النفوذ هي التجارة قبل الدبابة.
ماذا تريد إسرائيل من الدور التركي؟
إسرائيل تنظر إلى تركيا من زاويتين متناقضتين. فمن جهة، لا يمكن تجاهل أن تركيا عضو مهم في النظام الغربي وقوة إقليمية كبيرة يمكن أن يكون لها دور في الاستقرار الإقليمي. ومن جهة أخرى، ترى إسرائيل أن توسع النفوذ التركي في سوريا قد يخلق.
وضعاً استراتيجياً جديداً على حدودها الشمالية.
المشكلة بالنسبة إلى إسرائيل ليست مجرد وجود تركيا، وإنما نوع الدولة السورية التي تريد أن تساعد تركيا في بنائها.
فإذا نجحت أنقرة في مساعدة دمشق على بناء دولة مركزية
مستقرة، فقد تكون النتيجة إيجابية من منظور إسرائيلي في بعض الجوانب، لأنها تضعف الفوضى والجماعات غير الحكومية. لكن إذا تحولت سوريا إلى دولة مرتبطة استراتيجياً بتركيا، ذات جيش يعاد بناؤه بتكنولوجيا وتدريب تركيين، فقد ترى إسرائيل في ذلك انتقالاً من النفوذ الإيراني إلى نفوذ منافس جديد.
ولهذا فإن الضربة الإسرائيلية لقاعدة أبو الظهور في أغسطس/آب 2026 كانت إشارة شديدة الوضوح إلى أن تل أبيب تريد وضع حدود للدور العسكري التركي داخل سوريا. وقد حذرت الحكومة الإسرائيلية من التوسع التركي، بينما أدانت أنقرة الضربة واعتبرتها اعتداءً على السيادة السورية.
إذن، الصراع المحتمل بين إسرائيل وتركيا ليس بالضرورة صراعاً شاملاً، لكنه قد يتحول إلى تنافس على شكل النظام الإقليمي الذي سيخرج من مرحلة ما بعد إيران.
وماذا عن إيران؟
أما إيران، فمن الخطأ التعامل مع تراجعها الإقليمي وكأنه نهاية لدورها. إيران ما زالت دولة كبيرة، ذات عمق جغرافي وسكاني وقدرات صاروخية وشبكات سياسية وإقليمية، كما أنها جارة مباشرة لتركيا، يفصل بين البلدين حدود عمرها قرون.
لكن المشكلة بالنسبة إلى طهران أن صعود تركيا يأتي في جزء كبير منه داخل ساحات كانت إيران تمتلك فيها سابقاً هامش حركة أكبر، وعلى رأسها سوريا.
ومع ذلك، فإن المواجهة التركية-الإيرانية ليست السيناريو الوحيد. التاريخ بين البلدين يُظهر قدرة واضحة على الجمع بين التنافس والتعاون. وتؤكد أنقرة رسمياً أن علاقاتها مع إيران تقوم على حسن الجوار وعدم التدخل والاحترام المتبادل، فيما يبلغ طول الحدود المشتركة 560 كيلومتراً.
ولهذا يمكن القول إن إيران قد تنظر إلى الدور التركي بوصفه منافساً، ولكن منافساً يمكن التفاهم معه.
طهران لا ترغب في أن تصبح سوريا قاعدة تركية متقدمة، لكنها في الوقت نفسه قد تفضل نفوذاً تركياً على هيمنة إسرائيلية مباشرة على كامل المشهد السوري. وهذا يفتح الباب أمام سياسة إيرانية عملية تقوم على تقليص الخسائر، والحفاظ على قنوات التواصل مع أنقرة، ومنع تركيا من التحول إلى القوة الوحيدة التي ترسم مستقبل المشرق.
هل يستطيع النموذج التركي أن يعيش في المشرق العربي؟
هنا نصل إلى السؤال الأصعب.
النموذج التركي نجح داخل تركيا في الجمع بين الدولة القوية، والاقتصاد السوقي، والصناعة، والجيش، والشركات الكبرى، والسياسة الخارجية النشطة. لكنه لا يمكن نقله إلى المشرق بصورة ميكانيكية.
سوريا ليست تركيا، والعراق ليس تركيا، ولبنان ليس تركيا، والمجتمعات العربية لها تركيبتها السياسية والثقافية والتاريخية الخاصة. كما أن المشرق يعيش منذ عقود أزمات دولة وهوية وحدود وطائفية وتدخلات خارجية.
لذلك فإن النجاح التركي لن يكون في “تتريك” المنطقة، وإنما في تقديم نموذج الشراكة الإقليمية: دولة وطنية قوية، مؤسسات مركزية، اقتصاد مفتوح، علاقات تجارية، تعاون أمني، واحترام للهويات المحلية.
وهذا هو الاختبار الحقيقي لتركيا.
إذا دعمت أنقرة قيام دول عربية مستقرة وقادرة، فإن نفوذها يمكن أن يصبح مقبولاً ومفيداً. أما إذا تحولت إلى قوة تسعى إلى صناعة أنظمة سياسية تابعة لها، فإنها ستكرر أخطاء القوى الإقليمية السابقة وستنتقل من مرحلة النفوذ إلى مرحلة الاستنزاف.
وتدرك مراكز بحثية تركية وغربية أن صعود الدور التركي يرتبط بقدرة أنقرة على إنشاء نطاق استقرار حولها، وليس بمجرد توسيع نفوذها العسكري. وقد أكدت تحليلات حديثة أن العودة التركية إلى مركز الإقليم لا تعني بالضرورة مشروعاً “عثمانياً جديداً”، بل محاولة لإدارة الفوضى المحيطة بتركيا ومنعها من الوصول إلى أراضيها ومصالحها.
المشرق أمام معادلة جديدة
يمكن تلخيص المشهد الجديد بأن المنطقة لا تنتقل ببساطة من “النفوذ الإيراني” إلى “النفوذ التركي”. نحن أمام إعادة توزيع أوسع للقوة.
إيران تتراجع في بعض الساحات لكنها لا تختفي. إسرائيل تتوسع عسكرياً لكنها تواجه حدوداً سياسية ودبلوماسية. الدول العربية تحاول استعادة دورها، فيما تمتلك تركيا مزيجاً نادراً من الجغرافيا والجيش والاقتصاد والقدرة على التواصل مع الغرب والشرق في آن واحد.
وهذا يجعل أنقرة مرشحة لأن تصبح إحدى أهم القوى المنظمة للمشرق خلال السنوات المقبلة.
لكن الدور التركي المقبل لن يكون تركياً خالصاً. فهو سيتحدد في مواجهة ثلاث قوى أخرى: الولايات المتحدة، وإسرائيل، والدول العربية الكبرى، وفي ظل علاقة معقدة مع إيران وروسيا.
لذلك، فإن السؤال ليس: هل ستصبح تركيا القوة المهيمنة في المشرق؟
السؤال الأدق هو: هل تستطيع تركيا أن تصبح القوة التي تجعل التوازن الإقليمي يمر عبرها؟
الجواب، في ضوء التحولات الراهنة، يميل إلى نعم، ولكن بشروط.
أول هذه الشروط أن تنجح تسوية الملف الكردي في تركيا وسوريا وتتحول من ترتيبات أمنية إلى سلام سياسي مستدام. وثانيها أن تنجح أنقرة في تحويل نفوذها العسكري إلى نفوذ اقتصادي ومؤسسي. وثالثها أن تمنع تنافسها مع إسرائيل من الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. ورابعها أن تحافظ على علاقة قابلة للإدارة مع إيران، لا سيما أن البلدين سيظلان جارين مهما تغير ميزان القوى.
أما الشرط الأهم فهو أن تقبل تركيا بأن قوة المشرق لا تُبنى من فوق، بل من داخل الدول نفسها.
إذا نجحت أنقرة في مساعدة سوريا على استعادة الدولة، وربط الاقتصاد السوري بشبكات التجارة الإقليمية، ودعم عراق مستقر، وتطوير علاقات متوازنة مع الخليج، فقد يصبح النموذج التركي قابلاً للحياة بوصفه نموذج نفوذ لا نموذج هيمنة.
أما إذا غلب البعد العسكري على البعد الاقتصادي والسياسي، وإذا تحولت تركيا إلى طرف في صراع إقليمي جديد مع إسرائيل وإيران، فإن صعودها قد يتحول من فرصة تاريخية إلى عبء استراتيجي.
في النهاية، يبدو أن المشرق يدخل مرحلة ما بعد “المحاور الكبرى”. لم يعد من السهل أن تسيطر قوة واحدة على المنطقة. وربما يكون المستقبل لنموذج جديد تتقاطع فيه القوى التركية والعربية والإسرائيلية والإيرانية والأميركية، ويكون الاقتصاد والتجارة وإعادة الإعمار وشبكات الطاقة والمواصلات بمثابة ميادين الصراع الجديدة.
وفي هذه المعادلة، تقف تركيا اليوم في موقع متقدم جداً.
لكن السؤال الذي سيحسم مستقبل نفوذها ليس حجم الجيش التركي، بل قدرة أنقرة على تحويل القوة إلى شراكة، والنفوذ إلى مصالح متبادلة، والانتصار الأمني إلى استقرار سياسي واقتصادي طويل الأمد.
وهذا، في النهاية، هو الاختبار الحقيقي لـ”النموذج التركي” في المشرق العربي.