ملخص
الارتفاع الكبير بالدولار يفيد الدول الخليجية التي ترتبط عملتها بالدولار، إذ يعزز من قدرتها الشرائية، لكن في الوقت نفسه يؤدي إلى تحطيم الطلب على النفط. ومستقبلاً، إذا صدقت توقعات من يرون أن أزمة الدين ستؤدي إلى انهيار في الاقتصاد الأميركي والدولار، فإن هذا يثير سؤالين: هل تستمر الدول الخليجية بربط عملاتها بالدولار؟ وهل يستمر تسعير النفط بالدولار؟
يسعر النفط الخام وجميع منتجاته، إضافة إلى الغاز المسال، في الأسواق العالمية بالدولار الأميركي، لذلك فإن كل ما يؤثر في قيمة الدولار ينعكس مباشرة على أسواق الطاقة العالمية. وفي المقابل، فإن أي أزمات طاقة عالمية ترفع أسعار الطاقة، وبخاصة النفط، فتؤثر في موازين مدفوعات الدول المصدرة والمستهلكة، ومن ثم في أسعار الصرف، وفي نهاية المطاف في قيمة الدولار نفسه.
تصبح هذه العلاقة المتبادلة ذات أهمية خاصة في ظل أزمة الديون الأميركية وأزمة البحار الأربعة (الخليج العربي، البحر الأحمر، البحر الأسود، البحر المتوسط)، التي تتضمن أزمة طاقة حادة. وأزمة مضيق هرمز لا تقتصر على النفط والغاز فحسب، بل تمتد إلى منتجات أخرى مثل الهيليوم والأسمدة والميثانول والألمنيوم وغيرها، ومعظمها يباع ويشترى بالدولار الأميركي.
الأزمة الأميركية
بغض النظر عن أزمة هرمز، فإن أزمة الدين الأميركي تفاقمت إلى حدود باتت تهدد الاقتصاد الأميركي، ويرى البعض أنها تهدد الاقتصاد العالمي بأسره، ومنذ أكثر من 20 عاماً يحذر المتخصصون من تفاقم هذه الأزمة.
تلجأ الولايات المتحدة إلى الاستدانة من الداخل والخارج، بما في ذلك من حكومات دول أخرى، عبر إصدار سندات خزانة تتداول في أسواق الأوراق المالية، ويستثمر المستثمرون في هذه السندات لما توفره من عائد مضمون نسبياً. ويتأثر هذا العائد وأسعار السندات بسياسات بنك الاحتياطي الفيدرالي الذي يتحكم في أسعار الفائدة. يحاول البنك السيطرة على التضخم عبر رفع أسعار الفائدة لكبح الاستهلاك والاستثمار، ويسعى إلى تعزيز النمو الاقتصادي عند انخفاض التضخم عبر تخفيض أسعار الفائدة.
يرغب الرئيس ترمب في تخفيض أسعار الفائدة لتحفيز النمو الاقتصادي قبل الانتخابات الأميركية، إذ يعد النمو الاقتصادي ومعدلات العمالة من أكبر العوامل المؤثرة في نتائج الانتخابات. وآخر ما يريده أي سياسي في السلطة هو تراجع النمو الاقتصادي وارتفاع البطالة، غير أن أزمة البحار الأربعة تحول دون تحقيق ذلك بسبب التضخم الناتج منها، فالحرب من جهة، والتضخم من جهة أخرى زادا من أعباء الدين الأميركي. ومع ذلك، يلاحظ أن أسعار الغاز الطبيعي ما زالت منخفضة، وأن أسعار الوقود في الولايات المتحدة أقل نسبياً مقارنة بمعظم الدول الأخرى، وهذا خفف من حدة الأزمة.
ويتضح من الصورة العامة أن المستفيد الأكبر من أزمة هرمز، سواء على المديين القصير أو الطويل، هو الولايات المتحدة، كما شرح في مقالات سابقة، لكن هذا يأتي بكلفة، معظمها في المدى القصير، وقد تتحول هذه الكلفة إلى أزمة خانقة حتى في المديين المتوسط والطويل إذا كبلت الدين الاقتصاد الأميركي وخنقته.
أثر أزمة الطاقة في أزمة الديون
تجاوز الدين القومي الإجمالي الأميركي 40 تريليون دولار في منتصف أغسطس (آب) الجاري، أي ما يقارب ضعفي ما كان عليه قبل عقد. وبلغت مدفوعات الفائدة السنوية نحو تريليون دولار، لتصبح من أكبر بنود الإنفاق الفيدرالي بعد الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس عجزاً يقترب من تريليوني دولار هذا العام، بينما ارتفعت عوائد سندات الخزانة لأجل 30 عاماً إلى نحو 5.3 في المئة، وهي أعلى مستويات منذ نحو عقدين، مما دفع وزارة الخزانة إلى زيادة عمليات إعادة الشراء لتهدئة الأسواق.
تغذي أسعار الطاقة المرتفعة هذه الأزمة عبر التضخم، فارتفاع كلف الوقود ينعكس في مؤشر أسعار المستهلك، مما يدفع المستثمرين إلى المطالبة بعوائد أعلى على السندات الطويلة الأجل لتعويض تآكل القيمة الحقيقية. ويؤدي ذلك إلى زيادة كلفة خدمة الدين، فيتسع العجز، ويزداد الإصدار، فترتفع العوائد مجدداً في حلقة مفرغة.
ويضيف الإنفاق المرتبط بالحرب ضغطاً إضافياً على الموازنة، وفي الوقت نفسه ترفع العوائد المرتفعة كلفة تمويل مشاريع الطاقة، سواء في حفر الآبار أو محطات الغاز المسال أو الشبكات الكهربائية أو الطاقة النووية والتخزين، وهذا يؤدي إلى منافسة بين سندات ديون شركات الذكاء الاصطناعي (التي تبني مراكز بيانات كثيفة الاستهلاك للكهرباء) مع سندات الخزانة على رأس المال المتاح.
وينتج من ارتفاع الدين وكلف خدمته تحجيم قدرة الحكومة على الاستجابة للظروف المختلفة، كما تقلص المخاوف المالية الحوافز الفيدرالية السابقة للطاقة النظيفة. وتتقلص المساحة المتاحة للسحب من احتياطات النفط الاستراتيجية أو دعم المستهلكين أو تمويل البنية التحتية للطاقة على نطاق واسع، ومن جهة أخرى تدعم الأسعار المرتفعة إيرادات المنتجين الأميركيين والضرائب المرتبطة بها، لكن ذلك لا يعوض الضغط الكلي على المالية العامة.
في الأمد الأطول يهدد هذا التقاطع بين أزمة الدين وأزمة الطاقة بتقويض المرونة الأميركية في الدبلوماسية الطاقية والسياسة الخارجية، فإذا استمرت الاضطرابات في هرمز قد تتعمق حلقة التضخم-الفائدة-الدين، مما يرفع كلفة رأس المال عالمياً ويبطئ الاستثمارات في الانتقال الطاقي على رغم الحاجة الملحة إلى تلبية الطلب المتزايد.
هنا لا بد من ذكر فكرتين، الأولى أن البعض يرى أن أزمة الدين “اختيارية” ومن ثم تستطيع الحكومة الأميركية التحكم بها والتخلص منها في أي وقت من طريق زيادة في النمو الاقتصادي من جهة، وتخفيض الإنفاق العسكري والاجتماعي والصحي من جهة أخرى. ويرى البعض أن أزمة الدين هي نتيجة للهيمنة العسكرية الأميركية ومن ثم فإنها تستطيع التحكم بها على كل حال من منطلق القوة، بحيث تجبر الحكومات والشركات على عدم سحب أموالها، كذلك فإن الحكومة الأميركية غنية لأنها تملك أصولاً ضخمة، وبهذا فإنها إذا أجبرت بطريقة ما على تخفيض الديون، فإنها تستطيع ذلك من طريق بيع هذه الأصول، بخاصة أن غالب الغرب الأميركي وألاسكا مملوك للحكومة الفيدرالية، وتشير تقديرات مختلفة إلى أن قيمتها تتجاوز 40 تريليون دولار.
أثر أزمة الديون في أزمة الطاقة
تؤثر أزمة الديون في أسعار الفائدة وأسعار صرف الدولار والإعانات الحكومية لمشاريع الطاقة المختلفة، فارتفاع أسعار الفائدة يخفض الاستثمارات في الصناعة بسبب ارتفاع كلف الإقراض، مما يقلل من أنشطة البحث والتنقيب، ويؤدي لاحقاً إلى نقص المعروض بحيث لا يستطيع تلبية الطلب، فيرتفع سعر النفط، وهذا بدوره يرفع التضخم ثم أسعار الفائدة، وهكذا تدور الحلقة المفرغة حتى يحدث ركود اقتصادي ينهيها.
ويدعم ارتفاع أسعار النفط والغاز الدولار الأميركي، كون الولايات المتحدة أكبر منتج للنفط والغاز وأحد أكبر المصدرين في العالم، كذلك فإنها أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال، وفي المقابل تنخفض عملات الدول التي تعاني عجزاً أكبر في ميزان المدفوعات مقابل الدولار، مما يسهم في تدمير الطلب على النفط.
ونظراً إلى العجز الكبير في الموازنة وزيادة كلفة الاقتراض، ينخفض الإنفاق الحكومي على إعانات مشاريع الطاقة كما ذكر سابقاً، بخاصة الوقود الحيوي والطاقة الشمسية وطاقة الرياح ودعم الطاقة النووية، وهذا يقلل بدوره من إنتاج الطاقة مستقبلاً.
ويظهر الأمر أكثر وضوحاً أثناء أزمات الطاقة الخانقة التي ترتفع فيها الأسعار بصورة كبيرة، فتجبر الحكومة على تقديم إعانات لشرائح واسعة من المواطنين وتخفيضات ضريبية للشركات، مما يفاقم العجز وأزمة الدين. وإذا كانت أزمة الطاقة ناتجة من أمر مماثل لما حدث في هرمز، فهذا يعني زيادة في الإنفاق العسكري لتأمين ممرات التجارة العالمية، مما يفاقم عجز الموازنة وأزمة الدين.
كذلك فإن ارتفاع أسعار الطاقة بصورة عامة يضعف النمو الاقتصادي بسبب ارتفاع الكلف، حتى لو لم ترتفع أسعار الفائدة، مما يؤدي إلى انخفاض حصيلة الضرائب التي تجمعها الحكومة، فيتفاقم العجز في الموازنة ويجبرها على الاقتراض وزيادة الديون.
الخلاصة
لم تعد أسواق الطاقة مجرد قصة عرض وطلب، إنها مرآة للأزمات المالية والجيوسياسية المتشابكة، فالدين الأميركي البالغ 40 تريليون دولار يجعل أي صدمة طاقية أكثر كلفة، بينما تجعل أسعار الطاقة المرتفعة الدين أثقل.
والشيء الواضح الآن أن إدارة ترمب فشلت في الموازنة بين الأمن الطاقي والاستدامة المالية، مما سينعكس سلباً على الاقتصاد الأميركي وربما على الاقتصاد العالمي، فالاستقرار في أسواق الطاقة لم يعد رفاهية، بل شرطاً أساساً لاستقرار الدين والدولار والاقتصاد العالمي بأسره، ومن هنا يتضح الدور المهم لإدارة السوق، ودور “أوبك +” والسعودية في هذه الإدارة، غير أن أزمة هرمز أوقفت هذه القدرة على الإدارة موقتاً، وبهذا يدفع العالم ثمناً إضافياً لأزمة هرمز.
ولعل أهم أمر في ما يحدث هو أثر الدين وأزمة الطاقة في قيمة الدولار الأميركي الذي يسعر به النفط والغاز المسال في الأسواق العالمية، فالارتفاع الكبير بالدولار يفيد الدول الخليجية التي ترتبط عملتها بالدولار، إذ يعزز من قدرتها الشرائية، لكن في الوقت نفسه يؤدي إلى تحطيم الطلب على النفط. ومستقبلاً، إذا صدقت توقعات من يرون أن أزمة الدين ستؤدي إلى انهيار في الاقتصاد الأميركي والدولار، فإن هذا يثير سؤالين: هل تستمر الدول الخليجية بربط عملاتها بالدولار؟ وهل يستمر تسعير النفط بالدولار؟
