عمر كوش كاتب سوري .. ضفة ثالثة
انشغلت الفلسفة السياسية كثيرًا بسؤال الشرعية السياسية، وحاولت تقديم إجابات حول كيفية التعامل مع الأنظمة السياسية والموقف منها، وتحديد معايير وشروط كافية، أو لازمة لنظام الحكم على مدى شرعيته. ونظر عدد من الفلاسفة في تحديد وصياغة المبادئ النظرية للشرعية السياسية، وقدموا محددات لأحقية السلطة في سياق الصراع على الشرعية.
ترتّب على تحديد مفهوم الشرعية السياسية ومعاييرها بروز نقاشات فكرية واسعة ومتشعبة، تحولت إلى جدل عميق حول شرعية الحكم، ونتج عنه نزاعات وخلافات شديدة، طاولت محددات ومبادئ أو معايير الشرعية، وامتدت إلى المقاربات النظرية والأسس التطبيقية. ويقدّم توماس فوسن في كتابه “في مواجهة السلطة: نظرية في الشرعية السياسية” (ترجمة محمود هدهود، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 2025) مقاربة براغماتية للشرعية، عبر تسليط الضوء على طرق التعامل مع سؤال الشرعية من منظور عملي، والابتعاد عن البحث النظري في مفهوم الشرعية، الذي يقود إلى نوع من الوقائعية الإمبريقية بحسب ما وقع فيه ماكس فيبر. وعليه، ينشغل بما تعنيه الشرعية عمليًا، والذي يحدّده في اقتناع المحكومين بأحقية السلطة القائمة في ممارستها الحكم، ما يعني عدم ارتباط ذلك بالمرجعية المعيارية التي يُحكم من خلالها بشرعية السلطة الحاكمة، وبالتالي فإن مقاربة الشرعية السياسية لا تركز على تحديد شروطها المسبقة، بل على فحص ممارسة الحكم والتجربة العملية لمواجهة السلطة، واعتبارها غير محددة بمعايير ثابتة.
يعتبر فوسن أن الشرعية القائمة على العقل العمومي التي اجترحها الفيلسوف جون راولز، تفترض توفر شروط مثالية يصعب كثيرًا تحققها في الواقع، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الشرعية القائمة على الخطاب التواصلي، التي طرحها الفيلسوف يورغن هابرماس، وذلك على الرغم من عمقها، ويجادل بأن السياسات الواقعية تُمارس غالبًا في ظل وجود انقسام عميق، ومحدودية في عمليات التواصل، ووجود سياقات غير متكافئة، تجعل من اشتراط توفر الحوار العقلاني بين الناس شرطًا نظريًا يصعب تحقيقه. والمطلوب توفر بديل أكثر مرونة، يتجسد في قياس الشرعية بقدرة السلطة على تقديم مبررات مفهومة حتى إلى خصومها، وإن لم يوافقوا عليها. فقد ثبت أن الانتخابات كافية لتوفير الشرعية، وأن ذلك يختزل التمثيل السياسي في الانتخابات وحدها مثلما هو شائع في عالم اليوم، فعندما يصوّت الناس، فإن تصويتهم لا يعني أنهم يفوضون ممثليهم إلى الأبد، بل يتوقعون علاقة مستمرة من الحوار والاستجابة والتفسير. وحين تتوقف السلطة الحاكمة عن الإصغاء للناس، ولا تقدم رواية منطقية ومقنعة لقراراتها، فإن تمثيلها يصبح شكليًا، وتبدأ شرعيته بالتآكل، حتى لو كانت منتخبة، وعليه، فإن التمثيل يمثل علاقة ديناميكية، وليست ميكانيكية، أي أنها علاقة تتطلب تجديدًا دائمًا للثقة عبر الخطاب والممارسة.
إذًا، يعترض فوسن على الأطروحات والتصورات التي تعتبر الشرعية صفة تمنح للسلطة، سواء من خلال الانتخابات أو فرض النظام والاستقرار، أو عبر التطابق مع حقوق الإنسان وقواعد القانون أو مبادئ العدالة. ويقترح بدلًا منها أطروحة تعتبر الشرعية عملية سردية وتأويلية مستمرة، تقوم بها السلطة أمام الناس من أجل إقناعهم بأنها تستحق أن تحكم وتُطاع. ويعتمد نهجًا براغماتيًا ينظر إلى الشرعية بوصفها مفهومًا عمليًا، يتم بناؤه وتفسيره من خلال الأنشطة السياسية اليومية، وذلك على خلفية اعتباره أن الحكم على الشرعية ليس مجرد تطبيق لمبادئ معينة على حقائق معطاة، بل هو عملية متنوعة ومعقدة، تتضمن تشكيل تصور الناس للواقع السياسي، والحفاظ عليه، وتغييره، وأحيانًا الاحتجاج عليه وتقويضه. وبالتالي فإن الحكم بالشرعية لا يجري فيه تطبيق مبادئ محددة سلفًا، بل باعتباره اشتباكًا مع مركب من الأنشطة السياسية، ويعني مواءمة أنفسنا مع الآخرين، ومع النظام، ومع أوجه من العالم التي تحيط بنا. وعليه يجري تقصي الطرق التي يمكن بواسطتها تناول سؤال الشرعية، بدلًا من الحل النظري، ويقتضي ذلك نقل التركيز من تسويغ المبادئ إلى ملكة الحكم، فالشرعية ليست خاصية ثابتة أو مستقلة عن التجربة، بل هي وضع معياري يُنسب أو يُحجب من وجهات نظر متجسدة للذوات السياسية.
ثمة فرق بين الشرعية بحكم القانون والشرعية بحكم الواقع، حيث لا تعني الشرعية بحكم القانون خاصية موضوعية للنظام، بل في كونها إقرارًا بأن السلطة تستحق الشرعية من منظور معين، في حين أن الشرعية بحكم الواقع تعني أن السلطة مقبولة أو معترفًا بها من قبل الآخرين، ولا يعني أن الحكم الجيد يأتي من مجرد تطبيق المبادئ الصحيحة، كونه يعتمد على أنماط مشاركة الناس في موقف معين، وعلى الطرق التي تُختبر فيها نواحٍ مختلفة من الواقع السياسي ويستجيب لها الناس في ظل ظروف عدم اليقين والخلاف، ويتضمن الأمر مواجهة مستمرة للتحديات التي تفرضها السلطة على الأفراد، حيث يمكن تحديد ثلاثة أبعاد لجودة الحكم، أولها يتجسد في الاتساق بين الهويات المتعددة للفرد، أي الشخصية والجماعية، وثانيها النزاهة في تجسيد الذات في العالم، وثالثها يكمن في الاستجابة لشكوك الهوية الجوهرية وعدم اليقين.
يطرح فوسن مفهوم الحكم، الذي يصوغ الحكم بالشرعية، ليس كعملية تطبيق لمعايير معدة سلفًا على مجموعة من الوقائع الطبيعية، ولا كتفاعل عرضي بين ملكة عقلية وموضوع مثالي، بل كممارسة للتناغم بين أوجه بارزة في الواقع السياسي، حيث تقابل الصورة المعيارية في كل واحدة من السمات المميزة لها، ولا يعني ذلك إنكار أن المرجعية المعيارية تؤدي دورًا هامًا في عملية الحكم الجيدة.
تُبنى المقاربة على رؤية براغماتية حول أثر الهوية في الشرعية السياسية، حيث يظهر سؤال الشرعية كمأزق وجودي، لأن الصراع على الشرعية يتجلى في صراع على تكوين الذات السياسية الجمعية وتوصيفها، ويعبّر الحكم بالشرعية عن الانخراط في هذا الصراع. ويلعب البعد الزمني دوره في بناء الشرعية، حيث تحاول كل سلطة تبرير وجودها بالارتباط بسردية زمنية، عبر الإشارة إلى ماضٍ مجيد مثل الاستقلال الوطني والتحرّر من الاستعمار، أو إلى خطر راهن يتطلب الطاعة مثل الحرب على الإرهاب أو الفوضى، أو الوعود بمستقبل مشرق عبر التنمية وتحقيق العدالة وسوى ذلك. وتصبح الشرعية شبيهة بالحوار، حيث لا يكفي أن يكون الحاكم قانونيًا، بل يتوجب عليه أن يقدم سرديات تسوّغ سبب وجوده في الحكم، وتشرح مشروعه السياسي، فالشعوب لا تطلب فقط من يحكم، بل تطلب من يقنع، ويشرح، ومن يطلق الوعود.
غير أن الحكم عندما يفشل في الحفاظ على مثل هذه السرديات، أي حين يفشل الحاضر في تمثيل الماضي أو التحضير للمستقبل، فإن شرعيته تصبح عرضة للتآكل والاهتزاز، وتبدأ أزمات الحكم بالظهور عندما ينكشف التناقض بين الرواية الرسمية والواقع المعيش، وتفقد السلطة الشرعية التي تربط بين الحاكم والمحكوم.
يتعلق الأمر إذًا باقتراح مدخل تأويلي من أجل فهم الكيفية التي تُبنى وفقها الشرعية، والكيفية التي تؤدي إلى تهاويها، إضافة إلى كيفية اختبارها في لحظات الأزمة، لا سيما خلال الاحتجاجات. ويغدو الاحتجاج وسيلة سياسية لاختبار الشرعية، لأن السلطة تفقد شرعيتها حين لا تُواجه بالاعتراض والاحتجاج، كما أن شرعيتها تُختبر فعليًا حين تُساءل من طرف المحكومين، الذين يطالبونها بتبرير وجودها في مواجهة الانتقادات والاعتراضات، وبالتالي فإن الاحتجاج السياسي لا يجسّد مجرد رفض، بل هو دعوة إلى الحوار من خلال مواجهة تفسيرية في اللحظة التي تُجبر فيها السلطة على مواجهة روايتها عن نفسها، ويُطلب منها تعديلها أو مراجعتها، بل حتى التخلي عنها بشكل كلّي. أما الثورات والانتفاضات فهي لا تُفهم بوصفها حركات سياسية فقط، إنما باعتبارها أفعالًا سردية، تحاول إعادة كتابة الماضي عبر إدانة السلطة السابقة، وتطالب بشرعية جديدة مبنية على رواية بديلة ومختلفة.
يتوقف فوسن عند احتجاجات ميدان التحرير في الثورة المصرية عام 2011، ويتساءل حول تأثير الهوية الذي عبّر عنه رجل كان يحمل لافتة كُتب عليها: “كنت خائفًا، أما اليوم فأنا مصري”. ويرى أنه كان يشير إلى تغيّر في معنى كونه مصريًا بالنسبة إليه، أو إدراكه لهوية جديدة من خلال انخراطه في حركة احتجاجية لم يدركها من قبل، الأمر الذي يشي بمحاولة تشكيل معنى جديد للهوية المصرية. وهو ما يمثل جوهر الصراع على الشرعية، الذي تجسد في ما يعنيه هذا الرجل في أن تكون مصريًا، حيث ادعى أن موقفه تجاه النظام أصبح جزءًا أساسيًا من هويته المصرية. ولا شك في أن إظهار الهوية المصرية يتطلب الشجاعة والتغلب على الخوف، ويتطلب قبول الآخرين دعوته لربط الهوية المصرية بالنقد أو المعارضة للنظام، وبالشجاعة، ما يعني أن الهوية المصرية ليست ملكية فردية، بل هي مشاركة مع الآخرين.
أخيرًا، يخلص فوسن إلى أن عملية الحكم على الشرعية هي ممارسة جامحة لأن عملية الحكم هي قيام بشيء، وتكييف النفس عمليًا في أبعاد عديدة من الواقع السياسي، والانخراط في ممارسات نزاعية. وتتصل الذات السياسية بالنظام السياسي وبنفسها في عملية الحكم على الشرعية، كما تتصل بالبيئة المادية والتاريخية المحيطة بها.