تعدُّ زيارة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام إلى واشنطن مفصلية. في كل المباحثات وجد الوفد اللبناني أن الجانب الأميركي مُلمٌ بتفاصيل ما يجري في بلاد الأرز: قرارات وأداء وسلوك المؤسسات، كما بطء الجهات المعنية بتنفيذ ما وُصف عن حق بقرارات تاريخية؛ لنزع السلاح وبسط السيادة واستعادة الدولة، التي لم يسبق لحكومة لبنانية أن اتخذتها منذ «اتفاق القاهرة» قبل 57 سنة.
أكد سلام على قرار نزع السلاح، وطرح «ثنائية تبادلية»، جوهرها أن ينظّف الجيش اللبناني منطقة في شمال الليطاني، مقابل انسحاب إسرائيلي من منطقة في جنوبه. طرحٌ حمل تصحيحاً جزئياً للسياسة الرمادية المتبعة التي فاقمت الخسائر ومنطلقها: وقف الاعتداءات وانسحاب الجيش الإسرائيلي فينتشر الجيش اللبناني وتعالج السلطة السلاح اللاشرعي. لكن مشكلة هذا الطرح أنه يتجاوز مضمون اتفاق 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، الذي تضمن موافقة «حزب الله» على نزع الشرعية عن سلاحه في كل لبنان، وحصره بيد القوى العسكرية والأمنية الشرعية، كما تفكيك البنى التحتية اللاشرعية من عسكرية ومالية واجتماعية. ومعروف آنذاك أنه تحت وطأة هزيمة «حزب الله» واغتيال قادته وكوادره، والهزيمة التي أنزلها العدو الإسرائيلي بلبنان، وافق ثنائي المفاوضات: نبيه بري ونعيم قاسم على الاتفاق الذي حمله الوسيط الأميركي عاموس هوكشتاين.
شكَّل هذا الاتفاق مرجعية لـ«الاتفاق الإطاري» الثلاثي. وهو اتفاق مهما قيل فيه وعنه، فقد عكس موازين القوى بعدما تسبب النظام الإيراني، عبر واجهته اللبنانية، باستدراج الاحتلال ونشوء «منطقة صفراء» محتلة امتدت إلى شمال الليطاني، وأنزل نكبة كبرى بالبيئة الجنوبية… لكنه خلا من أي إشارة إلى مناطق صفراء أو رمادية، وتضمن موافقة إسرائيلية على «إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي إلى خارج الحدود اللبنانية»، وارتكز إلى معادلة لا فكاك منها لاستعادة السيادة: الأرض مقابل السلاح.
«الثنائية التبادلية» لسلام واجهها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بثلاثية لا تخرج عن منطوق اتفاقي «الإطاري» و«اتفاق وقف الأعمال العدائية»، ولا عن قرارات مجلس الوزراء. أولها نزع السلاح وتفكيك البنى التحتية لـ«حزب الله»، وثانيها نشر الجيش وتمكينه، وثالثها انسحاب إسرائيلي تدريجي إلى خارج الحدود. مع لفت انتباه أميركي بأن السيادة اللبنانية لا يمكن أن تظل رهن حسن نوايا «الحزب».
حملت مباحثات واشنطن تحذيراً أميركياً من أخطار إبقاء نزع السلاح بنداً مؤجلاً، تستغله إسرائيل للامتناع عن الانسحاب. كما حملت طروحات مفادها أن لبنان أمام اختبار جوهري لتظهير قدرة حكومته الشرعية على تحويل قراراتها الدستورية بنزع السلاح وحظر الأنشطة العسكرية والأمنية لـ«حزب الله» واقعاً ملموساً… وتأكيد بأن السيادة على الأرض أكثر من انتشار شكلي للجيش. والمقصود همروجة الانتشار الذي تلى نداءات مدن وبلدات الجنوب التي طالبت بعودة السلطة ومرجعيتها الوحيدة، وجمع السلاح اللاشرعي وتفكيك البنى العسكرية والأمنية لـ«حزب الله».
سلّط التوصيف الدقيق لمهمة الانتشار العسكري الضوء على منع تكرار تلة «علي الطاهر» 2 أو 3، عبر خطوات عسكرية جدية باتجاه جبل الريحان وتلال سجد ومليتا كما بركة جبور في البقاع الغربي، لتنظيفها من السلاح اللاشرعي لـ«حزب الله» و«الحرس الثوري»؛ ما يقطع الطريق على المخطط الإسرائيلي بمواصلة التدمير والتهجير، ويؤمّن حماية واسعة للبلدات والقرى والأهالي، بخلاف ما جرى في محيط «علي الطاهر»، حيث رتب سقوط التلة وأنفاقها دماراً واسعاً في منطقة النبطية ومضاعفة التهجير!
لقد صار جلياً أن الولايات المتحدة هي اليوم الوجهة الرئيسية للبنان لتأمين الدعم السياسي الذي يمنح السلطة هامشاً يمكنها من مواجهة تراكم الاستحقاقات التي ينوء لبنان تحت ثقلها. وصار واضحاً لدى اللبنانيين، وأغلبية جنوبية وازنة، زيف تلك الروايات بأن «المقاومة» تحمي لبنان والجنوب وأهله (…) في حين واقع الحال يثبت أن تلك «المقاومة» هي عقبة كأداء أمام إعادة الإعمار والعودة الآمنة وضمان كرامة الناس.
المراوحة خطر على لبنان، والجمود في المفاوضات السياسية يفاقم الأخطار، ولبنان المنكوب لا يملك رفاهية انتظار حلول المنطقة وتسوياتها، «التي قد تأتي أو لا تأتي، أو قد تتأخر سنوات، وإذا حصلت فقد تكون على حسابنا»، كما ذكر الرئيس سلام من النبطية يوم الجمعة الماضي.
عليه، آن أوان الخروج من السياسات الرمادية التي طبعت عمل السلطة طيلة أشهر طويلة، بدت خلالها وكأنها تنتظر جهة ما تنهض بما هو حصراً دورها ومسؤوليتها. إن نزع السلاح من دون إبطاء، وإطلاق مسار إصلاحي حقيقي يرتكز إلى المحاسبة والمساءلة، بات الممر الإجباري للانتقال بلبنان من زمن ما قبل حربي «إسناد» غزة وإيران، إلى زمن ما بعدهما: زمن بسط السيادة بوجهيها السياسي والمالي الاقتصادي، فتطوى مرحلة طويلة من استباحة الأرض وحقوق الناس وانتهاك العدالة. كذلك، ما كان زمن لبنان الساحة، ليحل مكانه زمن لبنان الوطن، الذي يحمي أهله ويصون كراماتهم ويرفع عنهم الغبن، بعدما تعرضوا لإفقار متعمد أذلهم وباتت أكثريتهم تحت مستوى خط الفقر.
