
كشفت مصادر خاصة لـِ “المدن” أن التوترات المتصاعدة في مدينة الحسكة، على خلفية حوادث استهداف اللوحات الحكومية قرب مبنى القصر العدلي، تتجاوز في حقيقتها الجدل المرتبط باللغة الكردية، وتعكس صراعاً أعمق داخل القوى السياسية والعسكرية بشأن ترتيبات الدمج الأمني والعسكري الجارية في المنطقة.
وحسب المصادر، فإنَّ مجموعات مرتبطة بما يُعرف بـِ “الشبيبة الثورية” قامت خلال الأيام الماضية برفع رايات وصور حزبية في عدد من أحياء المدينة، وهذا ما تسبب بحالة من الاحتقان والتوتر بين الأطراف المختلفة، قبل أن تتطور الأحداث إلى الاعتداء على اللوحة الضوئية للمرة الرابعة.
من جهته، أكد محافظ الحسكة نور الدين أحمد أن أعمال التخريب التي شهدها محيط القصر العدلي مرفوضة بالكامل، مشدداً على أنها لا تعبّر عن قيم أبناء المنطقة ولا تخدم الاستقرار المجتمعي.
ودعا المحافظ إلى الحفاظ على الممتلكات العامة باعتبارها ملكاً لجميع المواطنين، محذراً من أن الاعتداء عليها يؤدي إلى زيادة التوتر وتعطيل مصالح السكان وإضعاف التماسك الاجتماعي، كما طالب مختلف الأطراف بالتحلي بالمسؤولية الوطنية واعتماد الحوار والعقلانية، والابتعاد عن أي ممارسات من شأنها تأجيج الأوضاع أو نشر الفوضى داخل المدينة.
جهود احتواء الأزمة
وأشارت المصادر إلى أن المشهد مرشح لمزيد من التصعيد، في ظل وجود جهات تسعى بصورة غير مباشرة إلى تعطيل أي جهود تهدف إلى احتواء الأزمة أو تخفيف حالة الاحتقان القائمة، مؤكدة أن قوات الأسايش و”قسد” حاولت خلال الفترة الأخيرة الحد من تحركات عناصر “الشبيبة الثورية” عبر إجراءات أمنية وتنظيمية، إلا أن غالبية المشاركين في التحركات الأخيرة هم من القاصرين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و16 عاماً، ما يزيد من تعقيد التعامل الأمني مع الموقف.
وبيّنت المصادر أن جوهر الأزمة لا يرتبط بمسألة اللغة أو طبيعة اللوحات المكتوبة بالعربية أو الكردية، بل يعود إلى خلافات أوسع تتعلق بالنفوذ داخل المؤسسات الحزبية والعسكرية، إضافة إلى وجود شخصيات وقيادات تعمل على تأجيج الخلافات ومنع الوصول إلى تفاهمات داخلية.
نموذج التنوع الثقافي
وقال أحمد الهلالي، نائب محافظ الحسكة، لـِ “المدن” ، إن المحافظة تُعد نموذجاً للتنوع الثقافي واللغوي في سوريا، حيث تتعايش فيها العربية والكردية والسريانية بمختلف لهجاتها، إلى جانب الأرمنية والتركمانية وغيرها من اللغات التي تعكس غنى النسيج الاجتماعي في المنطقة.
وأضاف الهلالي أن اختلاف اللغات والألسن يمثل مظهراً من مظاهر التنوع الإنساني والقدرة الإلهية، مستشهداً بالآية الكريمة: “ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين”، مؤكداً أن اللغة الكردية هي لغته الأم ولغة المجتمع الذي نشأ فيه، وأن الاعتزاز بها لا ينفصل عن احترام جميع مكونات المحافظة.
وحول الجدل المتعلق بعدم تضمين اللغة الكردية في لافتة قصر العدل، أوضح الهلالي أن القصر العدلي مؤسسة رسمية تخضع للقوانين والتشريعات السورية النافذة، مشيراً إلى أن المرسوم رقم /13/ يعتبر اللغة الكردية لغة وطنية، ويسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة ضمن المناطق ذات الغالبية الكردية، من خلال المناهج الاختيارية والأنشطة الثقافية والتعليمية.
وأكد أنَّ اللغة العربية تبقى، وفق الدستور السوري والتشريعات المعمول بها، اللغة الرسمية الوحيدة في مؤسسات الدولة والمعاملات الرسمية والتعليم والتوثيق القانوني، مشدداً على أنَّ اعتمادها في المخاطبات الرسمية يُعد جزءاً من سيادة الدولة والنظام العام، وأنَّ أي تعديل في هذا الإطار يحتاج إلى مسار دستوري وتشريعي عبر المؤسسات المختصة.