شكّل احتمال مشاركة مقاتلين سوريين في مواجهة الحوثيين أحد الملفات التي نوقشت خلال لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع مع المبعوث الأميركي توماس باراك في دمشق، في ظل التحركات الإقليمية المرتبطة بالتصعيد في اليمن وإعادة ترتيب التحالفات العسكرية. وحضر في اللقاء مستقبل المفاوضات السورية مع إسرائيل.
تقول مصادر لـ”أساس” إن القيادة السورية لم تحسم خياراتها بعد حول مشاركتها في مواجهة الجماعة الحوثية، في ظل التردد بشأن المشاركة في أي تحرك عسكري خارج الحدود، وتمسك دمشق بإعطاء الأولوية للملفات الاقتصادية.
دمشق تتريث في الاشتراك بحرب اليمن
بحسب المصادر، يعارض باراك وتركيا إرسال قوات أو مقاتلين سوريين للمشاركة في الحرب اليمنية، على الرغم من وجود طرح أميركي لإشراك مقاتلين سوريين وأجانب في هذه المواجهة، خارج إطار التحالف الذي يجري البحث في تشكيله بين السعودية وتركيا وباكستان.
يكشف هذا التباين عن غياب التوافق بشأن الدور الذي يمكن أن تؤديه دمشق في أي ترتيبات عسكرية جديدة في اليمن، ولا سيما أن أي مشاركة سورية محتملة قد تترتب عليها تداعيات سياسية وأمنية تطاول علاقاتها الإقليمية.
لا يعكس هذا الطلب رفضاً سورياً نهائياً للتعاون العسكري، بقدر ما يشير إلى رغبة دمشق في تحديد طبيعة التزاماتها قبل اتخاذ أي قرار. فالقيادة السورية تدرك أن الانخراط في مواجهة خارجية في هذه المرحلة قد يفرض عليها أعباء إضافية، في وقت لا تزال فيه تعمل على معالجة تحدياتها الداخلية.
إسرائيل… مفاوضات تنتظر الانتخابات
تناول لقاء الشرع وباراك أيضاً مسار المفاوضات السورية – الإسرائيلية، وإمكانية عقد لقاء رفيع المستوى بين الجانبين عقب الانتخابات الإسرائيلية. وتشير المصادر إلى أن هذا الاحتمال لا يزال مطروحاً في إطار المشاورات السياسية، من دون أن يعني ذلك التوصل إلى اتفاق بشأن موعد اللقاء أو مستواه أو جدول أعماله.
يأتي البحث في هذه الخطوة فيما يتواصل التوتر في الجنوب السوري، وسط ترجيحات باستمرار الهجمات والتوغلات الإسرائيلية إلى حين إحراز تقدّم في المفاوضات.
تضع هذه التطورات دمشق أمام معادلة حساسة، فهي تسعى إلى التوصل إلى تفاهمات تحد من التصعيد الإسرائيلي، من دون أن يتضح بعد ما إذا كانت المفاوضات ستبقى محصورة في الترتيبات الأمنية، أم ستفتح الباب أمام مسار سياسي أوسع قد يصل إلى التطبيع.
كذلك، بحث الشرع وباراك التوتر المتصاعد بين إسرائيل وإيران، والسيناريوهات المحتملة في حال اتساع نطاق المواجهة الإقليمية. وتكتسب هذه النقاشات أهمية خاصة بالنسبة إلى سوريا، نظراً إلى موقعها الجغرافي وحساسية الوضع الأمني على حدودها الجنوبية.
الاقتصاد يتقدّم على الالتزامات العسكرية
في مقابل الملفات الإقليمية، برز الجانب الاقتصادي بوصفه أحد المحاور الأساسية للمحادثات. فقد بحث الشرع وباراك فرص الاستثمارات الأميركية في قطاعَي النفط والطاقة، والمتطلبات المرتبطة بدخول هذه الاستثمارات، وفي مقدمها توفير الاستقرار الأمني وتحسين الظروف الداخلية.
شملت المباحثات أيضاً التعاون السوري – العراقي في مجال الطاقة، والتحضيرات للزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء العراقي علي الزيدي، فضلاً عن الترتيبات المتعلقة بالزيارة المنتظرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى سوريا.
تأتي هذه المباحثات في وقت تسعى فيه دمشق إلى توسيع علاقاتها الاقتصادية واستقطاب رؤوس الأموال، باعتبار ذلك مدخلاً أساسياً لتحسين الأوضاع المعيشية ودعم مسار التعافي.
ملفات داخلية وتفاهمات إقليمية
على الصعيد الداخلي، ناقش الشرع وباراك مسار التفاهمات مع قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، إلى جانب التغييرات الحكومية التي يجري الإعداد لها خلال المرحلة المقبلة.
تعكس هذه الملفات اتساع جدول الأعمال السوري، الذي يجمع بين معالجة القضايا الداخلية، وتطوير العلاقات مع دول الجوار، وإدارة التفاهمات الإقليمية في مرحلة دقيقة.
لكن التحدي الأساسي أمام دمشق لا يكمن في تعدد هذه الملفات بحد ذاته، بل في قدرتها على ترتيب أولوياتها والتوفيق بين متطلباتها. فبين الدعوات إلى المشاركة في ترتيبات عسكرية إقليمية، والسعي إلى استقطاب الاستثمارات والحصول على ضمانات أمنية، تحاول القيادة السورية تأجيل الالتزامات التي قد تتجاوز قدراتها في المرحلة الراهنة.
