خليل حسين . محرر بموقع السفينة
منذ سنوات طويلة، لا تزال الطبقة السياسية السورية تتحدّث باسم الديمقراطية بوصفها شعاراً جاهزاً أكثر من كونها مشروعاً حقيقياً لإعادة بناء السياسة والمجتمع. وفي كل محطة مفصلية يعيشها السوريون، يعود الخطاب ذاته: الحديث عن “الانتقال الديمقراطي”، و”تمثيل الشعب”، و”الشرعية السياسية”، بينما تبدو البنية السياسية نفسها عاجزة عن تجديد أدواتها أو مراجعة تجربتها أو حتى بناء علاقة طبيعية مع الشارع السوري الذي تغيّر بصورة جذرية خلال سنوات الحرب والانهيار.
المشكلة الأساسية لا تكمن فقط في ضعف الأداء السياسي، بل في أزمة عميقة تتعلق بمفهوم السياسة نفسه داخل معظم التشكيلات السورية التقليدية. فالكثير من القوى والأحزاب ما زال يتعامل مع الديمقراطية باعتبارها وسيلة لإعادة إنتاج النخب القديمة بأسماء جديدة، لا باعتبارها عملية تغيير حقيقية تقوم على تداول الأفكار والقيادات والبرامج. ولهذا تبدو الحياة السياسية السورية وكأنها تدور داخل الحلقة ذاتها، حيث الوجوه نفسها، والخطابات نفسها، والانقسامات نفسها، رغم التحولات الكبرى التي أصابت المجتمع السوري.
لقد كشفت السنوات الماضية عن فجوة واسعة بين الطبقة السياسية والشارع السوري. فالسوري الذي يعيش أزمات اللجوء والفقر والبطالة وفقدان الأمان، لم يعد معنيّاً بالشعارات الأيديولوجية القديمة بقدر اهتمامه بأسئلة الحياة اليومية والعدالة والكرامة وفرص النجاة. ومع ذلك، لا تزال قوى سياسية كثيرة أسيرة خطاب أيديولوجي يعود إلى عقود مضت، وكأن الزمن السوري لم يتغيّر، وكأن الكارثة التي عاشتها البلاد لم تفرض مراجعات فكرية وتنظيمية عميقة.
هذه الأزمة ليست أزمة أفراد فقط، بل أزمة بنية سياسية كاملة. فمعظم الكيانات السورية تعاني من ضعف شديد في التنظيم الداخلي، وغياب المؤسسات، واحتكار القرار داخل دوائر ضيقة، إضافة إلى غياب آليات المحاسبة والشفافية. ولهذا تبدو الديمقراطية داخل هذه التشكيلات نفسها غائبة أو شكلية، في تناقض واضح مع الخطاب الذي ترفعه أمام الجمهور.
كما أن جزءاً كبيراً من الطبقة السياسية السورية لا يزال يفكر بعقلية الاستقطاب الأيديولوجي الحاد: قومي ضد إسلامي، يساري ضد ليبرالي، علماني ضد ديني. غير أن المجتمع السوري، بعد سنوات الحرب، تجاوز إلى حد بعيد هذه التصنيفات التقليدية، وأصبح يبحث عن مشروع وطني جامع قادر على استعادة الدولة والمجتمع معاً، بعيداً عن الشعارات المغلقة والهويات السياسية الصلبة.
إن أخطر ما تواجهه السياسة السورية اليوم هو فقدان الثقة. فالكثير من السوريين باتوا ينظرون إلى النخب السياسية بوصفها جزءاً من الأزمة، لا جزءاً من الحل. وهذا الشعور لم يولد من فراغ، بل من تراكم طويل للفشل والانقسامات والصراعات الشخصية والارتهانات الخارجية، إضافة إلى العجز عن إنتاج رؤية وطنية واضحة تستجيب لحاجات السوريين الفعلية.
ومع ذلك، فإن الأزمة الحالية قد تحمل في داخلها فرصة حقيقية لإعادة التفكير. فسقوط الكثير من المسلمات القديمة، وتراجع تأثير الأيديولوجيات التقليدية، يفتح الباب أمام ولادة تيارات سياسية جديدة أكثر ارتباطاً بالواقع السوري، وأكثر قدرة على فهم التحولات الاجتماعية والثقافية التي أنتجتها سنوات الحرب.
إن أي مشروع سياسي سوري جديد لن ينجح ما لم يبدأ أولاً بالاعتراف بحجم القطيعة القائمة بين السياسة والمجتمع، وما لم يتخلّ عن وهم احتكار التمثيل، أو إعادة تدوير النخب ذاتها تحت عناوين مختلفة. فالديمقراطية ليست مجرد انتخابات أو شعارات، بل ثقافة سياسية تقوم على النقد والمراجعة والتجديد والقدرة على الاستماع إلى الناس.
السوريون اليوم لا يبحثون عن خطابات كبرى بقدر ما يبحثون عن صدق سياسي، وعن قوى تمتلك الشجاعة للاعتراف بالأخطاء، وتقديم رؤية واقعية لمستقبل البلاد. وربما تكون الخطوة الأولى نحو أي تغيير حقيقي هي خروج الطبقة السياسية السورية من أسر الأيديولوجيا المغلقة، ومن عقلية الماضي، نحو فهم جديد للسياسة بوصفها خدمة للمجتمع لا وسيلة لإعادة إنتاج السلطة والنخب.