-
يزن اللُجمي… الجمهورية .نت
-
-
-
قد يتذكر بعضنا، ممّن تربى على بسطار البعث، تلك الفترة التي ابتدأت حوالي عام 2008، حين أخذ التاريخ الرسمي بالتآكل. تكاثرت على فيسبوك صفحات مثل «التاريخ السوري» و«المتحف الفوتوغرافي السوري» نُشِرت فيها للمرة الأولى أرشيفات منسية، بينما تطرّقت روايات محمد المنسي قنديل ولينا هويان الحسن وخالد خليفة ويوسف زيدان وربيع جابر إلى فترات تاريخية كانت ممحوّة الملامح في وعينا الجمعي. حتى على الشاشة، استعاد مسلسل مثل «الدوامة»، المنقول عن رواية فواز حداد الممنوعة آنذاك، آمال وإخفاقات مرحلة ما قبل الأسد بدقَّة بصرية لم يسبق للسوريين أن رأوها. خاطبتنا تلك الممارسات عن الماضي بصيغة المضارع وعكست حالتنا الراهنة، بل والأغرب، استَبَقت ما ستؤول إليه تلك الحالة. أن نعود اليوم مثلاً لمشاهدة الحلقة الثانية من «الدوامة» إنتاج عام 2009، عندما ينزل المتظاهرون إلى شوارع دمشق رافعين أعلام الاستقلال، هو أن ندرك أن شيئاً ما في الهواء كان ينبئنا بالربيع. تحت وطأة ذلك التاريخ البديل، أعلن التاريخ الحكومي الذي تعلّمناه في المدارس عن إفلاسه، تاريخ أمجاد العرب الصاعدة بخط مستقيم من الكنعانيين إلى الحركة التصحيحية مروراً بالعصور الذهبية للخلافة. الإفلاس لم يكن في صدق ذلك التاريخ أو عدمه، بل في حقيقة أنه على الحالتين لم يعد لديه ما يُقدِّمه.
ما حدث في تلك الفترة يُذكِّر بالفكرة الماركسية القائلة بأن الماضي ليس سلسلة مختومة من الأحداث، بل سردية مفتوحة للتأويل انطلاقاً من الحاضر، وأن أيّ محاولة ثورية لتغيير الحاضر والمستقبل لا بد لها، بالتوازي، أن تغيّر الماضي، مستخلصةٍ منه سرديات ومعانٍ جديدة. في نصه «عن مفهوم التاريخ»، يلاحظ المفكر الماركسي ڤالتر بينيامين أن الأزمات تدفع التاريخ للانشطار إلى سرديتين متضادتين. من جهة، نجد التاريخ كما تكتبه الطبقات الحاكمة، وهو مسيرة احتفالية من «الإنجازات» و«الانتصارات». ومن جهة أخرى، نجد تاريخاً آخر سرّي ومكبوت، هو تاريخ المقموعين، تاريخ الخسارات والمشاريع المُجهَضة لعالم أفضل. عندما تبدأ سلطة الطبقة الحاكمة بالتزعزع، تلوح في الوعي الجمعي أشباح هذا التاريخ الآخر، وتعود لتتقمّص الأحياء وتذكّرهم بما قد يحل بهم في حال خسارة ثورتهم، وهو ما حدث قبيل الربيع العربي وأثناءه.
نشهد اليوم في سورية محاولةَ دفن هذا التاريخ الثوري للمرة الثانية، بعدما كان نظام الأسد قد دفنه للمرة الأولى. فبينما يُرسي نظام هيئة تحرير الشام دعائمه على بقايا الحريات السياسية والشخصية للسوريين، يعود التاريخ بنسخته الانتصارية لاحتلال الفضاء العام. تطغى على وسائل التواصل صفحات «سورية الأموية» وفيديوهات «المجاهدين» مع أحصنتهم وأناشيدهم الدعوية، وتستمر مسلسلات مثل معاوية بمسرحة الذكورة وإعادة تدوير التخلّف. بينما تسري أخبار عن تغيير أسماء المدارس واستبدال شخصيات معاصرة مثل خالد الأسعد وهدى الشعراوي ومي زيادة برجال دين من القرنين السادس والسابع أو بأسماء من قبيل «العلياء» و«الصفوة» وهي أسماء غابرة المعاني لدرجة أن مَن سموها قد لا ينجحون في تعريفها أو تبرير جدواها في القرن الواحد والعشرين. تُدغدغ أسطورة الرجولة الأموية هذه مشاعر قاعدة النظام الشعبية وتُسهم في حشدها لأغراض إبادية باتت واضحة، تماماً كما حشدت الفاشية الأوروبية شعوبها البائسة تحت رايات أمجاد الماضي العرقية – الفاشية، للتذكير، هي تحديداً هذا المزيج المتناقض بين ماضٍ سلطوي مُتخيل واقتصاد ليبرالي تحديثي قائم على استغلال (واستغباء) الطبقات الفقيرة. عودة المراجل العربية الإسلامية إلى الواجهة ليست نتيجةً لسياسة معلنة أو لـ«توجيه معنوي» حكومي، بل نتيجة عوامل متداخلة كانت تتخمر منذ عقود. فالمفارقة، كما يُشير الباحث علي عبد اللطيف، هي أن موضة الرجولة الأموية الحالية تجد منبتها في إيديولوجيا البعث ذاته الذي تدّعي معاداته، والذي كان أول من باع أحلام الفروسية الاستشراقية بشكلها المبتذل. الخلاصة هي أن صورة النظام التاريخية الجديدة هي ذاتها صورة البعث مع تغيير بسيط في النكهة، وأن الطبقات الحاكمة، كما يقترح بينيامين، هي استمرار لبعضها في الجوهر وإن تحاربت في الظاهر. منطق تاريخها هو ذاته. مناهج التاريخ المدرسي «الجديدة» تأكيد على ذلك، حيث نجد ذات التتابع غير الجديد لغزوات العرب المسلمين، ذات التمجيد لإنجازاتهم ولحكامهم، ذات الأسماء المتكررة والمتشابهة. تاريخٌ على صورة الحاضر، صورة أحمد الشرع محاطاً بمستنسخاته.
المنطق هذا متأصل في ماضينا. في كتاب الاعتبار مثلاً، العائد إلى القرن الثاني عشر، يروي أمير شيزر أسامة بن المنقذ بعضاً من ذكرياته خلال الحروب الصليبية. كغالب نصوص التاريخ آنذاك، يأخذ الكتاب شكل استعراض فحولة بلا نهاية من قطع الرؤوس وقلع العيون وضرب العبيد وصيد الحيوانات وفزعة آل فلان لآل فلان وما إلى ذلك. لكن فجأة، في منتصف الكتاب، يحدث شيء غير متوقع. يقطع أسامة سرده كي ينقل قصة حول عبدة مُسنة وغريبة الأطوار اسمها بُريكة تعمل في إحدى إقطاعات العائلة في سهل الغاب. يُمهد أسامة للقصة بشيء من الحرج: «وأنا ذاكر شيئاً من أمر هذه بُريكة، وإن لم يكن موضعه»، ومن ثم ينقل عن أحد رجاله: «دخلت في الليل إلى البلد أريد الدخول إلى داري في شغل لي. فلما دنوت من البلد رأيت بين المقابر في ضوء القمر شخصاً ما هو آدمي ولا هو وحش، فوقفت عنده وتهيبته». يتسلل الرجل وهو يسمع لذلك الشخص «زجلاً وصوتاً» ومن ثم ينقض عليه: «وإذا بها بُريكة مكشوفة الرأس وقد نفشت شعرها وهي راكبة قصبة تصهل بين المقابر وتجول. قلت ‘ويحك! أي شيء تعملين في هذا الوقت هاهنا؟’ قالت: ‘أسحر’. قلت: ‘قبحك الله وقبح سحرك وصنعتك من بين الصنائع’». يُلفلف أسامة القصة سريعاً بعد أن يُعبّر عن قرفه من «قوة نفس هذه الكلبة». والسخرية طبعاً هي أن الكلبة هذه هي من قلائل لم يُعذَّبوا ولم يُقتَلوا في الكتاب، ممّا يفسر قوله «لم يكن موضعها» وكونها طفرة في منطقه السردي. بكلمات أخرى، تُشكِّل بُريكة مدخلاً إلى التاريخ الرسمي مقلوباً على قفاه، تاريخ المظلومين والمُبعدين. فبينما يتابع أسامة والقبضايات صناعة تاريخهم الدموي، تذهب بُريكة إلى المقابر كي ترقص وتغني بصحبة الأشباح.
أمّا اليوم، فكل من نفذ صبره مثل بُريكة من هيمنة المستنسخين ومن كُتب الاعتبار سوف يجد «عزاء» في ديسكو-مقبرة الاعتبار. فسهرات بُريكة غنية إلى أبعد الحدود، وصحبة الأشباح، كما نعرف، مسلية. من بين رفاق السهرة نتعرف على الكثير من الكويريات والكويريين المغيّبين عن التاريخ الرسمي. منهم خالد الكردي مثلاً، أو خلود بحسب بعض المصادر، الراقصة والمقاتلة السورية العابرة التي انضمت إلى المقاومة المسلحة في لبنان والتي خلّدها محمد سويد في فيلمه الوثائقي «سينما الفؤاد» (1994)، أو الحمصيّ إيل جبل الذي صار إمبراطوراً لروما وأعلن عن زواجه من عبد يوناني، ضارباً بعرض الحائط المنظومة الطبقية-الجندرية لعصره، والذي خلده أدباء مثل جان جينيه وأنطونين أرتو. بصحبتهم نجد يونس السوري، قائد واحدة من أهم ثورات العبيد في التاريخ القديم، ولوقيان السميساطي الكاتب والفيلسوف الساخر، واللذين قرّر بضعة موظفين في وزارة التربية تنحيتهما هما أيضاً عن التاريخ بحجة أنّهما ليسا عرباً.
في عمق المقبرة، تحوم مجموعة المشانيق الذين أعدمهم جمال باشا عام 1916، والذي قرّر النظام الحالي وصمهم بالمتمردين وإزالتهم من كتب التاريخ ومن الرزنامة. نتعرّف من بينهم إلى شفيق بك العظم، السياسي والمفكّر الذي قام الباحث مصطفى الميناوي مؤخراً بإعادة اكتشاف قصته في كتاب شيّق يتتبع حياته وحياة ابن أخيه صادق من دمشق إلى إسطنبول والعالم. يكشف الميناوي عن محاولات شفيق الخاسرة، بداية القرن العشرين، للتصدّي لنموذج الدولة الوطنية التي ورثناها اليوم عن الاستعمار، وذلك بالدفاع عن مشروع دولة عثمانية حديثة لا قومية ولا طائفية يعيش فيها العرب مع اليونان والأرمن والأتراك على قدم المساواة. حلمٌ غالٍ في وقت لا يُطيق فيه السوري حتى العيش مع ذاته، مما يُفسر تفضيل الحكومة الحالية إراحتنا منه.
المصير الذي طال النهضويين طال أيضاً بعض من حاول إحياء فكرهم لاحقاً، ومنهم سعدالله ونوس الذي حاول النظام الحالي إزالة اسمه من المدارس الحكومية. يعرف الكثيرون منّا ونوس عبر مسرحياته وكتاباته النقدية، لكن عمله على تأريخ وإعادة قراءة النهضة من منظور ماركسي يبقى مشروعاً مجهولاً عمل عليه، آخر سنين حياته، برفقة فيصل الدراج وعبد الرحمن الخطيب وغيرهم من أبناء «اليسار الجديد» الذي ظهر بعد النكسة. في مقاله الطويل «بين الحداثة والتحديث»، المكتوب عام 1990، يدافع ونوس عن راهنية النهضة وحاجتنا إليها في مواجهة الديكتاتوريات والتطرف الديني، ويستخلص من هزائمها سؤالاً مدوياً: «ألا يبدو مريعاً أن يكون تاريخنا المعاصر وعلى مدى قرن ونصف هو تكرار للأسئلة ذاتها؟».
على باب المقبرة، ومع خيوط الشمس الأولى، نقرأ هذا السؤال محفوراً على شاهدة اليسار السوري الذي هدمه نظام الأسد على رؤوسنا إلى أجل غير مسمى. نرفع عيوننا لنتتبع ألوفَ الأشباح في صعودها إلى السماء: حاييم فارحي، الذي صدّ حملة نابليون عن سورية، مريانا مراش، الكاتبة وأول مؤرّخة لسورية الحديثة، مؤسّسي المنظمة الشيوعية العربية الذين أعدمهم حافظ الأسد عام 1975، علماءَ سوريين في جامعات أجنبية، وموسيقيين مكتئبين توفوا في شبابهم، ومؤسسي نقابات زراعية وحراكات نسوية، والألوفَ الألوف من المعتقلين والقتلى والمنفيين وجداتنا وآبائنا وقريباً نحن أنفسنا جيل الـ 2011. أشباح تغمر استيعاب أي مقال أو كتاب أو حتى مقبرة اعتبار، أشباح كل من وجب محوه من التاريخ كي يكون ما يكون، وكي يُصبح محو الأحياء، أو بعضاً منهم، مهمة أسهل.
نتساءل أمام روعة المشهد عن جدوى الاستمرار في تمجيد تاريخ الأمراء والحروب. فأيُّ تاريخ يُسمّي نفسه بالثوري من واجبه إنصاف الأشباح والانحياز إلى جانبها لا إلى جانب جلاديها. فهي أقرب إلينا وإلى مشاكلنا من هذا الحاكم أو ذاك، وتُذكِّرنا بأنظمة وجغرافيات وأجساد ممكنة قَبِلنا التنازل عنها وما زالت تداهمنا ليلاً. زجلها يدعونا إلى المقابر كي ننفش شعورنا ونُبتلى بالشغل الحزين، شغل تحضير الأرواح وكتابة التاريخ. قبّح الله صنعتنا من بين الصنائع.
-