وأنا أستعير هذا العنوان من إحدى مسرحيات بريخت (“ازدهار مدينة ماهاغوني وانهيارها”)، أؤكد أن الأمر لا يتعلق فقط بتتابع تاريخي يكون الانهيار فيه نتيجة حتمية للصعود والتألق (وتلك بديهية تاريخية محتومة)، بقدر ما يتعلق بمفارقة تجعل من عملية الازدهار حاملة لعناصر الأفول. في أوروبا الأنوار، كما في نهضتنا الثقافية، كان الناقد والنقد واجهة ثقافية تثير النقاش حول الأعمال الأدبية والثقافية، حاملة في أحشائها أسئلة الحاضر والماضي والمستقبل. وكانت أسماء من قبيل طه حسين والعقاد، ومحمد مندور وغالي شكري، ومحمد برادة ونجيب العوفي وإدريس الناقوري، وراء تكويننا الثقافي وتوجهاتنا الثقافية. أغلب النقاد كانوا يشاركون بفاعلية كبرى في النقاش السياسي، مثلهم في ذلك مثل الفلاسفة ورجال السياسة. فتراهم يعيدون النظر في التاريخ، ويشككون في بعض مناحيه، ويرصدون تحولات المجتمع، بالأخص من خلال مقالاتهم. إنها جوانب غالبًا ما لا تَعْلق بالذاكرة. فنحن لا نذكر من كتابات طه حسين مثلًا إلا “في الشعر الجاهلي” و”دعاء الكروان” و”حديث الأربعاء”، فيما تظل كتابات أخرى من قبيل “بين بين” و”الحيوان” مثلًا مجهولة، مع أنها تكشف عن الوجه الثقافي الفعلي للكاتب.
النقد الأدبي: من انزياح إلى آخر
كان الناقد الأدبي قارئًا للأدب (من شعر ورواية وقصة)، وقارئًا للوقائع الثقافية، وذا مواقف سياسية، يوازي بين النقد الأيديولوجي والنقد الاجتماعي وينظّر للرؤية للعالم. وكانت مكانة النقاد الثقافية تعادل كُتّاب الأدب إن لم تفقهم أحيانًا. الناقد كان ضرورة ثقافية لأنه كان معبر الأدب إلى قراء مهمومين بقضايا الوطن والحرية والعدالة الاجتماعية. كان الناقد مثقفًا عضويًا، بالمفهوم الذي منحه غرامشي لهذا المفهوم. بيد أن تحولات النقد غادرة وقاتلة في الآن نفسه. فلا أحد يذكر اليوم غالي شكري مثلًا، فيما طوى النسيان أسماء كانت وازنة بالمغرب كإدريس الناقوري، ولا تجد بحثًا جامعيًا اليوم عن أمثال هذه الأسماء. وهو النسيان الذي لم يسلم منه جيل السردانيين والبنيويين والسيميائيين النصيين الذين قتلوا أباهم الأيديولوجي وانخرطوا في تعريب تقنيات السرد وآلياته، ونشروا ما نشروا من كتب لم تعد اليوم تصلح إلا لإشعال نار المدافئ. ولم يفلت منهم من النسيان إلا بعضهم ممن خرجوا من جبة السرديات نحو قضايا ذات بعد ثقافي أعم كالتراث والصورة (سعيد يقطين وسعيد بنكراد مثلًا).
لقد أدرك إدوارد سعيد هذا الأمر منذ مدة حين قال بصراحته المعهودة: “إنّ تأثير كتب النقد وديمومة صيتها قصيران على نحو محبط. منذ الحرب العالمية الثانية ارتفع الحجم الإجمالي للكتب الصادرة بالإنكليزية بنسب ضخمة ضمنت لها المزيد من قصر أعمارها، إن لم نقل إنّه قضى عليها بالزوال، وبأن يكون لها تأثير لا يكاد يُذكر”. والأمر يسري أكثر على البلدان العربية، إذ بلغت منشورات النقد الأدبي بجميع تلاوينه حجمًا يضاهي أو يجاوز منشورات الإبداع الأدبي. وصارت الدراسات الأكاديمية مصدرًا هامًا من مصادر هذا التضخم الذي حجب المنشورات الفلسفية والسوسيولوجية والأنثروبولوجية. لقد غدت طاحونة النقد الأدبي تشتغل ليل نهار لأنها لا تتطلب تفكيرًا أو بحثًا ميدانيًا أو مراجعة للأدبيات السابقة. الناقد الأدبي لا يهتم بما سبقه من موجات متتالية تكسرت على صخرة التحولات. فهو لا ينظر وراءه ولا يهمه التفكير التاريخي. إنه أشبه ببغل الطاحونة الذي تغنيه كمامة العينين عن رؤية ما حوله فيدور ويدور إلى أن تلفظه عجلة التاريخ وتأخذ مكانه نظريات جديدة وأسماء مغايرة. والواقع الذي يحلله ويكتب عنه يتكفل بإبداعه الأدباء، فما عليه إلا أن يلتهم تلك الوجبات وهو في مكتبه لكي ينتج عنها خطابًا “نقديًا”.
لقد بدأت معضلة النقد الأدبي تتبدى مع ما سمي بنقد النقد. وإني لأحسب السيد تزفيتان تودوروف، الذي تخلى بدوره عن النقد الأدبي ليعود لمعشوقاته الأُوَل “الأنثروبولوجيا والجماليات والفلسفة”، نادمًا جدًا على خلق مفهوم طوطولوجي لا يصلح إلا لتعميق أزمة الكتابة النقدية. ولو مارس النقد الذاتي لأعلن ذلك جهارًا، غير أنه طوى الصفحة ومحا ماضيه وأدار له الظهر، فيما استمر التابعون العرب بعده عقودًا يلوكون ما تخلى عنه هو وجيرار جينيت وبارت منذ مدة. وجاءت بعده نظرية التلقي ونظرية النص الموجه إلى القارئ لكي توجه الانتباه نحو حضور القارئ في النص وموقعه الأساس في بلورة القيمة الجمالية التي تتصل بما يحيل عليه. ثم، حتى لا ننسى ذلك، ظهر المنظّرون للسيرة الذاتية والسيرة المتخيلة، ومعهم من تحدثوا عن لاوعي النص.
| حين تحدث رولان بارت عام 1967 عن موت المؤلف، كان ذلك ليحرّر النقد من مرجعية الذات المنتجة للنص |
ثم جاء دور النقد الثقافي ليشكل مخرجًا من مخارج هذه المعضلة، وليستوي كنشاط فكري ونقدي منفتح يهتم بتحليل الأنساق المضمرة في الخطاب الثقافي، سواء كان هذا الخطاب أدبًا، أو فنونًا، أو إعلامًا، أو عوائد يومية. وإذا كان النقد الأدبي المعروف يركز على الجماليات والبلاغة بأشكالها التقليدية والجديدة، فإن النقد الثقافي سيوجه نظره للوظيفة الاجتماعية والسياسية للنص، وللسعي إلى كشف المسكوت عنه في النص، وتجاوز ثنائية الأدب الشعبي والأدب الرفيع والأدب المكتوب والفن المصوَّر (إذ يعتبره نصًا ثقافيًا)، والبحث في القيم والسلط التي يروج لها النص أو يناهضها كالذكورية والنسوية والعنصرية، كما يستدعي تصورًا منهجيًا تفاعليًا يركز على نقد النسق الذي يندرج فيه النص لا النص في ذاته.
إن نقدًا من قبيل هذا نجد له بشائر كثيرة في الممارسات النقدية “التقليدية”. وهو يتطلب ناقدًا موسوعيًا لا يعتمد فقط على عمق معارفه ولكن أيضًا على حساسية أدبية رفيعة. ولهذا فهو يطرح إشكالية كبرى تتعلق بالأساس بمفارقة التنظير والممارسة، ومن ثم باستراتيجية المزج بين الفكري والأدبي. إنه يجد أساسه المتين في قراءة المفكرين للأدب والفن والسينما: من قبيل فوكو ودولوز ودريدا. بيد أن المعضلة التي تطرح نفسها هنا هي: ما الذي يفرق القراءة الفكرية الفلسفية للأدب والصورة والفنون عن قراءة النقاد الثقافيين؟ ولماذا يفلح نقادنا الثقافيون في بلورة الطروح النظرية ويخيبون في تقديم رصيد مقبول وجيد في التحليل الثقافي؟ بل لماذا يستدعون “ترسانة” النقد الثقافي ليقفوا عند حدود النص الأدبي؟
بيد أن السؤال الأخطر الذي ينبثق من هذه السيرورة: ألم يحطم النقد الأدبي وجوده من الداخل، أي على أيدي رموزه؟ وبمعنى آخر: ألم تكن هذه الانزياحات إلا لتكشف عن الهشاشة الداخلية لمجال تختلط فيه الصحافة بالكتابة المستقلة بالدرس الجامعي؟ ثم: أليس تضخم النقد ووفرة الكتابات النقدية السبب المباشر الذي يجعلنا نقول: إن وفرة النقد علامة على أفوله؟
النقد الأدبي في معمعة الرقمية
إن ما يروج اليوم في الجامعات العربية من نقد ثقافي ونسوي وجندري، بالرغم من طابعه النقدي، بل وبفضل انفتاحه المنهجي والمعرفي، قد وجّه الضربة القاضية للنقد الأدبي وأضحى يلعب لعبته في مجال قريب من السوسيولوجيا والأنثروبولوجيا والتحليل النفسي. لقد تحول النقد الأدبي في العقود الأخيرة إلى علوم اجتماعية مقلوبة، تبدأ من النص (لغويًا كان أم بصريًا) لتنفتح على الواقع، فيما تحيل العلوم الاجتماعية على النص الأدبي أو البصري كوسيط أو داعم للتحليل والتنظير. وهذا التناظر المرآوي يجعلنا ندرك أن المخرج الذي اختاره المجددون للنقد الأدبي هو أن يحولوه إلى فلسفة أو فكر أو علم اجتماعي للنصوص. هذا الموقع البيني، معرفيًا ومنهجيًا، يجعل “استقلالية” النقد الأدبي استقلالًا مستحيلًا وموهومًا مهما بُلورت له أسس نظرية مستقلة.
وليس من الغريب أن تحدث هذه الطفرات والتحولات المتوالية والانزياحات المسترسلة في بضعة عقود فقط، جاء المنعطف البصري والرقمي ليمنحها سيولة أكبر ومقبولية أعمق. فلقد بدأ الأمر في الشبكة العنكبوتية بالمواقع على الإنترنت، يتهافت عليها النقاد الجيدون وأشباه النقاد. وكان اكتساب موقع على الويب في بدايات الألفية الجديدة مدخلًا إلى الشهرة والاعتمادية. ثم منحت شبكات التواصل الاجتماعي ومنصات النشر المتناسلة الحرية لكل من يرغب في النشر. وتشكلت قبائل عديدة حول نقاد وكتاب يصولون ويجولون في حلبة الإنترنت، لم نسمع بهم قبل ذلك. وصارت ألقاب من قبيل الناقد والكاتب والدكتور تزين أسماء بروفايلاتهم وتقدمهم باعتبارهم مميَّزين عن عامة شعب الإنترنت. فصرتَ تجد حول كل شاعر وروائي وقصاص مغمور جحافل من النقاد في كافة الأقطار يتبادلون الكتابة عن بعضهم البعض. بل تراهم يكتبون بالطريقة نفسها عن نصوص مختلفة.
إذا كان هذا الوضع قد أفرز اهتمامًا حثيثًا بالأدب وبالكتابة عن الأدب، بل أفرز ما سماه البعض “أدبًا رقميًا” له نقاده ومنظروه من نقاد الأدب القدامى، فيمكننا اعتباره أدبًا موازيًا يستشري في شفهية جديدة لا تحكمها قوانين الملكية الفكرية ولا يرعاها الناشرون والموزعون. إنه أدب ونقد الهنا والآن، لا يستهدي إلا بوتيرة التلقي اللحظي والنسيان. والتراكم هنا قد يخلق ذاكرة أدبية وثقافية معينة، غير أنها ذاكرة تصارع دفق النسيان الغادر والحتمي.
هكذا تحول الناقد الأدبي في عصر الرقمية إلى مراجع، يستهدي في الغرب بقوانين السوق الثقافية. ولعل مؤسسات كبرى من قبيل أمازون قد لعبت دورًا كبيرًا في ذلك، بقراءات يكون فيها الناقد ظلًا للمؤلف وخادمًا للموزع، يتقن التلخيص والإطراء الجذاب ولا يعير أدنى قيمة للسياق الثقافي أو الإضافة النوعية للكتاب، بل يحول تفاهته أحيانًا إلى عبقرية أدبية. أما في العالم العربي، فإن الناقد الأدبي يعيش على تراث نقدي متقلب المزاج، ولم تنقذه من مواته المحتوم إلا الجامعات والجوائز النقدية. ومن مفارقات الزمن، أن تلك الجوائز جاءت في وقت كان فيه هذا التحول الجارف قد بدأ مسيره، مما يعلن عن مفارقة زمنية تساهم بشكل ما في ترسيخ التخلخل الزمني (أو التأخر التاريخي بلغة العروي) الذي يطبع ثقافتنا منذ وقت طويل.
وأنا أكتب هذه الورقة، وكنت قبلها ومنذ سنوات قد أكدت على تضخم النقد في مقابل ضمور الإبداع الأدبي، صادفت ما عبرت عنه ناقدة أدبية معروفة، بجسارة كبرى، بصيغة موت الناقد الأدبي. تقول لطفية الدليمي بهذا الصدد: “ليس موتُ الناقد الأدبي حادثةً عرضية، ولا نتيجةً مباشرة لانحطاط الذائقة، أو لتراجع القراءة، أو لكسل الأجيال الجديدة، أو لتنامي أنماط ما يُحسب رثاثةً ثقافية وشائعة كما يذهب الخطابُ الثقافي السائد والذي لا يكفُّ عن الشكوى والحنين لعصور أدبية سابقة. كذلك ليس هذا الموت واحدًا من الأمنيات الرغبويّة في قتل الناقد الأدبي والوقوف بسكينة في مراسم دفنه إلى جانب من سبقوه ممن قتلتهم سياساتُ ما بعد الحداثة. نحن لا نقف أمام أزمة أفراد أو غياب مواهب، بل أمام انهيار وظيفة معرفية كاملة كانت مشروطةً بسياق تاريخي وثقافي محدد لم يعد قائمًا” (*).
تغير الشرط الثقافي بل والسياسي أيضًا (إذ للثقافة سياساتها أيضًا)، الذي كان يمنح للناقد الأدبي وظيفة معرفية وفكرية معينة، قائمة على الرهان على وظيفة الكلمة والمتخيل الأدبي في تغيير الواقع أو على الأقل في الكشف عنه، يعود بالأساس إلى تغير وظيفة المثقف عمومًا، وتغير صورته وأنماط وجوده. الأمر لا يتعلق فقط إذن بتغير صيغ ووظائف المنتج الأدبي الذي عليه يقوم عمل الناقد الأدبي، وإنما بالتحولات التي عرفتها عمليات التواصل الثقافي عمومًا، والتي أفرزت بديلًا للغة هو الصورة، وبديلًا للمثقف هو المؤثر وأشباهه، وبديلًا للمثقف هو الخبير. بل إننا بتنا اليوم في عالمنا العربي نشهد تمجيدًا للأدب الموازي الذي لا يعترف بأدبية النص وإنما بجماهيريته، وعدد طبعاته ونسخه، وموضوعاته السحرية والفانتازية التي تستجذب المراهقين.
حين تحدث رولان بارت عام 1967 عن موت المؤلف، كان ذلك ليحرّر النقد من مرجعية الذات المنتجة للنص وليجاوز مفهوم الأثر الأدبي نحو النص الذي يتطلب قراءة محايثة. النص أضحى بذلك كيانًا من دون ذات واقعية تسنده أو تفسر معانيه. موت المؤلف كان حسب هذا التصور إعلانًا عن ولادة القارئ القادر على تملك النص والتمييز في ذلك بين الكتّاب والكتبة. والقراءة تغدو بذلك ضربًا من الكتابة النشيطة التي تقرر في مصير النص. وما دام بارت قد قتل المؤلف، ليعلن ولادة القارئ، ويعضد بذلك موقع الناقد، فإن موت الناقد سيغدو أكثر إشكالية. لقد أجهز عليه بشكل ما “موت” النص! ألم يعلن أمبرتو إيكو منذ نهاية الستينيات عن ولادة “الأثر المفتوح”؟
وسواء تعلق الأمر بموت أو انهيار أو أفول، علينا ألا ننسى أن النقد وساطة، وأن الوساطات (médiums) مهما كانت أهميتها تتغيّر مع الوقت كما برهن على ذلك ريجيس دوبريه منذ عقود. إنها تتغير بفعل تطوّر الحاجات وتطور التقنيات. والتقنيات الرقمية لم تغير فقط بصرنا بل حاجاتنا ونوعية تواصلنا وتعاملنا مع الأشياء والعالم. لقد غدت الثقافة اليوم، بجميع أشكالها، سائلة ومفتوحة وأثيرية. والنقد الأدبي أشرع أبوابه لما يتغيّر حوله، بغية مسايرة التحولات المعرفية المتسارعة التي عصفت به كما عصفت بالعديد من عوائدنا الثقافية. فهل كان ذلك مصيرًا محتومًا؟
(*) لطفية الدليمي، عودة لموضوع “موت الناقد الأدبي“. أنظر الرابط: