فتح الأمين العامّ لـ”الحزب” الشيخ نعيم قاسم باباً ظلّ مغلقاً منذ سقوط نظام بشّار الأسد، حين أعلن أن لا مانع من لقاء القيادة السوريّة الجديدة والعمل على إقامة علاقة “أخويّة وإيجابيّة وتعاونيّة” معها. وكان النائب السابق نوّاف الموسوي قد مهّد لهذه الانعطافة قبل أشهر عندما خاطب الرئيس السوريّ بـ”الأخ” أحمد الشرع، متقاطعاً معه في توصيف الخطر الإسرائيليّ، بعدما كان إعلام “الحزب” يقدّم القيادة الجديدة باعتبارها امتداداً للجماعات التكفيريّة التي قاتلها في سوريا، وتهديداً وجوديّاً للمقاومة وشيعة لبنان.
سبق هذا التحوّل في نبرة “الحزب” انفتاح سوريّ عبّر عنه غير مرّة الشرع وأطّره ضمن إعادة بناء العلاقة بين الدولتين بعد سنوات من الاختلال، مهدّئاً المخاوف التي أثارتها تصريحات الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب حول تدخّل سوري محتمل في لبنان لإنهاء حالة “الحزب” الأمنيّة والعسكريّة، وقبلها تصريحات السفير توم بارّاك، المشرف الحاليّ على ملفّات لبنان وسوريا والعراق، عن بلاد الشام وهشاشة حدود سايكس بيكو.
جاء الانخراط التركيّ المتزايد في الملفّ اللبنانيّ، بالتوازي مع الدور السعوديّ – المصريّ والقطريّ، ليوفّر مظلّة إقليميّة تمنع انفجار العلاقة بين دمشق و”الحزب” وتتيح التفكير في إعادة ترتيبها. لا يعني ذلك بالضرورة أنّ أنقرة وضعت خطّة متكاملة لإنتاج “أحمد شرع لبنانيّ” داخل “الحزب”، أو أنّها بدأت هندسة تحوّله إلى حزب مدنيّ، لكنّ تركيا تملك تجربة خاصّة في إدارة تحوّلات الإسلام السياسيّ، وأدّت دوراً حاسماً في تأهيل “هيئة تحرير الشام” خلال مرحلة إدلب وفي تقديم الشرع للمجتمع الإقليميّ والدوليّ بصفته رجل دولة لا قائد تنظيم جهاديّ.
تتريك “الحزب” دون صعوبات..
في اللحظة التي خسر فيها “الحزب” طريق إمداده السوريّ، وتقلّص النفوذ الإيرانيّ، وتراجعت قدرته على فرض شروطه بالقوّة، يفتح الانفتاح التركيّ على “الحزب” وإعادة صياغة علاقته بدمشق باب السؤال المشروع: هل يستطيع “الحزب” أن يتترّك؟
لا يعني التتريك هنا الخضوع للسياسة التركيّة أو التحوّل إلى أداة في يد أنقرة، بل اكتساب القدرة التي طوّرتها الأحزاب الإسلاميّة التركيّة على مدى عقود في تقديم نفسها بلباس مدنيّ محافظ، وتحويل الشرعيّة الدينيّة إلى برنامج حكم وإدارة واقتصاد. فمن حزب الرفاه إلى حزب العدالة والتنمية، راكم الإسلاميّون الأتراك خبرة طويلة في نقل شرعيّتهم من المسجد إلى البلديّة، ومن خطاب الهويّة والصدام مع الدولة العلمانيّة إلى الخدمات والأسواق والانتخابات.
بغضّ النظر عمّا آلت إليه هذه التجربة لاحقاً وما واجهته من عثرات، قامت في مرحلة صعودها على استبدال شرعيّة العقيدة بشرعيّة الإنجاز منذ تسلّم القياديّ الطموح رجب طيّب إردوغان بلديّة إسطنبول وحوّلها إلى قصّة نجاح بنى عليها مجده وأوصلته إلى رأس النظام العلمانيّ التركيّ بموروثه الأتاتوركيّ العسكريّ.
ربط الإسلام السياسيّ الإردوغانيّ التديّن بشبكات رجال الأعمال والصناعة والتجارة والبنية التحتيّة، لا بتأسيس جناح عسكريّ مستقلّ عن الدولة، وهي الخبرة التي استفاد منها أحمد الشرع في تغيير لغته ومظهره وعلاقاته الخارجيّة، وفي فهم أنّ حكم دمشق لا يستقيم بشعارات السلفيّة الجهاديّة ولا بإدارة المناطق المحرّرة، بل يحتاج إلى اعتراف دوليّ وأسواق مفتوحة ومؤسّسات قادرة على إدارة بلد محطّم.
لكنّ المقارنة بين الشرع و”الحزب” تتوقّف عند حدود الشكل. فالشرع لم يسلّم سلاح هيئة تحرير الشام إلى دولة يديرها خصومه، ثمّ تحوّل إلى زعيم حزب سياسيّ ينافس على عدد من المقاعد النيابيّة. انتقل بالتنظيم من الفصيل إلى مركز الدولة، ثمّ شرع في إدخال كوادره ومقاتليه إلى الجيش والأجهزة والإدارة.
زاد هذا التحوّل سلطة الشرع، أمّا التحوّل المطلوب من “الحزب” فينزع عنه مصدر سلطته. عندما يدخل سلاح الفصيل السوريّ إلى الدولة التي يحكمها الشرع، يصبح الرجل رئيساً يملك جيشاً. أمّا عندما يسلّم “الحزب” سلاحه إلى الدولة اللبنانيّة، فيصبح نعيم قاسم رئيس حزب بين رؤساء أحزاب، ويفقد القدرة على تقرير الحرب والسلم وفرض حقّ النقض بالقوّة.
يحتاج الشرع إلى دولة قويّة لأنّه يقف على رأسها، وأمّا “الحزب” فيحتاج إلى دولة ضعيفة لأنّه لا يستطيع امتلاكها، ولأنّ مرتبته الاستثنائيّة لا تستمرّ إلّا حين تعجز مؤسّساتها عن احتكار القوّة.
لذلك تتريك “الحزب” أصعب بكثير من تغيير مفرداته أو فتح قناة مع أنقرة ودمشق، فهو يقتضي أن يتخلّى طوعاً عن المنظومة التي جعلته أقوى من الدولة من دون أفق أن يصبح هو الدولة.
مراجعة فمصافحة فمصالحة؟
تقف سوريا في قلب هذا الاختبار كجردة حساب قد تكشف مدى استعداد “الحزب” لمراجعة تاريخه قبل إعادة إنتاج مستقبله. فـ”الحزب” لم يدخل سوريا دفاعاً عن لبنان، ولم يردّ على عدوان ارتكبته بحقّه القيادة السوريّة الحاليّة. عَبَر الحدود بتكليف من مرشده دفاعاً عن سلاحه وخطّ امداده الأسديّ تحت الشعار الطائفيّ “لن تُسبى زينب مرّتين”.
ليس مستنقع الدم السوريّ “خلافات” يمكن تجميدها، ولا “صفحة مؤلمة” يطويها اجتماع بروتوكوليّ، بل يحتاج إلى مطهر حقيقيّ ومراجعة متعمّقة للتاريخ والقرارات واعتذار علنيّ للشعب السوريّ عمّا اقترفه “الحزب” على أرضه، وعندئذ تصبح المصالحة ممكنة.
صحيح أنّ دمشق تحتاج إلى حدود مستقرّة، ويحتاج لبنان إلى تجنّب فتنة مذهبيّة، وتريد تركيا ملء الفراغ الإيرانيّ ولجم الاندفاعة الإسرائيليّة في الإقليم، لكنّ الواقعيّة السياسيّة لا تعني تزوير التاريخ ولا منح عفو أخلاقيّ مجّانيّ. لا تكفي عبارة “الأخ أحمد الشرع” لكتابة صفحة جديدة، فالصفحات الجديدة لا تكتب فوق الدم قبل قراءة الصفحة القديمة.
لذا أيّ لقاء لا يتضمّن، ولو تدريجاً، اعترافاً بالمسؤوليّة ومراجعة للرواية سيبقى صفقة أمنيّة بين قوّتين لا مصالحة بين مجتمعين.
مراجعة التّاريخ قبل تبديل التّحالفات
هل يستطيع “الحزب” أن يراجع تاريخه قبل أن يبدّل تحالفاته؟
في الغالب، لم تكتفِ الأحزاب التي انتقلت من الراديكاليّة إلى السياسة بتغيير الخصم والخطاب السياسي، بل غالباً ما أعادت تعريف مفهوم الدولة والشرعيّة وموقفها من العنف. أمّا “الحزب” فيريد حتّى الآن من سوريا أن تنسى حربه عليها، ومن المملكة السعوديّة أن تنسى حملاته وتهديداته وتتجاهل خلاياه في دول الخليج، ومن اللبنانيّين أن ينسوا استخدام سلاحه في الداخل، ومن بيئته أن تعتبر كلّ خسارة مجرد جولة في صراع طويل.
يقتضي التتريك الحقيقيّ إسقاط السرديّة المقاتلة التي جعلت السلاح أصل السياسة وكلّ المؤسّسات المدنيّة فروعاً له. يقتضي الانتقال من شرعيّة الشهادة إلى شرعيّة العمل، ومن اقتصاد التعويضات إلى اقتصاد الإنتاج، ومن حفر الأنفاق إلى ربط المناطق بالأسواق.
بنى “الحزب” شبكة واسعة من المؤسّسات الصحّيّة والتعليميّة والاجتماعيّة، عوّضت جزءاً من غياب الدولة وصمّمت لحماية بيئته من كلفة حروبه الى أن هدّت الحرب الأخيرة الجنوب، بيئته، ماضيها، ومستقبلها.
لم يحوّل “الحزب” الجنوب خلال سنوات صعوده الذهبيّ إلى قطب سياحيّ وزراعيّ وصناعيّ على الرغم من الإمكانات الاستثماريّة التي يوفّرها الساحل المتوسّطيّ من تاريخ وطبيعة. ولم يبنِ في البقاع اقتصاداً شرعيّاً قادراً على منافسة التهريب والمخدّرات. ولم يستخدم نفوذه الممتدّ داخل الحكومات والبرلمان لإصلاح الكهرباء أو القضاء أو الإدارة أقلّه في مناطقه.
لم يغيّر حضور “الحزب” في البلديّات والمجلس النيابيّ الواقع الشيعيّ التنمويّ قيد أنملة، فكانت البلدات الجنوبيّة تنقصها مشاريع حيويّة بسيطة كرفع النفايات وتنظيم الطرقات وإصلاح شبكات الصرف الصحّيّ ومياه الشرب والكهرباء النظيفة. وهي أمثلة تمكّنت بلدات أخرى من تنفيذها بإمكانات ذاتيّة لا تنتظر اعتمادات من الدولة، فيما صرفت الأموال على إقامة الحسينيّات الفارهة ونصب رايات العزاء والموائد الحزبيّة العامرة ومؤسّسات الاقتصاد النقديّ التي وفّرت سيولة قصيرة الأمد في جيوب أهل بيئته جفّفتها سريعاً موجات الإفقار المتلاحقة من الأزمة الماليّة الى حربَي 2024 و2026.
تعايش مع منظومة فاسدة
رفع الحزب راية مكافحة الفساد لكنّه تعايش مع المنظومة الفاسدة وغطّاها وتغطّى بها، لأنّها منحته دولة يمارس السلطة داخلها من دون أن يخضع لها.
في المقابل قام التحوّل التركيّ، في ذروة نجاحه، على وعد واضح: طرقات ومصانع وصادرات وفرص عمل وطبقة وسطى وأسواق مترابطة. أمّا وعد “الحزب” فكان الحماية والكرامة والانتصار. سقطت الحماية أمام التفوّق العسكريّ والاستخباريّ الإسرائيليّ، وتحوّلت الكرامة إلى انتظار يوميّ لغارة أو مسيّرة، وبات الانتصار يحتاج إلى شرح مطوّل لجمهور ينظر إلى القرى المهدّمة وأبنائه العاطلين عن العمل.
هل يستطيع “الحزب” بعد ذلك أن يعيد تعريف الإنجاز؟ هل يمكنه إقناع شابّ نشأ على أنّ أعلى مراتب الوجود هي الشهادة بأنّ بناء مصنع أو شركة أو مشروع زراعيّ أكثر نفعاً لمجتمعه؟ هل يقبل بأن تصبح إيران حليفاً سياسيّاً لا مرجعيّة تصدر التكليف الشرعيّ وبأن يكون الدستور اللبنانيّ أعلى من ولاية الفقيه وبأن يتعدّد التمثيل الشيعيّ، وأن تحكم البلاد حكومات يعارضها من دون أن يستطيع إسقاطها بالقوّة؟
نجح الإسلاميّون الأتراك، في مرحلة صعودهم، في جعل الدولة نهاية المشروع ووعاءه، فيما بنى “الحزب” نفسه على عقيدة تعتبر الدولة اللبنانيّة محطّة ناقصة، وتبقي الثورة والسلاح والمرجعيّة العابرة للحدود أعلى منها. لذلك لا تظهر في خطابه حتّى الآن مراجعة توازي حجم التحوّل المطلوب.
قد تنجح تركيا في ترتيب لقاء بين “الحزب” ودمشق وفي منع مواجهة بينهما، لكنّها لا تستطيع أن تسرّع إنضاج المشروع السياسيّ لـ”الحزب” ما دام يتمسّك بارتباطه التنظيميّ بإيران وبجوهره العقائديّ وبموقعه السابق في النظام اللبنانيّ.
حتّى الآن، يريد “الحزب” تتريك علاقاته الخارجيّة لا تتريك نفسه. يريد أنقرة وسيطاً، والشرع جاراً متفهّماً، والمملكة السعوديّة محاوراً، والدولة اللبنانيّة مموّلاً لإعادة الإعمار، فيما يبقى قرار الحرب والسلم في يده.
قد يتعلّم “الحزب” من الإسلاميّين الأتراك فنّ تبديل اللغة، ومن أحمد الشرع فنّ تبديل المظهر، لكنّه لم يقرّر بعد التخلّي عن الفكرة التي صنعت كيانه: السلاح ليس وظيفة من وظائفه، بل هو “الحزب” نفسه. لذلك لا تبدأ رحلة “الحزب” إلى السياسة من لقاء في دمشق، بل من اعترافه بما فعله فيها. ولا تبدأ من خطاب أكثر ليونة، بل من سؤال جوهريّ: ماذا سيبقى من “الحزب” عندما يعود السلاح إلى الدولة؟
* كاتبة صحافيّة وإعلاميّة لبنانيّة حاورت شخصيّات عربيّة وعالميّة خلال عملها في شبكة “بي بي سي نيوز عربيّ”. تخصّصت في دراسة مكافحة الإرهاب والجماعات المسلّحة.
