كلّف الرئيس العراقي نزار آميدي، يوم الإثنين 27 نيسان 2026، مرشح الإطار التنسيقي (التكتل الأكبر في البرلمان العراقي) لمنصب رئيس الوزراء علي فالح كاظم الزيدي، بتشكيل حكومة خلال 30 يوماً. فمن هو الزيدي؟ وما خلفية ترشيحه؟ وهل ينجح في تشكيل حكومة خلال المهلة الدستورية؟
فاجأ “الإطار التنسيقي”، وهو التكتل الأكبر في البرلمان العراقي ويضمّ أحزاباً وشخصيات شيعيةً مواليةً لإيران، الجميع داخل العراق وخارجه بترشيح علي الزيدي لرئاسة مجلس الوزراء في العراق.
مردّ المفاجأة إلى كون الزيدي اسماً مغموراً في عالم السياسة في العراق، حيث لم يُعرف بأي نشاط سياسي لا داخل العراق ولا خارجه، فهو إداري ومصرفي. لم يشارك في الحياة السياسية منذ العام 2003، تاريخ سقوط نظام الرئيس الأسبق صدام حسين. وأتى ترشيحه بعد انسحاب المرشّح الأبرز للمنصب، رئيس ائتلاف “دولة القانون” نوري المالكي، من سباق الترشّح، بسبب الفيتو الأميركي عليه، وانسحاب رئيس “ائتلاف الإعمار والتنمية” محمد شياع السوداني.
“أمين صندوق” رئيساً للوزراء
يقول مصدر سياسي عراقي لـ “أساس” أن ترشيح الزيدي لمنصب رئاسة الوزراء جاء بعدما أصيب “البيت السياسي الشيعي” بالشيخوخة، ما جعله غير قادر على انتاج شخصيات سياسية، وفي هذه اللحظة التاريخية التي يعيشها العراق على كل المستويات فإن اختيار أي شخص صلته متقطعة بدوائر النفوذ من خلال عمله المالي “المشبوه” ويعمل على حافة السياسة يشكل مخرجاً ولا يُحرج أحداً من “عتاة السياسيين”، كما أن الزيدي لن ينجح بالاستقواء على أحد من أعضاء “النادي السياسي الشيعي” في العراق.
يُشير المصدر إلى أن “البيت السياسي الشيعي” في هذه المرحلة الحساسة لا يريد استعادة تجربتي رئيسي الحكومة مصطفى الكاظمي ومحمد شياع السوداني، لذلك أتى بالزيدي وهو “أمين صندوق” لكونه يشتغل بالمال “وكل من يشتغل بالمال في العراق له علاقة بإيران”.
وصول الزيدي إلى رئاسة مجلس الوزراء، بحسب المصدر، جاء لأن “البيت السياسي الشيعي” يريد “كبش محرقة” في هذه المرحلة “ففي العراق أزمة سياسية وأزمة مالية ولا أحد من القيادات يريد أن يكون بالواجهة ويتحمل المسؤولية، فكان أن وقع الخيار على الزيدي الذي لا يسبب إحراج سواء استمر في منصبه أو خرج منه. فالزيدي إذا خرج من منصبه لا يشكل أزمة، وإذا بقي فهو لا يستطيع أن يشكل حالة سياسية”.
الزيدي شخص “تاجر”، على ما يضيف المصدر “وليس له تجربة عامة ولا يملك أدوات السلطة، ويقال أنه تواصل مع القائم بالأعمال الأميركي في العراق، إذ هنأته السفارة الأميركية في العراق، ثم أعلن بيان حكومي عراقي أنّ الرئيس ترامب وجه في اتصال هاتفي دعوة لعلي الزيدي لزيارة واشنطن بعد تشكيل الحكومة. أما الرئيس ترامب قال: “هنيئاً لعلي الزيدي على ترشيحه لمنصب رئيس وزراء العراق”. علماً أن علي الزيدي تربطه صلة قرابة مع شبلي الزيدي الذي ربطته علاقات تجارية وأمنية مع (قائد فيلق القدس) قاسم سليماني” أي “بالعراقي” تبييض أموال سليماني ومن المعروف أنّ الحكومة العراقية كانت تخصص لسليماني ستة مليارات دولار سنوياً لدعم نشاطاته الثورية.
أما “موقف المرجعية الدينية العراقية فهو مجهول تماماً حتى الساعة”، على ما يقول المصدر السياسي العراقي والذي يشير إلى أن “وصول الزيدي هو تظهير كامل وواضح لعجز البيت الشيعي السياسي، كما أن هذا الوصول قد يفضي إلى إجراء انتخابات نيابية مُبكرة قد تُفضي إلى عودة السيد مقتدى الصدر إلى المشهد السياسي، وإلى انتظام القوى المدنية مُجدداً”.
وصول الزيدي إلى رئاسة مجلس الوزراء، بحسب المصدر، جاء لأن “البيت السياسي الشيعي” يريد “كبش محرقة” في هذه المرحلة
ويشير المصدر إلى أن “الزيدي مجهول من الخارج تماماً، ذلك أنه لم يتنقل إلا بين الأردن ولبنان ودبي في الإمارات. كما أن شبهات مالية تحيط بالرجل وهذا ما سيشكل علامات استفهام عند المرجعية الدينية العراقية. فهو كان يملك مصرفاً تنازل عنه إلى أخيه، بعدما وضعته أميركا على لائحة العقوبات بسبب تبييض أموال وتعويم السوق المالي الإيرانية بالعملة الصعبة. وهو أيضاً قريب جداً من رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان مهندس التسويات الكبرى”.
يرجح المصدر أن يكون اختيار الزيدي “قد يعني في ما يعنيه أن التشكيلة الحكومية جاهزة وقد يُعلن عنها قُبيل انتهاء المهلة الدستورية”، ويقول “في السياسة فإن العراق ينحدر في المستوى السياسي إلى حد الضمور، ذلك أن رئيس الجمهورية الحالي كان موظفاً لدى آل الطالباني، ورئيس مجلس النواب الحالي كان يعمل عند كبير من عائلته أي آل الحلبوسي، ورئيس الوزراء الحالي هو أمين صندوق للجماعات النافذة في الدولة، كما أنه يُدير توزيع وإدارة “برنامج السلة الغذائية الحكومي والتي تتجاوز قيمتها الثلاثة مليارت، علماً أن كلفتها لا تتجاوز المليار ومعظم سلعها إيرانية المصدر والإنتاج”.
من هو علي الزيدي؟
هو علي فالح كاظم الزيدي، البالغ من العمر 40 سنةً، والمتحدّر من محافظة ذي قار جنوبي العراق. ثريّ عراقي في مقتبل العمر يحمل ماجستير وبكالوريوس في العلوم المالية والمصرفية، بجانب تخصصه في القانون، وهو عضو في نقابة المحامين العراقيين. شغل العديد من المناصب الإدارية، منها رئاسة مجلس إدارة “الشركة الوطنية القابضة”، و”جامعة الشعب”، و”معهد عشتار الطبي”، بالإضافة إلى “مصرف الجنوب”.
إلى ذلك، يُعدّ الزيدي من المستثمرين البارزين في قطاعات متعددة منها البنوك.
لذا، يُنظَر إلى الزيدي كمرشح تكنوقراط ذي خبرة إدارية، في بلد يعاني من الانقسام السياسي والطائفي، ومن مشكلات سياسية واجتماعية واقتصادية عديدة، خاصةً في ظل الحرب الأميركية على إيران وردّ الأخيرة عليها باستهداف العراق نفسه ودول الخليج العربي ما سبّب لبغداد مشكلات عديدةً مع دول الجوار وعمقها العربي.
تحدّيات داخلية وخارجية
يتعيّن على الزيدي، إذا نجح في تشكيل حكومة تنال ثقة البرلمان، أن يصالح بلده مع الدول العربية، خاصةً الخليجية منها، ما أفسدته إيران باعتداءاتها عليها وعلى بناها التحتية، وفي الوقت نفسه أن يصلح ما أفسدته إيران أيضاً وحلفاؤها وأذرعها في العراق، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وحتى ثقافياً مع هذه الدول.
وبحسب ما رشح عن الزيدي، فإن أهدافه المعلنة وغير المؤكدة تنموية بحتة، في مقدمتها الإصلاح المؤسسي الشامل، وتحقيق تنمية اقتصادية مستدامة، وتمكين الشباب، وربط مخرجات التعليم بسوق العمل، وكذلك معالجة الفساد السياسي والمالي والإداري في بلد يعاني من مشكلات اقتصادية عديدة أبرزها ما نتج مؤخراً عن إغلاق إيران مضيق هرمز مع ما يمثّله هذا الإجراء لبلد يعتمد اقتصاده على تصدير النفط.
والزيدي على أحسن تقدير مرشّح تسوويّ، جيء به لعدم قدرة أيّ من القوى البارزة على فرض مرشّحيها حالياً. فهو مرشّح على الطريقة اللبنانية الشهيرة “لا غالب ولا مغلوب”، وهذه لم تنجح يوماً في لبنان لا في بناء دولة ولا في إيجاد حلول سياسية واقتصادية واجتماعية تخلّص الوطن الصغير من مشكلاته، فكيف تنجح في بلد كالعراق؟
بالإضافة إلى كل ما سبق، يشكّل ملف حصر السلاح في يد الدولة العراقية واحداً من أخطر وأكبر الملفات في العراق، فكيف ينجح مرشّح أتى به “الإطار التنسيقي” في حلّ معضلة أساسية كهذه، فمن دون حلّها لا إمكانية لقيام دولة فعلية حديثة في العراق؟ بمعنى آخر، كيف ينجح مرشّح في نزع سلاح القوى المدعومة من إيران، وقد أتت به هذه القوى نفسها؟
على الأرجح، دون نجاح الزيدي في تشكيل حكومة خلال 30 يوماً، عقبات أساسية، أبرزها القوى التي رشّحته. فهل يفلح في تفكيك الألغام المزروعة على طريقه، وهو الذي لا يملك خبرةً سياسيةً كما تقول سيرته وتجاربه العملية.
الإجابة تحملها الأيام الثلاثون القادمة وقد مضى منها يومان، وهي كفيلة أيضاً بحلّ لغز ترشيحه قبل أي شيء آخر.