بين “محكمة السماء” التي يستحضرها رئيس مجلس الوزراء العراقيّ عليّ فالح الزيديّ لمحاسبة فريقه الحكوميّ، و”قدسيّة السلاح” التي تتمترس خلفها الفصائل المسلّحة الموالية لإيران لرفض إخضاع ترسانتها لقرار الدولة، يقف العراق أمام مفارقة تختصر مأزق السيادة وحدود السلطة.
كيف يمكن لرئيس حكومة أن يفرض هيبة الدستور على وزرائه، فيما تستند شرعيّة حكومته إلى منظومة المحاصصة نفسها التي يتعهّد بمواجهتها؟ وكيف لدولة أن تحتكر قرارَي الحرب والسلم، فيما تواجه جماعات توالي طهران وترى في سلاحها تكليفاً يتجاوز القوانين والتسويات والالتزامات الدوليّة؟ بين شعبويّة الخطاب، وحسابات الشركاء، وابتزاز السلاح، تتكشّف حدود مشروع الزيديّ، ويبرز السؤال الأصعب: هل يمتلك قرار بناء الدولة، أم هو محكوم بالتعايش مع القوى التي تحول دون قيامها؟
القسم الدّستوريّ في مواجهة المحاصصة السّياسيّة
بعد الاجتماع الأخير لمجلس الوزراء العراقيّ، بحضور نوّاب الرئيس، طلب الزيديّ من المشاركين، ولا سيما نوّابه، وضع أيديهم على القرآن الكريم وتلاوة قسم الإخلاص والالتزام بالمعايير الدستوريّة والقانونيّة.
لكنّ الزيدي نفسه، ووزراءه القدامى والجدد ونوّابه المفروضين عليه، سبق لهم أن أدّوا القسم الدستوريّ الملزم بتطبيق القانون والدستور، وصيانة حقوق الشعب، والدفاع عن وحدة العراق، وحصر جميع مفردات السيادة بيد الحكومة المنتخَبة.
إنّ محاولة الزيديّ إلزام فريقه الحكوميّ بالدستور والقانون، ومحاربة المحاصصة والمحسوبيّات، وتقديم مصالح الدولة والشعب على مصالح الأحزاب والجماعات والعشائر والعائلات، أمام محكمة السماء، تتناقض مع ممارساته. فقد نقض هذا الالتزام عندما وافق على مبدأ المحاصصة وتوزيع الوزارات بين الأحزاب والجماعات والتكتّلات العشائريّة والقوميّة والمذهبيّة والدينيّة. وهنا تتّضح الفجوة بين الصورة التي يحاول تكريسها عن نفسه ومنهجه في الحكم، وبين تعامله مع القوى التي جاءت به إلى أعلى سلطة تنفيذيّة وسياسيّة وعسكريّة وأمنيّة في الدولة.
من قبضة الدّولة إلى مقايضات السّلطة
من المتوقّع أن يدعو الزيديّ، خلال الأشهر المقبلة، ومع اقتراب موعد الثلاثين من حزيران 2027، قادة الفصائل والميليشيات إلى اجتماع، حاملاً النسخة نفسها من القرآن الكريم، ليطلب منهم أداء اليمين بالالتزام بمواعيد تسليم السلاح أو حصره أو تنظيمه. وإذا لم يفعل، فهل يترك الأمر لمحكمة السماء، كما فعل مع نوّابه ووزرائه؟ إنّ ذلك يعني الإقرار بفشل الرهان على محكمة الأرض والقانون والدستور في مكافحة الفساد والمحاصصة والخروقات، وبالعجز عن بناء دولة موحّدة السلاح تملك قرارَي الحرب والسلم.
لقد باتت شعبويّة الزيديّ واضحة، بعدما خضع لابتزاز هذه القوى، وحوّل مشروع القبضة الحديديّة، الذي قُدّم بوصفه وسيلة لضرب رؤوس الفساد وحماية أموال الدولة والشعب، إلى عمليّة مساومة معها، وأداة بدأت تُستخدم لضرب خصومه وخصوم شركائه.
في هذا السياق، بات الحديث عن توظيف الضربة الأولى، أو “صولة الفجر”، ضدّ الفاسدين لخدمة جهات تمسك بمفاصل الدولة العميقة أقرب إلى الواقع. فحملة الاعتقالات التي طالت نوّاباً من المكوّن الشيعيّ استهدفت، في غالبيّتها، المنشقّين عن ائتلاف دولة القانون والمعارضين لنوري المالكي، ممّن انتقلوا إلى معسكر ائتلاف الإعمار والتنمية بقيادة محمّد شياع السودانيّ.
كما أنّ استهداف مثنى السامرائيّ، زعيم حزب عزم وأحد أقطاب المجلس السياسيّ الوطنيّ السنّيّ، بدا وكأنّه خدمة لمحمّد الحلبوسي، زعيم حزب تقدّم، القلِق من تنامي نفوذ خصومه في الأنبار، التي يعدّها ملعبه السياسيّ الحصريّ. وقد استأثر هذان الطرفان بأهمّ المواقع في التعيينات الجديدة لحكومة الزيديّ، فيما حصلت القوى الأخرى على جوائز ترضية أو احتفظت بمواقعها السابقة.
بين سيادة الدّولة والتّكليف الإلهيّ
لمّا كان الزيديّ قد اختار “محكمة السماء” لمحاسبة من يخلّ بالقسم الدستوريّ، سواء أمام البرلمان أو في بداية جلسة مجلس الوزراء، فالأجدر به أن يُوكل إليها أيضاً مهمّة محاربة السلاح المنفلت، وإنهاء ظاهرة سلاح الميليشيات وتعدّديّة القرارين الأمنيّ والعسكريّ، واحتكار قرارَي الحرب والسلم.
السلاح الذي يسعى الزيديّ إلى تفكيكه أو دمجه في المؤسّسة العسكريّة الرسميّة وإخضاعه لسيادة الدولة، هو، في نظر الجماعات التي تحمله، سلاح ذو “تكليف إلهيّ” لا يخضع لملكيّة البشر أو أحكامهم، بل تتمثّل مهمّة قادة هذه الجماعات في تسليمه إلى الإمام المهديّ المنتظر عند ظهوره. ولذلك لا تعطي هذه الجماعات الأولويّة للقوانين أو التسويات والاتّفاقات التي قد تعقدها الدولة مع بعض الأطراف الباحثة عن مصالحها وحصصها الدنيويّة.
قدسيّة السّلاح تصطدم بمهلة الدّولة
في مقابل تمسّك الزيديّ بموقفه، ورفعه سقف المواجهة بالتهديد باستخدام قانون مكافحة الإرهاب رقم 4 للتعامل مع الجهات والفصائل الرافضة لتسليم سلاحها، طالب الفصائل بالالتزام بخريطة الطريق التي تفاوض مع بعضها بشأنها، محدّداً 30 حزيران 2027 موعداً نهائيّاً لإنهاء ملفّ السلاح خارج الدولة، مقابل تسويات تضمن مستقبل هذه الفصائل في العمليّة السياسيّة. وجاء ذلك بعد تراجعه عن الموعد السابق، المحدّد في 30 أيلول 2026، في أوّل تنازل أمام هذه الفصائل.
سرعان ما جاء الردّ على لسان عبد القادر الكربلائيّ، المعاون العسكريّ لـ”حركة النجباء” بقيادة أكرم الكعبيّ، عبر منصّة “إكس”، فنفى أخباراً وصفها بأنّها “عارية عن الصحّة”، مؤكّداً استمرار الحركة في عدم المشاركة بالعمليّة السياسيّة، والبقاء إلى جانب الشعب والتعبير عن همومه. وأضاف أنّ مصطلحات “الحصر والتسليم والنزع” لا مكان لها في أدبيّات الحركة، معرباً عن أمله في عراق مزدهر، مكتمل السيادة، خالٍ من الفساد، ينعم أهله بالأمن والعيش الكريم.
هكذا وضع الكربلائيّ “قدسيّة السلاح” في مواجهة “محكمة السماء” التي أحال إليها الزيديّ محاسبة فريقه الحكوميّ. فالسلاح المقدّس، في عقيدة هذه الجماعات، يستمدّ قوّته من اعتقادها بأنّ الله هو من أمدّها به، على غرار ما يُطرح في أدبيّات “الحزب” اللبنانيّ. ومن هذا الاعتقاد تستمدّ هذه الجماعات مبرّراً لتقديم ما تعتبره تكليفاً إلهيّاً على القرارات البشريّة والتسويات الحكوميّة والالتزامات المقدّمة للولايات المتّحدة أو غيرها من القوى الإقليميّة.
سيادة معلّقة بين السّلاح والأزمات
إنّ المهمّة الإلهيّة التي تنسبها هذه الجماعات إلى سلاحها لا تدخل ضمن حسابات الزيديّ أو فريقه، ولا ضمن حسابات القوى الدوليّة والإقليميّة، فهي، وفق تصوّرها، مهمّة مفتوحة لا ترتبط بموعد أو حدث، ما دام التكليف قائماً. ولا تنتهي بتحقيق السيادة أو إعلان استعادتها، بل تتطلّب، وفق هذا المنطق، إنهاء أيّ إمكانيّة للتدخّل الأميركيّ أو الخارجيّ، ليس في العراق فحسب، بل حتّى في العمق الاستراتيجيّ لهذه الجماعات في طهران.
في المقابل، لا تزال الحكومة عاجزة عن تحقيق اختراق واضح في ملفّ السيادة المتعلّق بالوجود العسكريّ التركيّ. فالإعلان عن انسحاب تدريجيّ للقوّات التركيّة من قاعدة “بعشيقة – زيلكان”، قرب الموصل، بعد 11 عاماً من وجودها، يتعارض مع تصريحات وزير الدفاع التركيّ يشار غولر لوكالة الصحافة الفرنسيّة، في 20 من الشهر الجاري، حين أكّد أنّ تركيا ستعيد النظر في وجودها العسكريّ في العراق وسوريا عندما تتوافر الظروف الأمنيّة المناسبة.
بين “محكمة السماء” و”قدسيّة السلاح” والمهمّة الإلهيّة المزعومة، قد لا يجد الزيديّ أمامه سوى انتظار الفرج والتعايش مع ما يستطيع تحقيقه بالتوافق مع المنظومة الحاكمة للمشهد السياسيّ العراقي، والعمل على نزع الألغام التي قد تنفجر في وجه حكومته عند أوّل منعطف أو استحقاق جدّيّ. ويزداد التحدّي مع بوادر أزمة اقتصاديّة وماليّة، في ظلّ توجّه الحكومة نحو الاقتراض من البنك الدوليّ، خلافاً للوعود السابقة برفض هذا الخيار.
