ظهرت الشابة التي تنحدر من الطائفة العلوية على مواقع التواصل الاجتماعي مرتدية الحجاب الكامل، تتحدث بصوت هادئ ووجه يبدو جامداً على نحو تصعب قراءته. تقول في الفيديو إنها غادرت جامعتها وأهلها بإرادتها، وتؤكد أن أحداً لم يُجبرها على شيء، وأنها اختارت الهجرة «في سبيل الله». بالنسبة لكثير من المشاهدين، يبدو هذا الفيديو كافياً لحسم القضية، فالصورة، بالنسبة لهم، أوضح من أي رواية أخرى: لا اختطاف هنا، ولا إكراه، بل قرار شخصي.

أصبحت بتول سليمان علوش، طالبة التكنولوجيا الطبية في جامعة اللاذقية (تشرين سابقاً)، واحدة من قضايا اختفاء النساء العلويات في سوريا خلال الأشهر الأخيرة. بحسب روايات عائلتها وتقارير إعلامية مُتعدِّدة، اختفت بتول من سكنها الجامعي في 29 نيسان (أبريل) 2026، قبل أن تظهر لاحقاً في فيديو تنفي فيه اختطافها وتقول إنها غادرت طوعاً لاعتناق الإسلام. وفي بث مباشر لاحق من مدينة جبلة، أُجري بحضور شخصيات دينية وإعلامية محلية، كرّرت بتول الرواية نفسها. إلا أنّه لم يكن من الممكن التحقُّق بشكل مستقل من ظروف التصوير أو من طبيعة البيئة التي وُضعت فيها أثناء البث، خصوصاً أن وجود عدد من الرجال الذين تولوا توجيه الأسئلة إليها بدا بحد ذاته عنصراً ضاغطاً ومثيراً للتوتر والخوف.

عائلة بتول كانت قد أعلنت منذ البداية عن تعرُّض ابنتها للاختطاف، مستندةً إلى تسجيلات كاميرات مراقبة قالت إنها تُظهِرُ دخولها إلى الحرم الجامعي من دون أن توثّق خروجها منه. ثم تحدث أفراد من العائلة لاحقاً عن أن لقاءهم بها لاحقاً في مقر حكومي كان في ظروف مريبة، قائلين إنها بدت فاقدة للإدراك أو واقعة تحت الإكراه، وإنهم تعرضوا لتهديدات وضغوط بعد إثارتهم القضية علناً. وفي مقاطع فيديو لاحقة، وصف والداها ما حدث بشكل قاطع بأنه «اختطاف» فيما استخدمت والدتها مصطلح «سبية»، رافضة رواية مغادرتها الطوعية. كما وصف المجلس الإسلامي العلوي الأعلى الفيديو الأول الذي ظهرت فيه بتول بأنه جرى تصويره تحت «الضغط والخوف والرعب»، معتبراً أنه يندرج ضمن نمط متكرر من التسجيلات التي تظهر فيها نساء علويات مختفيات وهنَّ ينفينَ تعرضهنَّ للاختطاف.

هذه الروايات المُتناقضة؛ مناشدات العائلة من جهة، والتصريحات الرسمية أو المُصوَّرة من جهة أخرى، عمّقت حالة الالتباس العام، بحيث لم تَعُد القضية تتعلق فقط بإثبات وقوع جريمة، بل أيضاً بإمكانية معرفة الحقيقة أصلاً.

إنتاج الرواية

لا تنتهي القضية عند الاختفاء نفسه، بل تبدأ بَعده مرحلة أخرى أكثر تعقيداً: مرحلة إنتاج الرواية، حيث يجري تفكيك الحقيقة نفسها وتحويلها إلى مادة للجدل والتأويل. ما يُمثّله فيديو بتول وغيره هو محاولة للتشكيك بالحقيقة، ليس الهدف منها إقناع الجميع، بل يكفي إقناعُ عددٍ كافٍ من الناس بوجود غموض أو شكّ في عملية الاختطاف. يكفي أن يقول جزءٌ ضئيلٌ من الجمهور: «ربما اختارت هذا» حتى تُصبح جريمة الاختطاف نفسها موضع نقاش وتتحول الضحية إلى شخصية «مثيرة للجدل»، وتنحدرَ الحقيقة من مستوى الواقع إلى مستوى «الرأي» المتداول في المنشورات والتغريدات.

هذه الآلية ليست جديدة. لطالما استَخدمت الأنظمة الاستبدادية الاعترافات القسرية والظهورات المُصمَّمة بعناية، ليس فقط لإقناع الجمهور، بل لتشويه وتقويض فكرة الحقيقة نفسها. غالباً ما تُظهِرُ مقاطع الفيديو الخاصة بالرهائن والأسرى في النزاعات المُعاصرة تصريحات مُعدَّة مسبقاً، وتُلقى تحت الإكراه. الهدف ليس التصديق الكامل لما يقوله الضحايا، بل إنتاج الشك، لأن الشك يُبدِّد الوضوح الأخلاقي ويكسر القدرة على إصدار حكم أخلاقي حاسم.

عندما تُصبح الحقيقة ضبابية، لا تعود السلطة بحاجة إلى تبرير نفسها، بل يكفيها إثارة البلبلة، وهذا بالضبط ما تُحققه هذه الفيديوهات. تتحول صورة امرأة تُعلن أنها «أسلمت طواعية» إلى أداة سياسية ونفسية. بعض المشاهدين قد يلتقطون فوراً علامات الإكراه المعروفة: الجمود الجسدي، البرود العاطفي، اللغة المنضبطة أكثر من اللازم، بينما يرى آخرون في الصورة تأكيداً لقناعاتهم المُسبقة: ربما هو اعتناق حقيقي للإسلام، ربما كان تمرداً على الأهل، أو ربما اختارت حياةً أخرى حقاً. تكمن فعالية هذه التسجيلات في زرع قدرٍ من الشك، لجعل الحقيقة موضعَ خلاف.

تصنيع الغموض

غير أنه لا يُمكن فصل هذا الغموض عن أسئلة أخرى: لماذا تظهر هذه الحالات الآن بهذا التواتر؟ ولماذا تكون الضحايا دائماً تقريباً من النساء؟ ولماذا يستمر التشكيك أصلاً، رغم تزايد الأدلة والتقارير على أن عمليات اختطاف النساء والفتيات من الأقلية العلوية في سوريا هي أكثر انتشاراً ووحشيةً مما اعترفت به السلطات حسب تعبير تقرير لنيوريك تايمز. ولماذا يتكرر تحديداً خطاب «اعتناق الإسلام»، وكأنَّ العلويين يقفون بالضرورة خارجه ويحتاجون «الدخول» إليه؟

لا تُنتج هذه التسجيلات رواية عن الاختطاف فقط، بل تُعيد أيضاً إنتاج حدود طائفية قديمة عندما يجري تصوير الطائفة العلوية بوصفها جماعة «ملتبسة دينياً». بالتالي، لا يعود «إعلان الإسلام» فعلاً فردياً منفصلاً أو رغبة روحانية، بل يتحول إلى عرض للهيمنة والإخضاع، وإلى رسالة مُوجَّهة للجماعة. ويُضيف الإنكار العلني الذي يُفرَض على بعض الضحايا طبقة أخرى من الإذلال، حيث تُدفَعُ الضحية إلى المشاركة في نفي ما حدث لها وتجريم مجتمعها نفسه أو التشكيك في روايته، فيما يُصبح التعاطف مع الضحايا نفسه مشروطاً بإثبات قاطع للمعاناة/للخطف/للإكراه/للاغتصاب، وهو شرطٌ شبه مستحيل في بيئات بُنيت أصلاً على الخوف والعنف.

قد لا نعرف أبداً ماذا حدث فعلاً مع بتول وغيرها، وهنا تكمن المأساة الحقيقية، ولكن قضية المختطفات تكشف آلية بالغة الخطورة: القدرة على تصنيع الغموض وتحويل الشك إلى واقع سياسي قائم بذاته، بحيث لا يعود السؤال: ماذا حدث؟ بل أيُّ رواية تبدو أكثر انسجاماً مع قناعاتي؟ ومع الوقت، تعتاد المجتمعات حالة عدم اليقين والعيش في منطقة رمادية حيث لا يُمكن الجزم إن كانت الضحية مختطفة، مُكرهة أم «مقتنعة»، وتصبح الفظائع أكثر قابلية للاستيعاب وأقل قابلية للمحاسبة.

لا يحتاج العنف إلى أن يُنفى بالكامل، يكفي فقط أن يُصبح موضع جدل، يكفي إنتاج رواية بديلة أو صورة مُرتبِكة أو فيديو قصير يزرع الشك في التفاصيل، عندها يتحول النقاش من الجريمة نفسها إلى تفسيرها: هل حدثت فعلاً؟ هل يُمكن التأكد؟ وهل يحق لأحد أصلاً الادعاء بمعرفة الحقيقة؟ بهذا المعنى، قد يُصبح الشك أكثر فاعلية في حماية المجرم من خلال تفكيك التعاطف وتحويل المأساة إلى مجرد رواية غير مؤكدة. وربما يكون الاحتمال الأكثر رعباً هو أن كثيرين يُدركون في داخلهم ما يحدث بالفعل، لكنهم يفضلون الاحتماء براحة الالتباس والشك، لأن اليقين يفرض مسؤولية أخلاقية، بينما الشك لا يفرض شيئاً.