العلاقة بين الرباط وباريس غادرت نهائيًا مرحلة ترميم الخلافات، ودخلت مرحلة إعادة تعريف المصالح، وما شهدته الرباط في الاجتماع الحكومي المغربي–الفرنسي في الخامس عشر من الشهر الجاري بحضور اثنين وعشرين وزيرًا من البلدين حول طاولة واحدة، يؤكد ذلك.
من السهل قراءة عشرات الاتفاقيات ومذكرات التفاهم باعتبارها إنجازًا إداريًا. لكن القراءة الأعمق تكشف أن القيمة الحقيقية لا تكمن في عدد الوثائق الموقعة، بل في طبيعة القطاعات التي شملتها. فمن القطار فائق السرعة إلى الأمن والدفاع، ومن الطيران المدني إلى الثقافة، ومن المياه إلى الزراعة، ومن التعليم إلى الصناعات الإبداعية، تبدو الصورة أقرب إلى محاولة لبناء منظومة شراكة متكاملة، لا مجرد توسيع للتعاون التقليدي.
ذلك التحول لم يأتِ من فراغ. فمنذ أن أعلنت فرنسا دعمها الصريح لمبادرة الحكم الذاتي المغربية باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية لتسوية قضية الصحراء، بدأ ميزان العلاقات الثنائية يتحرك نحو معادلة جديدة. لم يعد الخلاف السياسي يفرض إيقاعه على الاقتصاد، بل أصبح التقارب السياسي هو الذي يفتح أبواب الاقتصاد والاستثمار والأمن والثقافة.
ولعل أهم ما كشفه اجتماع الرباط هو أن باريس لم تعد تنظر إلى المغرب بوصفه جارًا جنوبيًا للمتوسط فحسب، بل باعتباره شريكًا استراتيجيًا في لحظة تعيد فيها أوروبا صياغة علاقاتها مع إفريقيا والفضاء المتوسطي. فالقارة الأوروبية تواجه تحديات متشابكة: اضطراب سلاسل الإمداد، تصاعد المنافسة الدولية، الهجرة، أمن الطاقة، والتحول الرقمي. وفي مواجهة هذه الملفات، لم يعد يكفي البحث عن شريك قريب جغرافيًا، بل أصبح المطلوب شريك يتمتع بالاستقرار السياسي، والقدرة المؤسسية، والرؤية الاقتصادية طويلة المدى.
اجتماع الرباط بحضور اثنين وعشرين وزيرًا جسّد انتقال العلاقات المغربية–الفرنسية من مرحلة ترميم الخلافات إلى مرحلة إعادة تعريف المصالح مؤسسًا لشراكة استراتيجية جديدة
هنا تحديدًا يبرز المغرب باعتباره أحد النماذج القليلة التي نجحت خلال العقدين الماضيين في الجمع بين الإصلاح الاقتصادي، وتطوير البنية التحتية، والانفتاح الصناعي، وتوسيع حضوره داخل القارة الإفريقية. ولم يعد ينظر إليه باعتباره سوقًا استهلاكية، بل بوصفه منصة إنتاج إقليمية ومركزًا لوجستيًا يربط أوروبا بإفريقيا، وإفريقيا بالأسواق العالمية.
هذا الإدراك يفسر لماذا تجاوزت الشراكة المغربية–الفرنسية منطق التبادل التجاري التقليدي. فالاتفاق الخاص بتمويل خط القطار فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش ليس مجرد مشروع نقل، بل استثمار في هندسة المجال الاقتصادي المغربي لعقود مقبلة. والاهتمام بملف المياه لا يعكس فقط تعاونًا تقنيًا، بل اعترافًا بأن الأمن المائي بات جزءًا من الأمن القومي والتنمية المستدامة. أما التعاون في مجالات الطيران المدني والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية، فيشير إلى انتقال العلاقة نحو قطاعات ذات قيمة استراتيجية عالية، كانت حتى وقت قريب حكرًا على تحالفات أمنية محدودة.
وربما كانت الرسالة الأكثر دلالة هي إعلان العمل على إعداد معاهدة ثنائية ستكون الأولى التي توقعها فرنسا مع دولة من خارج الاتحاد الأوروبي. ففي الأعراف الدبلوماسية، لا تُبنى مثل هذه المعاهدات على اعتبارات عابرة، وإنما تعكس قناعة بأن العلاقة تجاوزت مستوى التعاون إلى مستوى التحالف المؤسسي طويل الأمد. وهذا يعني أن باريس لا تبحث فقط عن مشاريع مشتركة مع الرباط، بل عن إطار دائم لتنظيم المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية بين البلدين.
ولا يمكن فهم هذا التطور بمعزل عن التحولات التي يعيشها النظام الدولي. ففرنسا، شأنها شأن بقية القوى الأوروبية، تدرك أن النفوذ في إفريقيا لم يعد مضمونًا كما كان في السابق، وأن المنافسة مع الصين وتركيا ودول الخليج والولايات المتحدة أصبحت أكثر حدة. وفي هذا السياق، يبدو المغرب شريكًا يمتلك ما تفتقده دول كثيرة: موقع جغرافي استثنائي، واستقرار مؤسسي، وحضور اقتصادي متزايد في غرب إفريقيا، وشبكة واسعة من العلاقات السياسية والاقتصادية داخل القارة.
لكن أهمية الاجتماع لا تتوقف عند الحسابات الفرنسية وحدها. فالمغرب أيضًا يعيد صياغة موقعه في شبكة التحالفات الدولية. فالرباط لم تعد تكتفي بإدارة علاقاتها التقليدية، بل أصبحت تعمل على تنويع شراكاتها مع الولايات المتحدة، وإسبانيا، وبريطانيا، ودول الخليج، والصين، ودول إفريقية عديدة. وفي هذا السياق، لا تأتي الشراكة المتجددة مع فرنسا باعتبارها عودة إلى الماضي، بل باعتبارها إضافة إلى شبكة أوسع من العلاقات المتوازنة التي تمنح المغرب هامشًا أكبر للحركة في عالم يتجه نحو تعدد مراكز القوة.
قد يكون الخطأ الأكبر هو النظر إلى اجتماع الرباط باعتباره مجرد محطة في العلاقات الثنائية. فالأقرب إلى الواقع أنه يمثل جزءًا من إعادة تشكيل أوسع لخريطة النفوذ والتعاون في غرب المتوسط وإفريقيا
ومن اللافت أن الاجتماع لم يحصر التعاون في الملفات الاقتصادية والأمنية، بل منح الثقافة والتعليم واللغة مساحة بارزة. فقد حملت الاتفاقيات المتعلقة بتعليم اللغة العربية في المؤسسات الفرنسية، والتعاون السينمائي، والتبادل الثقافي، رسالة مفادها أن العلاقات بين الدول لا تُقاس فقط بحجم الاستثمارات، بل أيضًا بقدرتها على بناء جسور إنسانية وثقافية طويلة الأمد. فوجود جالية مغربية كبيرة في فرنسا، وتشابك المصالح الاجتماعية بين البلدين، يجعلان من البعد الثقافي عنصرًا أساسيًا في استدامة هذه الشراكة.
وفي الوقت نفسه، فإن الإشادة الفرنسية بالتعاون الأمني مع المغرب في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية ليست مجرد مجاملة دبلوماسية. فهي تعكس إدراكًا متزايدًا داخل أوروبا بأن أمن الضفة الشمالية للمتوسط بات مرتبطًا بصورة وثيقة باستقرار الضفة الجنوبية. ولذلك فإن الاستثمار في الشراكة مع المغرب أصبح جزءًا من استراتيجية أوروبية أوسع لإدارة التحديات الأمنية المشتركة.
ومع ذلك، فإن نجاح هذه المرحلة لن يُقاس بحجم التصريحات ولا بعدد الاتفاقيات، بل بقدرة الطرفين على تحويلها إلى نتائج ملموسة. فالتاريخ الدبلوماسي مليء بالشراكات التي بدأت بطموحات كبيرة ثم اصطدمت ببطء التنفيذ أو تغير الأولويات السياسية. أما التحدي الحقيقي اليوم فهو بناء آليات متابعة تضمن أن تتحول هذه المشاريع إلى واقع اقتصادي واجتماعي يشعر به المواطن في البلدين.
كما أن الحفاظ على هذا الزخم يتطلب استمرار الثقة السياسية التي أعادت فتح الباب أمام هذه المرحلة الجديدة. فالشراكات الإستراتيجية لا تُبنى على المصالح الاقتصادية وحدها، بل تحتاج إلى وضوح في الرؤية، واستقرار في المواقف، وقدرة على إدارة الخلافات عندما تظهر. وهذا ما يجعل تثبيت التفاهمات السياسية، وفي مقدمتها الموقف الفرنسي الداعم لمبادرة الحكم الذاتي، عنصرًا حاسمًا في استدامة العلاقة.
في النهاية، قد يكون الخطأ الأكبر هو النظر إلى اجتماع الرباط باعتباره مجرد محطة في العلاقات الثنائية. فالأقرب إلى الواقع أنه يمثل جزءًا من إعادة تشكيل أوسع لخريطة النفوذ والتعاون في غرب المتوسط وإفريقيا. ففي عالم تتراجع فيه اليقينيات القديمة، لم تعد الدول تُقاس فقط بحجمها الجغرافي أو الديموغرافي، بل بقدرتها على أن تصبح عقدة استراتيجية في شبكات الاقتصاد والسياسة والأمن.
وهذا تحديدًا ما يبدو أن المغرب وفرنسا يحاولان بناؤه اليوم: شراكة تتجاوز الذاكرة المشتركة إلى صناعة المستقبل، وتنتقل من إدارة الملفات الثنائية إلى المساهمة في رسم توازنات إقليمية جديدة. وإذا نجح الطرفان في ترجمة هذه الرؤية إلى مشاريع مستدامة ومؤسسات فاعلة، فإن اجتماع الرباط لن يُسجل بوصفه لقاءً حكوميًا ناجحًا فحسب، بل باعتباره اللحظة التي تحولت فيها علاقة تاريخية إلى تحالف استراتيجي كامل الأركان، قادر على التأثير في مستقبل المتوسط وإفريقيا، لا على التكيف معه فقط.