تصرّ الماكينة الإعلاميّة الخمينية المدافعة عن أذرعها في الإقليم على تثبيت أمرين اثنين لدى كل من ينتمون إليها؛ أولهما: أن كل الوقائع التي ترتّب لدى أتباعها بدءاً من الحشد والتجنيد للصغار والكبار، وليس انتهاءً بتفخيخ الزوارق وزرع الألغام وإطلاق المسيّرات، إنما هي جزء من العمل السياسي! وعليه فإنَّها مُبرَّرةٌ ضمن أهدافٍ يُسعى إليها! وهي بذلك تريد أن تميّز الميليشيات التابعة لها كالحوثي و«حزب الله» عن «داعش» و«القاعدة». هذه الحيلة تأتي منتظمة مع سيولة التنظير الدعوي المدعوم في المناسبات الشعبية والمهرجانات الطائفيّة الحاثّة على تحويل الحياة إلى مقبرة شاسعة، وإلى تزويد طاقات كل الأجيال بذكريات الانتحار والموت، حتى بات التابع يتربّى على أن يصحو مستعداً لإحياء ذكرى ميّت، بدلاً من أن ينهض لعيش يومٍ مفيد.
الثاني: اللوذ بالمفاهيم السياسيّة قدر الإمكان بغية التملّص من نعوت الإرهاب والعدميّة، وهذا ما تصبو إليه الجماعة الحوثيّة الإرهابيّة على سبيل المثال التي تحاول استثمار تجارب من سبقها باستعمال المفاهيم السياسيّة بغية تبرير أعمالها الإجرامية، إنها جماعة تريد أن تعتني بما تبقّى لها من حيثيّة قبليّة بحيلٍ عديدة، منها لعبة التوسيط الإقليمي أو إطلاق شعاراتِ السياسة والقانون في المنصّات الأممية.
من قبل كتب الأستاذ يوسف الديني بهذه الجريدة مادة تستحق التعليق، عنْونها بـ«المسألة اليمنية تتحول إلى قضيّة أمن دولي»، رأى الديني: «أن حسين الحوثي نفسه دخل في خصومات فكرية، بينما كان يبني خطاباً جديداً يمزج بين التعبئة الحركية التي عرفتها تيارات الإسلام السياسي، والقراءة الثورية للنَّص التي نجد بعض ملامحها عند سيد قطب، وبين المفردات والشعارات التي أنتجتها الثورة الخمينية… اليوم يمكن القول إن ميليشيا الحوثي قد تجاوزت حتى ذلك المزيج الآيديولوجي، وتحولت بمرور الوقت إلى بنية عسكرية وسلالية مغلقة مهووسة بالسلطة ودفع أي ثمن للبقاء فيها مثل الإخوان المسلمين ولو من خلال الحوار مع إسرائيل، كما أنَّها تسعى لتجريف الهوية اليمنية العربية والإسلامية، وإعادة تشكيل المجتمع والدولة وفق تصور يمنحها حقاً استثنائياً في الحكم والقوة القسرية».
وأضيف أن تلاقي الإرهاب الحوثي مع المجاميع الأصولية على اختلاف مشاربها ومذاهبها ساهم في التغطية على بعض إرهابهم، وبسط بعض هيمنتهم، بل وفي تأصيل النظرية الحوثيّة الإرهابية ضمن المذهبيّة المحليّة وتفصيلها بما يتيح للجماعة أن تتغوّل قبلياً وأن تعبئ حشودها داخلياً.
قصّة التلاقي بين الإخوان والحوثي لئن لم يستوعبها العامي المنتمي الكادر، فإنَّ من المريب أن يجهلها المعلّق الذي يدّعي «العلمانية»، سواءٌ كتب وظهر من منفاه الأوروبي أو من عواصم أخرى تدعم الحالة الخمينيّة الإرهابية المارقة.
نحن نراهم الآن ينافحون، فحين شبع الحوثي من الاستثمار بالإخوان المسلمين وضَمِنهم، يحاول الآن استيلاد «حالة علمانية» تحليلية يتمكّن عبرها من التبرير لأعماله الإرهابيّة في المجاميع الدوليّة، وهذا التغبيش السياسي مردّه آيديولوجي بطبيعة الحال كما فعل «حزب الله» في الإقليم حيث تحالف مع أعتى الأحزاب المسيحية «العلمانيّة»، وساهم هذا الحزب وبقوة في تسهيل مرور إرهاب «حزب الله» بالخليج والعالم.
لقد تبنّى «حزب الله» العديد من الفنانيْن والمحللين السياسيين المجاهرين بالإلحاد. منحهم مساحاتٍ كبرى في قنواته وصحفه وعزّز لهم حضورهم في المجال العام الشعبي والرسمي وهذا معروفٌ ومشهود.
الخلاصة؛ أنَّ التجربة الحوثيّة ليست سياسيّة، وإنما صيغت وبخبثٍ ضمن المسار الانتحاري العدمي الكاره لمحيطه. وأمَّا محاولات الحوثي في دحض وصفه بالإرهاب، أو تبريره لقصف المقدسات، إنما تأتي في سياق محاولة بسط تجربة إرهابيّة أشدّ مكراً وأكثر فتكاً.
لئن استعان الحوثي من قبل بالتلاقي مع الأصوليّات التقليدية، فإنه الآن يحاول أن يبدأ في تحالفاته السياسيّة حتى مع «العلمانيين» و«الإنكاريين» مقابل نصرتهم له باختطاف الدولة اليمنية إلى الأبد.
إنها صفقة تحليلية بين الحوثي ومعاونيه الجدد تذكّرنا بدفاع مفكّرين عن احتلال صدام حسين للكويت، حينها كتب الوزير الراحل غازي القصيبي «في البحث عن المثقف» (!).
