ملخص
إذا تزامنت الإجراءات الأميركية المتشددة بمحاصرة إيران، مع زيادة تقليم مخالبها في العراق ولبنان واليمن، فإن المسألة تصبح مسألة وقت قبل أن تنهار منظومة النظام التي تترنح منذ أعوام، مهما حاول أن يتنمر بالتصريحات ويعلن فرضه شروطاً على أميركا، ويأتي بمتشدد متجهم مثل محسن رضائي مسؤولاً عن الأمن القومي في البلاد.
“تورطت الولايات المتحدة وورّطت حلفاءها في الخليج العربي في الحرب على إيران، ووصلت الأمور إلى طريق مسدود”.
هذا ما خلُصت “واشنطن بوست” إليه في افتتاحيتها الإثنين الماضي، مضيفة أن الأمر أصبح بلا حسم، فلا الحرب حسمت مستقبل النظام وأسقطته، على رغم تصفية مرشده وقياداته، ولا المفاوضات أدت إلى نتائج صفقة يتمناها الرئيس ترمب وفريقه، لتخلص الصحيفة إلى أنه لا يلوح في الأفق حلّ لأزمة هذه الحرب، تكون مرضية ومقنعة للشعب الأميركي الذي لا يؤيد هذه الحرب منذ بدايتها.
وصلت جميع الأطراف إلى قناعة بأن النظام الإيراني الحالي لن يتخلى عن باقي أوراقه القليلة الباقية بيده، الصواريخ وباقي أذرعه، والأهم عدم حرية الملاحة في مضيق هرمز، ولكن الأخطر أن النظام الحالي أصبح في حِلّ من فتوى المرشد علي خامنئي بتحريم الحصول على السلاح النووي، فقد تغيرت الظروف وقُتل المرشد، وجاء مرشد غامض بدلاً منه، والفتاوى الدينية تتغير بتغير المصالح والوقائع، وبالتالي فإن من غير المستبعد أن “الحرس الثوري” سيوجه كل طاقاته وقدراته الباقية للتعجيل بتفجير نووي، للحفاظ على بقايا النظام أطول مدة ممكنة.
إغلاق المضائق ليس عملاً بطولياً، ولا هو بالأمر الصعب: عصابات تهدد، وألغام بحرية تُنثر، وربما بضع مسيّرات أو صواريخ بحرية تدفع شركات التأمين إلى التوقف عن التأمين في تلك المضائق، مما يوقف الحركة فيها، وقد رأينا أمراً مشابهاً قبل أعوام قليلة، حين أربكت عصابات قراصنة صوماليين الحركة التجارية الملاحية التي تمر عبر القرن الأفريقي وقرب باب المندب، والنتيجة أن المجتمع الدولي تكاتف للقضاء على تلك العصابات، فأصبحت أثراً بعد عين، والأمر نفسه هو ما يجب على المجتمع الدولي اتخاذه تجاه القرصنة الإيرانية في مضيق هرمز، ومحاولة الحوثي القرصنة في باب المندب، وهو ما سيحدث نهاية الأمر عاجلاً أم آجلاً.
ولكن ما الممكن عمله للخروج من حال الجمود اللاحربي واللاسلمي التي تعيشها المنطقة، مع إيران متنمرة تؤذي بقرصنتها البحرية وتحريك بقايا أذرعها في المنطقة؟ أي ميليشيات “الحشد الشعبي” التابعة لها في العراق، والحوثي الذي يحاول تخفيف الضغط عليها بارتكابه أعمالاً إرهابية ضد السعودية، وتهديده الملاحة الدولية في باب المندب؟ بينما يُذكر أن “حزب الله” يحتضر في لبنان، وسوريا سقطت من حساباته، بل حتى العراق منقسم على نفسه تجاه العلاقة مع إيران.
خيارا استئناف الحرب أو الانسحاب الكلي من المنطقة برمتها أحلاهما مرّ، فاستئناف الحرب يعني توجيه إيران صواريخها ومسيّراتها نحو بلداننا الخليجية مع الأردن، وانسحاب الولايات المتحدة الكامل من المنطقة، وتركها بين براثن الفوضى والإرهاب، سيقضي على أية صدقية لها، لا في منطقتنا وحسب، ولكن في العالم كله، بما في ذلك حلف شمال الأطلسي (ناتو)، الذي يعيش حالاً غير مسبوقة مع غموض مستقبله.
أما الخيار الثالث فهو الأسلم والأفضل لنا وللمنطقة وللشعوب الإيرانية المنكوبة، وهو خيار استمرار الوضع على ما هو عليه، أي الحصار الخانق على إيران من الاتجاهات كافة، الحصار البحري الفولاذي، كما سمّاه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والذي يحرمها من أية تجارة بحرية، بما في ذلك المراكب الخشبية البسيطة التي تحمل البضائع وتهرّب أموالاً نقدية، ويحرمها من بيع نفطها لأهم عملائها وهي الصين، والتي بدورها خفّضت اعتمادها على النفط بمقدار النصف تقريباً، معتمدة على احتياطاتها وبدائلها للطاقة، فأوقفت الولايات المتحدة ذلك، وعرقلت كل الأساطيل الشبحية والظلية التي تهرّب إيران من خلالها بعضاً من نفطها.
كذلك زادت الولايات المتحدة حصارها على النظام في إيران، وهددت بمعاقبة وعدم التعامل مع أية شركة في العالم تتعامل معها، بل زادت بوقف التحويلات الصرافية كافة (من الصراف)، بعدما أوقفت التعاملات المصرفية معها، وهذا يعني أنه حتى دكاكين الصرافة المنتشرة في المنطقة، والتي تحوّل إيران من خلالها أموالاً وعملة أجنبية، توقفت أو تعرقلت نشاطاتها الصرافية بصورة كبيرة، مما يعني مزيداً من التدهور المعيشي والمالي والاقتصادي والإداري للنظام.
وإذا تزامنت هذه الإجراءات المتشددة بمحاصرة إيران، مع زيادة تقليم مخالبها في العراق ولبنان واليمن، فإن المسألة تصبح مسألة وقت قبل أن تنهار منظومة النظام التي تترنح منذ أعوام، مهما حاول أن يتنمر بالتصريحات، ويعلن فرضه شروطاً على أميركا، ويأتي بمتشدد متجهم مثل محسن رضائي مسؤولاً عن الأمن القومي في البلاد، فالشروط التي أعلنها “الحرس الثوري” لم تكن موجهة لأميركا بل للداخل الإيراني، ومفادها انظروا إلى “الحرس الثوري” قوياً ومنتصراً، ويفرض شروطه على أميركا، وكذلك فإن الإتيان بمحسن رضائي مسؤولاً أمنياً رئيساً هو أيضاً رسالة للداخل، مفادها تذكري أيتها الشعوب الإيرانية أن محسن رضائي هو من قمع ثوراتكم منذ عام 2009، فلا تفكروا في الثورة على نظام “الحرس الثوري الجديد”.
صحيح أن دول الخليج متضررة من هذا السيناريو، فتجارتها معطلة، وأجواؤها متوترة، ومشاريعها تتأخر، ولكن هذا السيناريو من الموت البطيء للنظام الإيراني هو أفضل الحلول، واستمراره أقلها ضرراً علينا وعلى الشعوب الإيرانية المستضعفة.
