مع اقتراب المعارك من مشارف الحسكة في منتصف كانون الثاني (يناير) 2026، وزّعت المجالس المحلية التابعة للإدارة الذاتية بنادق من طراز كلاشينكوف (الروسية) على مدنيين في عدد من مدن وبلدات المحافظة، تحت عنوان «حماية المنطقة» والاستعداد لأي مواجهة محتملة.

جاء القرار في ظلِّ توتر أمني مرتفع، واعتُبِرَ «إجراءً مؤقتاً» أكثر من كونه سياسة دائمة لتسليح المدنيين. وبعد اتفاق 29 كانون الثاني (يناير) وتَراجُع احتمالات التصعيد، لم تُعلن أي جهة رسمية عن آلية واضحة لاستعادة السلاح.

بقي السلاح في أيدي المدنيين من دون تراخيص رسمية، ومن دون أي إجراءات واضحة لاستعادته أو تنظيمه. ومع مرور الوقت، لم يَعُد إطلاق الرصاص مرتبطاً بالاشتباكات فقط؛ بل أصبح جزءاً من المشهد العام داخل مدن محافظة الحسكة، يتكرر في المناسبات، استقبال أسرى، تشييع قتلى، احتفالات قومية، حفلات زفاف، وحتى عند صدور نتائج الامتحانات. فيما يدفع السكان ثمن الرصاص الطائش والخوف المستمر.

خلال الأشهر الماضية، سُجِّلت في الحسكة والقامشلي إصابات ووفيات مدنية نتيجة الرصاص الطائش، كان آخرها في أيار (مايو) الجاري حين قُتل شخصان، أحدهما طفل، وأصيب ثمانية مدنيين بعد إطلاق نار كثيف تزامن مع استقبال مُفرجٍ عنهم من السجون. كما تضرّرت ممتلكات عامة وخاصة في عدد من الحوادث المشابهة.

يقول نهاد وهو من سكان الحسكة: «أختي ماتت برصاصة طائشة وهي في حديقة البيت. خلال لحظات تغيّرت حياة العائلة كلها. تركت طفلين خلفها، لا نعرف حتى اليوم مَن المسؤول، ولا كيف أمكن أن تضيعَ حياتُها ثمَّ حَقُّها بهذه السهولة».

أمّا أبو ماهر من سكان القامشلي فقال: «كان الموضوع نادراً من قبل، واليوم صار يتكرر في كل مناسبة تقريباً. صار إطلاق النار يُعامَل كأنه جزء من الفرح أو الحزن، خصوصاً لما تشوف الناس جهات قريبة من السلطة تعمل الشي نفسه. صرنا نخاف من المناسبات، وندخّل أطفالنا إلى الغرف ونغلق النوافذ».

كما وصف رمزي وهو من سكان القامشلي: «كنت بالمشفى وشاهدت كيف استقبل خلال ساعات الليل عدة إصابات بينها حالات خطرة. كان المشهد مرعباً مع استمرار أصوات الرصاص خارج المشفى. أحد المصابين كان عنصراً في الأسايش، أُصيب خلال إطلاق نار رافق استقبال أحد المُفرج عنهم من رفاقه».

ومنذ بداية عام 2026، وثّقَ المرصد السوري لحقوق الإنسان مقتل 64 شخصاً (39 رجلاً، 22 طفلاً، 3 نساء) نتيجة الرصاص الطائش أو بطريق الخطأ في مناطق متفرّقة في محافظة الحسكة.

ورغم صدور تعميمات تمنع إطلاق النار، ورغم سقوط ضحايا وإصابات، وشكاوى من الأهالي وتوثيق الحوادث، مرّت جميع هذه الوقائع بلا أي إجراءات للمحاسبة أو خطوات جدّية لكبح هذه التصرفات، في ظلِّ غياب تام لأي خطة واضحة لسحب السلاح من المدنيين. وقد أفاد مصدر أمني من قوى الأمن الداخلي (الآسايش) في القامشلي لوكالة نورث برس، الخميس الفائت، بانطلاق حملة أمنية لـ«مكافحة السلاح المنفلت غير المرخص داخل المدينة وفي ريفها».