-
حازم السيد… الجمهورية .نت
-
-
1. يسمح هذا الموقع «https://www.penseesdepascal.fr/» بالإطلاع على التراتيب المُعتادة لخواطر باسكال، وبتحليل كل خاطرة وعلاقتها بغيرها من الخواطر.2. نتحدَّثُ عن الديكارتية وليس عن ديكارت، فديكارت كان أكثر عمقاً من الصورة التي ورثناها عن فكره، والتي ساهمت في صناعتها بعض وجوه الأنوار الفرنسية.
-
سقط النظام واستلمت هيئة تحرير الشام البلد وكانت البدايات واعدة، وبخاصة بعد سنوات من اليأس وتقطُّع السبل. عاودَ الأملُ الولادة، وصاحبه كثيرٌ من التفاؤل. ولكن الأشهر التالية واجهتنا بمشهد مختلف تماماً، لتُذكِّرنا بتعقيدات الواقع الهائلة، التي تواجهها سلطة رثّة وهزيلة قليلة الكفاءة والحسّ الوطني.
رغم ما يقتضيه ذلك من تشاؤم وقنوط وتَراجُع في منسوب الأمل والحماس، وبخاصة لدى النخب السورية التي كانت شديدة الحماس ﻷي نوع من المشاركة في إعادة تأسيس سوريا الجديدة، فإن شرائح واسعة من السوريين، وبخاصة السُنّة غير المسيّسين، تُحافِظُ على تَمسُّكها بالأمل وعلى إيمانها بمستقبل سوريا، وعلى رهانها على «الشعب السوري العظيم».
يسمح باسكال بالتفكير في مقولات الإيمان والأمل، وفي الرهانات التي يقوم بها الناس في حيواتهم، وفي معاني هكذا رهانات ومدى عقلانيتها، كما يسمح بالتفكير في أسباب صمود الأديان أمام حجج العقلانية التقدمية، وبتظهير كثيرٍ من حدود هذه الإيديولوجيا وبعض سذاجتها وتَذاكيها، وإضاءة كثيرٍ من الزوايا التي تتعامى عنها النخب الحديثة. وهو إن كان لا يمنحُ الأملَ ورهانَنا على المستقبل إلا قليلاً من البهاء، فإنه يمنحه في الوقت نفسه كثيراً من المشروعية.
الفيلسوف الأمي، المسكون بسؤال الحقيقة؟
يتحدث المعلم إلياس مرقص مراراً عن عُصبة الفلاسفة الأميين، الذين يقتدي بهم ويَستلهمهم، والذين امتازوا بحرارة فكرهم وبارتباط مقولاتهم ومفاهيمهم وأفكارهم بتجاربهم ومساراتهم.
يتحدث عن سقراط الذي كانت فلسفته ممارسةً ونمطَ حياة، عن ديكارت الذي عاشَ تجربةً روحيةً فريدة وضعَ فيها كل شيء موضعَ الشكِّ المنهجي ليصل إلى الكوجيتو ويُدشِّنَ ثورة فلسفية هائلة. الغريب أنه يستدعي أيضاً كانط، الذي يقول الشاعر الألماني هاينريش هاينه مازحاً بأن الحديث عن سيرة حياته من أهون الأمور، حيث يكفي القول بأنه لم يوجد له سيرة ولا حياة. لعلَّ مرقص يعتبر أن في انتظار كانط إلى سنِّ الستين لنشر كتابه الشهير نقد العقل المحض ما يشهد على تلك الحياة التي قضاها في التعلم والبحث عن الحقيقة. يتحدث أيضاً عن ماركس الذي لا تزال قاعة القراءة في المكتبة البريطانية في لندن تُشير إلى المكان الذي قضى فيه أيامه وهو يعمل على «رأس المال». يتحدث عن نيتشه وآدم سميث وبيتهوفن وباخ، ولكنه لا يتحدث عن باسكال.
قد يعود ذلك إلى إشكالية علاقة باسكال بالفلسفة، فلم نَرِث عنه نظاماً فلسفياً كالذي ورثناه من ديكارت وهوبز وسبينوزا، بل ولم يكتب أطروحات فلسفية، والكتب التي نشرها لم تكن فلسفية بالمعنى المعتاد للكلمة، وأغلب مواضيعها رياضية أو فيزيائية أو دينية، ولم يُعرِّف نفسه يوماً بوصفه فيلسوفاً، ولم تتضمن كتاباته ذكراً للتقاليد الفلسفية السابقة أو المعاصرة إلا فيما ندر، وكثيراً ما تحدَّثَ عن الفلاسفة بازدراء، وكان يعتبر نفسه أقربَ إلى داعية أو مُنافِح عن المسيحية بنسختها الأوغسطينية. لم يترك إلا بضعة مقالات وكتباً قليلة الذكر اليوم، بالإضافة إلى خواطر نُشِرَت بعد العثور عليها مصادفةً بعد وفاته، ليجري نشرها بتراتيب عديدة، 1 بما يفتح على قراءاتٍ مختلفة.
بالمقابل، تبدو حياة باسكال القصيرة، 39 عاماً، بمثابة واحدة من أكثر محاولات البحث عن الحقيقة إخلاصاً وعمقاً ومجازيّةً، بما يؤهّله ليكون واحداً من أفراد هذه العُصبة، وأحد أكبر أسمائها.
ولِد باسكال عبقرياً. أظهرَ نبوغاً رياضياً هائلاً في طفولته وهو ما تشهد عليه مُبرهَنة باسكال التي ألَّفها وهو لم يتجاوز 15 عاماً، أو آلة الباسكالين التي أنشأها قبل عيد ميلاده العشرين، وهي الآلة الحاسبة التي تجعل منه أول من حوّلَ فكرة الحاسب إلى حقيقة. نتحدّثُ عن عاشق للهندسة الفراغية واتّساقها المطلق، وعمّن كتب عن «هندسة الصدفة» في القرن السابع عشر ليكون الأب الروحي لعلم الاحتمالات الذي لم يولد رسمياً إلا بعد قرنين، وعمّن أثبتَ وجودَ الفراغ بعد سجال طويل خاضه ضد أرسطية العالم والأب اليسوعي أيتين نويل الذي يكبره بـ40 عاماً والذي كان مُعلّم ديكارت، وكذلك ضد ديكارت نفسه والذي يكبره بـ27 عاماً.
نتحدّثُ إذن عن عالم بنبوغ وشغف علمي وإنجازات لا مثيل لها، ولكنه عالمٌ لا يتفق مع عصره في أن الرياضيات هي لغة الكون، ويعتقد، بعد كل فتوحاته، بأن الهندسة الفراغية التي يحبها، ليست في النهاية «إلا مهنة» وأن العلم لا يكفي. لم يتمكن العلمُ من ملء عين باسكال الشاب، ولم يتمكن أي شيء آخر من ذلك، ليشعر بالخواء في أعمق أشكاله ويدخلَ أزمة روحية عميقة لم تنتهِ إلا بعد حدوث المعجزة بكل ما تحاول هذه الكلمة أن تحمله من معنى.
قادته «ليلة النار» و«معجزة الشوكة المقدسة» إلى مغادرة العوالم الباريسية اللاهية، واعتناق المسيحية بجدية بعد أن أثبتت قدرتها على مصالحته مع وجوده، وانتقلَ إلى كتابة الأطروحات المُنافِحة عن القراءة الأوغسطينية للمسيحية، ومُساجِلة اليسوعية المهيمنة، الميّالة لمصالحة العقيدة المسيحية مع مقولة الإرادة الحرة، واستثمرَ عبقريته في تأمُّل شديد العمق في النفس البشرية ومعاني الإيمان وفي معنى الله، وفي إله الفلاسفة العقلاني والمسافة الكبيرة التي تفصله عن إله المسيحيين الإبراهيمي، في حدود العقل وضرورة القلب للإيمان والوصول إلى الحقيقة.
بالمختصر، إن كان سقراط وكانط وماركس قد جعلوا من حياتهم رديفاً لحب الحكمة والبحث عن الحقيقة، فإن باسكال الذي جمع بين الجسد العليل والعقل العبقري كان مسكوناً بهذا البحث، لتمنعه هشاشة جسده وخواء روحه من الاقتناع بأجوبة عصره ويسمحَ له ذكاؤه الاستثنائي بتزويدنا بأعمق نقد لهذه الأجوبة التي ما تزال شديدة الحضور في عالمنا.
في حاجة الإيمان والأمل إلى الرهان!
يحضر باسكال عادةً عبر أسلوب كتابته السهل الممتنع، والذي يحوّل الكثير من أفكاره العميقة إلى اقتباسات يبتذلها التكرار، كحديثه عن القلب وحججه التي لا يمكن للعقل أن يعقلها، والذي أراد فيه تكثيف رؤيته لسؤال التخيير والتسيير إلى ما يشبه «sms» يتبادلها العشاق والمُولَّهون. ولكنه يحضر أيضاً عبر رهانه الشهير على وجود الله.
لا يعتقد باسكال بإمكانية البرهنة على وجود الله، فأغلب محاولات البرهنة العقلانية على هذا الوجود، كمحاولة ديكارت، تبدو في عيون باسكال متهافتة وقليلة التماسك. ولأن باسكال يعتقد بعجزنا عن إمكانية توفير جواب مقنع على هذا السؤال، ولأنه يعرف جيداً مدى إلحاح هكذا سؤال، يقترح علينا بأن نكتفي بالرهان على وجوده، فإن كان موجوداً نكون قد اهتدينا في وجودنا بنور هذه القناعة المجزية، وإن لم يكن موجوداً لا نكون قد خسرنا أي شيء.
تبدو هذه الفكرة للوهلة الأولى شديدة السخافة والابتذال، بل وتدفع إلى التساؤل عن جدوى قراءة هكذا فيلسوف أو عن الأسباب التي تدفع إلى اعتباره واحداً من أكبر فلاسفة الإنسانية. ولكن وإنصافاً له، لا بد من التذكير بأنه عندما يتحدّث عن الرهان على وجود الله فإنه يقصد أن يحاول المرء، بحسن نية وبعض الإرادة والعزيمة، الإصغاء لصوت الإيمان الضعيف الذي قد يمرّ عليه، وأن يُحاول أن يلعب لعبة الإيمان، فـ{من يُعظِّمُ شعائر الله فإنها من تقوى القلوب} كما تقول الآية القرآنية الكريمة.
تُذكِّرنا هذه الآية بإمكانية مقاربة الشعائر والطقوس الدينية برمتها، في مختلف الأديان، بوصفها تمارين وعادات وتقاليد هدفها خلق إطار دوري ملموس، يدفع من يلتزم به تدريجياً إلى حالة روحية تربطه وجدانياً بعقيدته. رقصة المولوية أسرعُ دليل ملموس وبديهي على ذلك، فهذه الرقصة التي لا تتطلب إلا إتقاناً لحركات شديدة الميكانيكية، تسمح لمن يتقنها بالوصول إلى حالة من النشوة الروحية، والتي قد تتطلَّبُ، إن سلكنا دروب التصوّف العُلمائي قراءةَ آلاف الكتب والكثير من التأمل والتفكير والسفر بحثاً عن أسرار العرفان، ودون ضمانة مُلاقاتها.
محاولة التفكير بالشعائر والطقوس الدينية وفقاً لهذا التصور يجعلنا نفهم مدى وظيفيّتها وضرورتها لخلق الحالة الروحانية التي تبحث عنها الأديان، فالعلاقة بالماء التي يقتضيها الوضوء، والزهد الذي يقتضيه الصيام، والحركات الجسدية التي تقتضيها صلاة المسلمين واليهود، أو المشي والتأمل الذي يمارسه الرهبان البوذيون، أو القدّاس المسيحي ظهيرة كل أحد والأعيادُ التي تتعاقبُ كالفصول، تهدف قبل كل شيء إلى تأمين إطار مُستدام ومَلموس يجتذبُنا نحو المقدّس ويسمح له بالحضور في حياتنا ويُعطي الوقت معنىً وإيقاعاً يتجاوزنا، ويُيسِّرُ سعينا نحو العيش الطيب، والذي لا بد له من مقادير وازنة من الطمأنينة والمعنى.
بالمقابل، يمكن للملحد أن يقول بأن هذا الرهان الباسكالي وهذه الشعائر الدينية ليست إلا الجزرة التي تقودنا إلى تصديق الكذبة التي كذبناها، ولا يوجد اليوم ما يكفي من الحجج العقلانية لنفي احتمالية مُحاججته، بل وقد تجتذبنا بعض تناقضات القَصَص الديني مع الحقائق العلمية إلى الرهان المعاكس.
تحمل هذه المُرافعة كثيراً من الوجاهة، وهو ما تشهد عليه قدرة مئات الملايين من الملحدين في العالم على العيش الطيب دون هكذا رهان، إلّا إن العيش دون الرهان على بعض الاعتقادات يبدو مستحيلاً. نستيقظ في الصباح ونحن نعتقد بأن وجودنا حقيقي، وبأننا يجب أن نتعامل معه بجدّية. لا نقول لأنفسنا بأن حقيقة استيقاظنا ووجودنا يمكن أن تكون مجرد حلم، أو بأننا مجرد شخصيات افتراضية في لعبة فيديو خلقها كائنٌ آخر، بالطريقة نفسها التي نخلق فيها الشخصيات والحبكات والأحداث في ألعاب الفيديو. نراهن على حقيقية وجودنا ووعينا كي نتمكن من التوازن، فلا نخضع للنزوات المجنونة التي قد تخطر لنا. نراهن على أن الشمس ستشرق شرقاً غداً وبعد غد، وبعد آلاف السنين، ونبني وجودنا ونستثمر المليارات على أساس هكذا رهانات رغم عدم حتميتها… تُعطي هذه الأمثلة فكرة الرهان الكثير من جدّيتها وواقعيتها، والكثير من هيبتها أيضاً، فلا يمكن أن نحظى بحد معقول من العيش المتوازن دون هكذا رهانات، وهو ما يجعل هذه الرهانات مُتعددةَ الأشكال وكثيفةَ الحضور في حياتنا.
من ناحيةٍ ثانية، يُظهِرُ المفكر الفرنسي اليهودي لوسيان جولدمان في كتابه البارز الإله المستتر أنَّ الرهان الباسكالي مرتبط بـ«الرؤية التراجيدية» التي حملها باسكال، وبأن باسكال كان أحد أبلغ تعبيراتها، وبأن هذه الرؤية هي ابنة شريحة نبلاء البلاط، وبأنها تتناسب مع المزاج التراجيدي لهذه الشريحة التي كانت تعيش لحظة أُفولها أمام البرجوازية الأوروبية الصاعدة.
تأتي هذه الرؤية من عجز «النبلاء»، كما هي حال باسكال، عن التصالح مع عالمٍ بلا قِيَمٍ مُتعالية ولا إله. لا يمكن لهذا العالم أن يكون بلا معنى، ولا يمكن الاعتقادُ ولو لوهلة بأن الله غير موجود. وجوده حقيقةٌ ويقين. ولكن ولأن هذا العالم يثبت يوماً بعد آخر أنه مُشبَع التناقضات التي لا يمكن فهم حكمتها، ولأن في ذلك ما يجعل العالم ذاخراً بالدناءة، ولأن النبيل لا يمكن أن يقبل بالمساومة مع هكذا عالم، فإنه يجد نفسه مدفوعاً نحو العزلة والهامشية. البرهان الباسكالي، والذي يستند كذلك على قراءة القديس أوغسطين، شديدة الخصوصية والأصالة، للخطيئة الأصلية والنفس البشرية وللتيولوجيا المسيحية، يمنحُ النبلاءَ التوازنَ الذي يحتاجونه للعيش حقاً في هكذا عالم.
قراءة باسكال الجدلية للمسيحية دفعت جولدمان إلى اعتباره واحداً من أوائل تعبيرات التفكير الجدلي في الفلسفة الحديثة المسكونة بالتفكير الديكارتي الميكانيكي والذري، بل إنه دافعَ عن ضرورة مُصالَحة الماركسية مع فكرة الرهان الباسكالي، بما يمنح الطبقات العاملة حرارة الإيمان التي تحتاجها في نضالاتها، وبما يُصالِح فلسفة التاريخ الماركسية مع التفكير الجدلي وينفي عنها اتهامات الميكانيكية والحتمية التي كثيراً ما واجهتها. وفقاً لهذه المقاربة، لا يجب تصور أطروحةِ الماركسية، عن مضي البشرية نحو الاشتراكية والشيوعية بعد الرأسمالية، بوصفها قانوناً يفرضه منطق التاريخ المحكوم بصراع الطبقات مع ما يعنيه ذلك من حتمية ميكانيكية، بل هي رهانٌ يعطي بعض الأفق والحرارة لبرنامج الطبقات العاملة السياسي، لتؤمن به وتعمل على تَحقُّقه، ويرفعُ إيمانُها به من احتمالات تَحقُّقه.
* * * * *
في سوريا اليوم، يحلو للبعض فهمُ الصمتِ والأملِ الذي يشحن الكثير من أبناء المدن «السُنّية» الكبرى، رغم فقدان السلطة الحالية للرؤية والمشروع ورثاثة أدائها وإجراميته أحياناً، وفقاً لحساباتٍ ومعادلاتٍ ثقافوية أو طائفية أفرزتها ماكينة «الحرب على الإرهاب». قد يسمح ذلك بشرح بعض جوانب هذه الظاهرة ولكنني أعتقدُ بأن فكرة الرهان الباسكالي تسمح بمقاربة أكثر نفاذاً؛ فالأملُ، لا التفاؤل، هو في جوهره رهان باسكالي على المستقبل، ودون حضوره لا يمكن للحياة إلّا أن تفقد كل سحرها لتُدخِل من يعيشها في حالة من القنوط، مشابهة للسنوات التي عاشها السوريون بين لحظة إفلات نظام الأسد من العقاب على استخدامه الكيماوي في الغوطة في آب (أغسطس) 2013 ولحظة انهياره في 8 كانون الأول (ديسمبر) 2024.
أملُ السوريين الذي يرفض الموتَ اليوم، والذي يلتفتُ للتفاصيل القليلة التي قد تؤدي إلى تحسين النظام الحالي، هو في جوهره أقربُ إلى رهان على المستقبل، وهو رفضٌ للعودة إلى سنوات القنوط التي غرقت فيها سوريا في العقد الماضي. والخطابُ الذي يستند على مقولة «الشعب السوري العظيم»، والذي يمكن مقاربته بوصفه إعجاباً وقحاً أو فصامياً بواقعٍ بائس، يمكن مقاربته أيضاً بوصفه رهاناً على الحكاية السورية وعلى إمكانية تجاوزها لفصولها السوداء الراهنة للوصول إلى فصول أكثر بهاءً.
قد يدفعنا الإحباط إلى فقدان أي قدرة على الرهان على المستقبل، وهو أمرٌ يسهل فهمه عند من قامت السلطات باستهداف الجماعات والبيئات الأهلية التي ينحدر منها، ولكن فهمَ فكرة الرهان قد يجعلنا أكثر قدرةً على فهم الواقع السوري عموماً ومزاج السوريين، السُنّة خصوصاً، وتُساعدنا على التفكير بواقعنا بقراءات أكثر عمقاً من القراءات الثقافوية التي تنهشُ الأخضر واليابس.
ولكن ينفر كثيرٌ من المثقفين من رهان باسكال. يعتقدون بابتذاله، وهم محقون إن تذكرنا بأن المُبتذَل هو ما يتكرر في حياتنا وما يتحول إلى واحدة من بداهاتها التي لا تستحق اهتمامنا. ولكنهم ينفرون منه أيضاً لأنه يتفلَّتُ من العقلانية الذرّية الميكانيكية التي تُشكِّل مرجعيتهم وروح عصرهم، فالمثقفون ديكارتيو الهوى عموماً، وهذه واحدة من مشاكل عصرنا، التي لا بد من استحضار روح باسكال لتجاوزها. ففكرة الرهان عموماً، والمشروعية التي تمنحها لمقولات الإيمان والرجاء، تأتي لتُذكّرنا بالعمق الفلسفي الذي ترتكز عليه الأديان، وتدعونا إلى تفكير أكثر حذراً في أسئلة الدين والوجود من تلك اللائكية التي لا تريد أن تفهم الدين والإحياء الديني، الذي يعيشه العالم اليوم، إلا من زوايا سوسيولوجية واقتصادية وتاريخية وثقافية، لتبقى وفيّةً لأسطورة كفاية العقل التي افتتحت بها الديكارتية 2 التفكيرَ الفلسفي الحديث.
في الترويح عن نفسٍ لا يملأ جوفها إلا التراب
لم يبلغ باسكال الثلاثين إلا وقد خَبِرَ الكثير، فقد سمح له نبوغه باختبار التقدير والمجد، وسمحت له سجالاته مع ألمع عقول عصره بالحصول على ما يكفي من الثقة بالنفس إلى درجة ازدراء الديكارتية الظافرة وتفاؤلها الساذج. جسده العليل ونوبات الشقيقة التي كانت تصيبه وعجزه عن الحركة أمورٌ جعلته يختبر معاني العجز والهشاشة القصوى. تَنسُّكُ شقيقةِ روحه، أخته جاكلين، بعد تَأثُّرها بالأفكار الأوغسطينية التي أظهر حماسته لها، جعله يشعر بالعزلة ويختبر الاكتئاب والإحساس بالذنب والنفاق. وفاة والده وتجربة العيش في المجتمعات المخملية والغرق في الملذّات الباريسية لم تتمكن من مصالحته مع وجوده، ولا من تبديد شعور الخواء الذي كان يشعر به والصحراء التي هامت فيها روحه.
تقول أخته الصغرى جيلبرت، التي كتبت سيرته وسيرة أخته، إن أخاها كان يشعر بالكثير من الاحتقار لعالم النخبة الباريسي، ويقول لنا سجال الفراغ، والذي سنتناوله فيما بعد، بأنه كان يشعر بأن هؤلاء العلماء يمكن أن يُجانِبوا الحقيقة بشكلٍ كبير، دون أن يدركوا ذلك، ودون أن يعترفوا بذلك عند إدراكه، وهو ما يبدو وكأنه قد دفعه إلى المزيد من الاحتقار لعوالم النُخَب الباريسية التي كانت في طليعة الثورة العلمية التي عرفها عصره.
الإحساسُ بالخواء والملل العميق، والشعور الدائم بالحاجة إلى المزيد رغم كل النجاحات والأمجاد، وكأن عيونه لا يمكن أن ترضى إلا عندما يملأ محاجرها التراب، بالإضافة إلى جسده العليل وأمراضه النادرة التي تتجلى على شاكلة آلام عميقة ودفينة؛ دفعه كل ذلك إلى العيش في عوالم القلق الوجودي. ألهمَ ذلك الكثير من خواطره، التي أصبحت فيما بعد منهلاً لا ينضب لكبار المفكرين الوجوديين الذين عاشوا في مناخات مشابهة، من كيركجارد إلى هايدغر وسارتر، ودفعت نيتشه إلى القول بأن دم هذا المسيحي يجري في عروقه، فعبقريةُ خواطره جعلته «المسيحي المنطقي الوحيد» في عيون الفيلسوف الألماني الذي كان أحد أكثر الفلاسفة احتقاراً للمسيحية.
انشغلَ باسكال طويلاً بقلقه وبؤسه هذا وحاولَ فهمه، وكتبَ في واحدة من الخواطر التي تتناول ذلك واحدة من أشهر عباراته: «كل بؤس البشر يأتي من حقيقةٍ وحيدة، وهي عدم قدرتهم على البقاء خاملين في غرفة». أن نأكل البوظة، وأن نعمل أو أن نكتب الشعر، تبدو جميعاً في عيون باسكال مجرد أنشطة للهرب من عجزنا عن إيجاد أجوبة يقينية على أسئلة الوجود الكبرى. قد تشهدُ على ذلك كثيرٌ من تفاصيل يومياتنا، كتعلُّقنا بالهواتف المحمولة التي تندمج يوماً بعد آخر بأجسادنا لتُحوِّلنا إلى سايبورغ، يقضي جلّ وقته في الـ«سكرولينغ» على الشبكات الاجتماعية والفرجة على المسلسلات والأفلام والفيديوهات التعليمية على يوتيوب والفيديوهات الفكاهية على تيك توك، أو حتى فيديوهات غسيل السجاد وخراطة الخرداوت وتلفزيون الواقع. تشهدُ على ذلك أيضاً كراهية الكثير من السوريين ليوم الجمعة، الذي يجبرهم على المكوث خاملين في بيوتهم، دون أن يعرفوا كيف يمررون ساعاته، في مجتمع محروم من أغلب أشكال التسلية والترفيه والاستهلاك.
وفقاً لباسكال، تُشكِّل نشاطات التسلية والترفيه، أو ما تسميه العربية ببلاغة «الترويحَ عن النفس»، جوهرَ النشاط البشري، فكل ما نقوم به ليس في نهاية المطاف إلا شكلاً من أشكال الهرب من القلق الوجودي الكامن في شرطنا الإنساني، والذي سرعان ما ينفجر في وجوهنا عندما نقبع خاملين في غرفة.
* * * * *
المشكلة الكبرى هي عندما تعجز التسالي عن إقناعنا ليَسكُننا الملل، وعندما ينتقل هذا الملل من حالة عابرة إلى سِمة مُؤسِّسة لحياتنا. قد لا يعرف أغلبنا ذلك، فالكثير منا يعيش أياماً صعبة، تفرض عليه إيقاعها وتدعوه إلى الركض للّحاق بها، فتمنع عنه الملل. بالمقابل، تُنتِجُ الحضارة الحديثة أكبر قدر من الناس الذين يصعب الترويح عن نفوسهم، وهو ما تشهد عليه الطبقات الوسطى الغربية، الموسرة والمُعلمَنة، والتي يَتحوَّلُ خواؤها وغيابُ حماستها لأي شيء إلى واحدة من سِمات العصر ومشاكله.
فضائح أبستاين تُشكِّلُ واحدة من التعبيرات الفاقعة عن هذه الحالة، فهذا المصرفي اليهودي بنى شبكته من الأغنياء الأقوياء، القادرين على كل شيء تقريباً، عبر الترويح عن أنفسهم الفارغة بتسالي شديدة العبثية والانحراف.
هناك أيضاً ما يدعو إلى المُحاججة بأن بشار الأسد هو أحد أكثر الأمثلة تطرّفاً عن هذه الأرواح الخاوية، وعن قلقها الذي لا يستكين. يختلفُ بشار عن أبيه، ويُشكِّلُ مثالاً شديد التطرّف لخواء الروح الإنساني وعواقب ذلك. ولدَ ابناً لرئيس، ولم يخضع حتى لتربية سياسية وعقائدية، على اعتبار أن المنصب كان محجوزاً لأخيه. قضى طفولته وشبابه في فقاعة قليلة الأهمية والتقدير من جهة، موسرة ومُغلَقة على نفسها من جهة ثانية. فقاعةٌ هامشية ربما، ولكنه لا يسمع فيها كلمة لا، ليبدو وكأن الكون يدور حوله، وكل ما فيه ينصاع لرغبته، إلى درجة أنه لم يَعُد يشعر بأي شيء وهو يشاهد صوره في كل مكان، لأنه يعتقد، وفقاً لمقاطع العربية، بأن «عقله لا يرى» هكذا تفاصيل.
في هكذا فقاعة، والتي كثيراً ما نجد نظائرها لدى الطبقات الوسطى العلموية، والتي تحاول حماية أبنائها من الحياة عبر حبسهم في قفص ذهبي والتركيز على دراستهم وتفوقهم، اجتمعَ الخواء والجبن والقسوة ليُشكّلوا الروح، التي تُظهِر احتقاراً هائلاً لكل شيء تقريباً. فبشار يحتقرُ المجتمع الذي يحاربه، المجتمع الذي يبني بالرخام مع أنه «مو ملاقي ياكل». يحتقرُ المجتمع الذي يدعمه والجنود الذين يضحون بأنفسهم على جبهاته فهم أيضاً «لا يعرفون إلا تبويس الأيادي». يحتقرُ أجهزة نظامه من شرطة وداخلية. يحتقرُ قادتها وحلفاءه. يحتقرُ سوريا و«تُشعِرهُ بالقرف»، بل ويحتقرُ اسم عائلته التي يريد استبدالها بـ«شي حيوان جديد».
تعاليه وغباءُ سحنته ونكاته السخيفة تتكامل لترسم صورةَ «لبخة» مثير للشفقة، لا يبحث إلا عن إخفاء خواء روحه البائسة، التي حطمت حيوات الملايين دون أي هدف، والتي لم يتمكن كلّ ركام سوريا من ملء محاجر عينيها.
سجال الفراغ: وحده الله ما يمكنه أن يملأ كل هذا الخواء؟
لا ينظر باسكال إلى إنجازاته العلمية والأوقات التي قضاها في عوالم الرياضيات والفيزياء إلا بوصفها ترويحاً عن النفس، ولكن واحدة من مشاكل عصره قادته إلى حلقة شديدة الإثارة والتأثير، ففي أيامه عجزت المضخات الهوائية المُستخدَمة عن سحب المياه من الآبار التي يتجاوز عمقها عشرة أمتار، وهي المشكلة التي قام العالِم الإيطالي تورسيلي بنمذجتها وتحويلها إلى سؤال علمي، بقي مفتوحاً إلى أن أثارَ اهتمام باسكال.
تمكّنَ باسكال من استئناف تجارب سلفه الإيطالي وإثبات خُلاصاته تجريبياً وتحقيق فتح علمي كبير، وهو ما تشهد عليه وحدة الباسكال، والتي تستخدمها الفيزياء لقياس الضغط الجوي، فقد أثبتَ بأن الضغط الجوي، والذي يزداد كلما هبطنا، هو ما كان يمنع مياه الآبار من الصعود. كان لخُلاصات باسكال كثيرٌ من العواقب، فقد سمحت بإثبات وجود الفراغ في الطبيعة، وهو ما يعني تحطيم سطوة المبدأ الأرسطي المُهيمِن وأحدَ أُسس الفيزياء البطلمية، والقائل بأن الطبيعة تهابُ الفراغ.
امتدت تجارب باسكال على سنوات طويلة أدخلته في سن الـ24، في واحدة من السجالات التي يذكرها تاريخ العلم والفلسفة باسم «سجال الفراغ»، والذي خاضه مع الأب اليسوعي أيتين نويل الذي يكبره بأكثر من أربعين عاماً، والذي يُشكِّلُ واحدة من القامات العلمية البارزة في عصره، فقد كان أستاذ رينيه ديكارت، والذي شارك بدوره في هذا السجال ضدَّ باسكال الذي يصغره بأكثر من ربع قرن.
بعد سنواتٍ من الأخذ والرد ومن التجارب الدقيقة ومن أجوبة باسكال، الرصينة دائماً والساخرة أحياناً، استطاع باسكال انتزاعَ الاعتراف بعلمية ادعائه لينتصرَ في هذا السجال. وهو ما اعتبره بيير جينانسيا في كتابه من الفراغ إلى الله: مقال في فيزياء باسكال حَدَثاً شديد الدلالة في سيرته، نظراً لرمزية تفاصيل السجال. فهو لم يجمع بين فيزيائيين معتادين، وإنما بين أب يسوعي تهيمنُ عقيدتُهُ على الكنيسة الكاثوليكية وتسحب العقيدةَ المسيحية نحو قراءة تَصالُحها مع مقولة الإرادة الحرة وقدرة الإنسان على الاختيار، وبين باسكال الذي بدأ التأثُّرَ بمسيحية القديس أوغسطين والجانسينية التي اعتنقتها أخته الحبيبة، والتي ترفض مقولة الإرادة الحرة لصالح قراءة جدلية بين الله وعبده، يكون فيها الله مستتراً، ويكون من واجبِ العبد التكفيرُ عن الخطيئة الأصلية عبر الرهان على وجود الله والبحث عنه، بقلبه، أملاً برحمته ونوره، وهو ما قد يدفع الله إلى اصطفاء العبد وبثِّ روح الإيمان في قلبه ليعيش في مملكة النعيم. بذلك، يبدو هذا السجال شديد الأهمية لتعقُّب رحلة باسكال، من «الفراغ» الذي أثبت وجوده فيزيائياً والذي عاشَ في صحرائه روحياً إلى الإيمان والرهان على الله لـ«الإمتلاء» بنوره.
ولكن ماذا يقبعُ خارج عوالم الجسد والروح؟
يعتقد باسكال بأن علاقة الإنسان بسؤال الوجود تقوده إلى العيش في واحد من ثلاثة عوالم: عالم الجسد، عالم الروح وعالم المحبة والرحمة. في عالم الجسد، نحاول نسيان أسئلة الوجود بأسرع الطرق وأكثرها كسلاً، لنجري وراء زينة الحياة الدنيا، بحثاً عن القوة والثروة ونشغل أنفسنا بملذات الحياة المادية ونحن نحلم بأن نكون ملوكاً مُتوَّجين، على اعتبار أن الملوك، بقوتهم وثرواتهم، هم من يجسد أمثولة هذا العالم وسقف طموحاته.
لا يحب باسكال هذا العالم كثيراً، وهو ما يبدو واضحاً في علاقته بالصيد، ذلك النشاط الكريه الذي يركض فيه عشرات الرجال وراء طريدة، وهو ما قد يسمح بتوقع ما ستكون عليه علاقة باسكال بكرة القدم اليوم. يسمح ذلك أيضاً بتوقُّعِ مدى الازدراء الذي قد يُكنِّه للأحوال التي وصلت إليها الحضارة اليوم، بتهميشها المتغطرس للدين وعجزها عن خلق أو تبنّي روحانيات محايثة بما يسمح بالتصدي للقلق الوجودي الأصيل والذي لم تتوقف عن تعظيمه، ودفعنا للغرق في بحور الاستهلاك والتسلية والترفيه، ليصبح الاستهلاك عنواناً لمجتمعاتنا، ولنكتشف بأن حضارتنا لا تُزوِّدنا لمواجهة لحظات وجودية قاسية، كلحظة كورونا، بما يتجاوز نيتفليكس.
ولكن باسكال لا يُجرِّم هذا العالم، بل وقضى الكثير من سنواته في عوالم النخب الباريسية اللاهية. سنواته الأخيرة، رغم تحوّلاته المسيحية والتزاماته الدينية، حولته إلى رجل أعمال، حيث قام بإنشاء أول شركة مواصلات عمومية، تُنتِجُ عربات نقل جماعية، تسمح لأبناء باريس بالتنقل في أرجائها بيُسر وبسعرٍ زهيد، وهو ما يؤهله ليكون الأب الروحي للميترو، وبخاصة أنه قد ابتكرَ مفاهيم المحطة والمجال والتعرفة النفسية، والتي ما زالت قيد الاستخدام في عوالم النقل الجماعي والميترو الباريسي والتسويق حتى يومنا هذا.
رغم إغراءات هذا العالم، هناك من لا يجدون فيه ما يشبعهم، ليلجأوا إلى عالم الروح العامر بالفكر والخيال ويعيشوا في عوالم المعرفة والجمال، ويتنعموا بنعمه فـ«الفكر هو ما يخلق عظمة الإنسان» بحسب باسكال، والذي يعتقد بأنه لا يمكن تَخيُّلُ شخصيات كأرسطو وأفلاطون وهم «يرتدون تلك الأثواب المُتكلِّفة التي يرتديها المتحذلقون. إنهم أناسٌ صادقون، يضحكون مع أصدقائهم» ويُقدِّمون في «قدرتهم على العيش ببساطة وسكينة» أعمقَ ما في فلسفتهم. رغم تَحفُّظاته التي سنتحدث عنها لاحقاً، يحب باسكال هذا العالم كثيراً، فهو عبقريٌ شديد الشغف والفضول، ولم يتوقف عن ممارسة الرياضيات طيلة حياته، بما فيها مرحلته الدينية التي امتدت على عقده الأخير، والتي كتبَ فيها أطروحةً ساهمت في التأسيس لحسابات التفاضُل والتكامُل.
ثالثُ عوالم باسكال، عالم المحبة والرحمة، يبدو بدوره مُمتنِعاً على أغلب البشر، ولا يتنعَّمُ به إلا من يصطفيهم الله، بعد أن راهنوا عليه وحاولوا الإصغاء لصوته بكل جوارحهم. عندما يدخل المرء في هذا العالم يتخلى عن حب الذات وأهوائها ويتذكر بأنه، كأيِّ إنسان، مجرد تفصيل في هذا الكون، ليتخلّى عن كل نوازع الأنانية والتفاخُر والادعاء، ويعيشَ حياته ببساطة وسكينة تغمرها الغبطة والفرح، ليصل إلى ما وصل إليه باسكال في «ليلة النار»، عندما شعرَ وكأنَّ الوحي قد نزل عليه، ودخلَ في حالة روحية تركَ في وصفها كلمات متناثرة مثل: «رب إبراهيم ورب إسحاق. رب يعقوب، لا رب الفلاسفة والعالمين. إنه اليقين والفرح. اليقين والرؤية والفرح. إنه رب يسوع المسيح. ربك وربي»…
الغبطة ودموع الإيمان واليقين التي وصل إليها باسكال إثر ليلة النار وتَحوُّلِهِ نحو المسيحية، أو اكتشافه لعالم المحبة والرحمة، يسمحُ «بالتفكير بباسكال بوصفه فيلسوف السعادة، رغم مُخاطَرة الذهاب عكس الصورة الدارجة عنه»، وفق ما يخلص إليه الكتاب المرجعي تَعلَّم التفلسُف مع باسكال.
باسكال المسيحي، خيار فلسفي؟
تُشكِّلُ علاقة باسكال بالمسيحية واحدة من النقاط المستفزّة في سيرته في عيون كثيرٍ من التقدّميين، وهناك ما يجعلنا أقربَ للاتفاق مع هكذا حكم، فهذا الفيلسوف يصدّق تصوراته عن لحظات كبرى عاشها أو شهدَ عليها، فتَصوُّرُهُ لليلة النار يجعلها تبدو أقربَ إلى لحظة نزول الوحي على الأنبياء، وما يُسمى بمعجزة الشوكة المقدسة، وهي الشوكة التي ورثها دير بور رويال من تاج الشوك الذي كلّلَ رأس المسيح في الجلجلة، والتي كانت مُلامستها كفيلةً بشفاء ابنة أخته من ناسور أصاب عينها، وهو ما يبدو صعبَ التصديق. قد يُصدّقه المسيحيون وهو ما فعلوه، فباسكال، خصمُ الكاثوليكية الرسمية السائدة، حظيَ رغم كل شيء باحترام الفاتيكان وتقديره، بل ودعا البابا فرانسوا إلى تطويبه، وهي المرحلة التي تسبقُ تَحوُّلَه إلى قدّيس، كما تَحوَّلَ تاريخُ ليلة النار، 23 تشرين الثاني (نوفمبر) 1654، إلى عيد يحتفل به مسيحيون سنوياً.
لسجال الفراغ أهمية كبرى في تَحُّولاته المسيحية، فهذا السجال لم يكن، كما أسلفنا، مجرد سجال علمي وإنما كان، في عيون باسكال، سجالاً بين رؤيتين؛ رؤيته المرهفة والمبدعة علمياً والمُحافِظة سياسياً واجتماعياً وأخلاقياً، ورؤية الأب اليسوعي أيتين نويل الذي يُجسِّدُ عَملُهُ العلمي استمراراً للتقاليد الأرسطية المُحافِظة علمياً، وانتماؤه للأخوية اليسوعية الصاعدة والتي تجسد أقصى يسار الكنيسة الكاثوليكية، والتي تدفع نحو مصالحتها مع مقولة الإرادة الحرة ليكون الإنسان مُخيَّراً وكاملَ الحرية. وجود ديكارت في خلفية هذا السجال، ووقوفه مع أستاذه نويل، ونهاية السجال بانتصار باسكال علمياً، عَمَّقت من ثقته بنفسه ومن احتقاره لهذه النخبة التي فهمت الحياة بالمقلوب، فكانت مُحافِظة علمياً وثورية اجتماعياً وأخلاقياً.
هذه «المعجزات» التي شهدَ عليها، والإحساس بالخواء الذي لازمه لسنوات رغم أمجاده وسنواته الباريسية اللاهية، والذي لم يكن يواسيه فيها إلا ترتيل الإنجيل، النشاط الذي لا يمكن لغيره أن «يملأ هذا القلب الأجوف والممتلئ بالقمامة»، بالإضافة إلى التهافت الذي شهده في أوساط النخبة الباريسية، أمورٌ قادته إلى تحويل مَيله للإيمان بالدين والرهان عليه إلى يقين، لينخرطَ في معارك هدفها الذود عن الدين والإيمان ضد جنون عظمة العقل في أيامه، والذي وضعت ثورات عصره الكثير من الزيت على ناره.
لم يكن يمكن لباسكال أن يبتلع مقولة الإرادة الحرة، اليسوعية يومها والليبرالية في يومنا، بأي شكل من الأشكال، وقد تأثّرَ كثيراً بالقديس أوغسطين (354-430) وبالأب الهولندي كورنيليوس جانسين (1584-1638)، والذي استعاد أفكاره عن البَرَكة المقدّسة التي يلقيها الله في قلب من يشاء، والتي تجعل الكلام عن التخيير والتسيير مسألةً تتجاوز حدّيها، لتبدو وفقاً لباسكال أقربَ إلى جدل مع الله. فالإنسان يجب أن يراهن على وجود الله ويلتزم بشعائره ولكن ذلك قد لا يسمح له بالوصول إلى التقوى والعيش في نعمة الإيمان وما يرافقها من طمأنينة وسكينة وسلوان، فالله وحده هو من يبارك العبد ويُمكِنُ أن يسمح لنور الإيمان بالتسلُّل إلى قلبه. يرتبط هذا الجدل بين الله وعبده، في تَصوُّر باسكال، بالخطيئة الأصلية التي ارتكبها آدم، والتي يجب على الإنسان، كل إنسان، أن يحاول التكفيرَ عنها عبر الرهان على الإيمان.
اليوم، قد لا يتمكَّنُ أغلبنا من ابتلاع المرافعة الباسكالية لنصرة المسيحية الجانسينية، فمن باتوا يكذّبون الأنبياء والرسل لن يحلفوا برأس باسكال ولن يقبلوا المعجزات التي كان شاهداً عليها، وهو ما ينفي عن كتابه الشهير الرسائل الإقليمية أي جاذبية لغير المختصّين، فهذا الكتاب الذي كتبه باسمٍ مستعار، ساعده على التملُّص من شرطة السلطة التي لاحقت الكتاب وحاولت الحدَّ من شيوعه، والذي طبعَ اللغة الفرنسية بأسلوبه الذي زاوجَ بين البساطة والعمق، ليس في نهاية المطاف إلا مجموعة رسائل مُشبَعة بالسخرية الجارحة من اليسوعيين وعقائدهم، وبالدفاع الحار عن الجانسينية بوصفها المسيحية الحقة.
بالمقابل، أحد أكثر ما اجتذبَ باسكال نحو المسيحية، وما يمكن أن نتفهّمه، بل وما يجب أن نُعاوِدَ التفكير فيه، هو انطواءُ المسيحية، والدين عموماً، على واحدة من أكثر المقاربات الأنطولوجية توازناً، فإن كان سؤال، ما الإنسان، هو أحد الأسئلة الأولى والمركزية لأي فلسفة تحترم نفسها فإن المسيحية قد قدّمت، وفقَ باسكال، أفضلَ الإجابات، فرأت الإنسان في عظمته، ورأته في صغره وانحطاطه، لتعترفَ بقدرة الإنسان على التصالح مع الخير والحقيقة والله، وليكون بين صفوفها من خلقوا عظمتهم في فكرهم كأفلاطون وأرسطو، أو أناس تحوّلوا إلى أمثولة في العزم والغيرية والتضحية والكرم ونكران الذات، من غاندي إلى الأم تيريزا وغيرهم، ولكن الدين يرى أيضاً الإنسان في صغره وانحطاطه، في تناقضاته ونفسه الأمّارة بالسوء، في جشعه وطمعه ومرضه وبؤسه وانحطاطه. الدينُ يرى، مثل باسكال، الإنسان بوصفه «قصبة تفكر. أضعف ما في الطبيعة، ولكنه قصبة تفكّر»، فيرى تفاهة القصبة وعظمة الفكر، ولا يقف عند عظمة الفكر كما يفعل الرواقيون أو عند تفاهة القصبة كما يفعل الأبيقوريون، وإنما يرى بأن «عظمة الإنسان كبيرة لدرجة أنه يمكن له أن يدرك مدى بؤسه»، ويصح القول بأننا «نكون بائسين عندما نعرف مدى بؤسنا، ولكن عظمتنا تتجلى أيضاً عندما نعرف مدى بؤسنا».
* * * * *
جسدُ باسكال العليل، المُعذَّب والشقي من جهة، وسيرته الذاخرة بالحب والدفء العائلي والأمجاد والإنجازات من جهة أخرى، وتَلازُم هذين الحدّين، يحتوي على بعض ما قد يُفسِّرُ انجذابه لنباهة الانطولوجيا الدينية وتوازنها. ولِدَ باسكال عليلاً وماتت أمه بعد ولادته بثلاثة أعوام. يُقال إنه كان يعاني من نوع من أنواع السلّ المعوي، الذي رافقه طوال حياته وتَسبَّبَ له بالكثير من الآلام في الأحشاء والسعال والشقيقة. ماتَ عليلاً أيضاً، وأغلب الظن أن موته يعود بالدرجة الأولى إلى قصور كلوي. رغم ذلك، عاشَ باسكال طفولةً وحياةً عائليةً استثنائية. كان والده رياضياً مرموقاً في أكاديمية باريس ومستشاراً للبلاط وموظفاً في جباية الضرائب وموسيقياً، ولكنه كان أيضاً أباً شديد التعلُّق والحب والاهتمام بأطفاله وتعليمهم الصارم، وهو ما تُدلِّلُ عليه مصائرهم. لم يكن باسكال الوجه الوحيد البارز في العائلة، فأخته جاكلين شاعرةٌ أثارت موهبتها إعجابَ المسرحي الفرنسي الشهير كورني، وأنقذت بشِعرِها والدها من غضب الملك. وأخته الثانية، جيلبرت، لم يمنعها زواجها وحياتها العائلية العامرة من كتابة سيرة إخوتها. كان باسكال شديدَ التعلق بوالده وأخواته، وبخاصة أخته جيلبرت، التي اعتزلت الشِعر والحياة الدنيوية لتتنسَّكَ في دير بور رويال، والذي كان معقلاً من معاقل المسيحية الجانسينية، متأثرةً بهذه العقيدة التي كان باسكال قد بدأ بقراءتها والتأثُّر بأفكارها وبالحديث عنها في العائلة.
* * * * *
ينطوي المشهد السوري بدوره على ما يُذكِّرنا بالحدود القصوى التي قد يبلغها الوجود الإنساني، بين العظمة والانحطاط، حيث يصطف قطاع وازن من ناشطي الثورة السورية خلف سلطة رثة وهزيلة، غاضين البصر عن كل انتهاكاتها وعن الحقوق التي تدوسها. يمكن التفكير في هذه الظاهرة من منظور اجتماعي وتاريخي، يعتبر أن الثورة السورية لم تنطوِ على دينامية الربيع العربي ووعد الانتقال الديمقراطي فحسب، وإنما على ديناميات أخرى كانت أهمَّ لضمان استمراريتها، أهمها عنف النظام المَهول الذي انتقل بالصراع بين النظام وبطانته والكثير من البيئات المحلية المنتفضة إلى صراع وجودي، فاقدٍ للمحتوى السياسي، تتجسد غايته الأولى والأخيرة في كسر الطرف المقابل، لينخرط كثيرون في الثورة ويضحّوا بأنفسهم في سبيل صراعاتها، دون أدنى اهتمام بالسياسة ودون وجود أي رؤية سياسية مُسبَقة لمستقبل سوريا، وهو ما يدفع كثيراً منهم اليوم إلى الانخراط في مشروع السلطة الجديدة وإلى الاسترخاء في إطاره الذي يُزاوِج بين مقولة الحكم السلطاني الراشد والمخيال العثماني الجديد، بكل راحة ضمير، ودون أدنى اكتراث أو شعور بالذنب أو المديونية قُبالة وعودِ الانتقال الديمقراطي والمُعاصَرة التي أطلقها الربيع العربي.
بالمقابل، قيامُ بعض رموز هذه الشريحة بالتحول إلى أبواق تردد دعاية السلطة، وتكتفي بالسيارات المُفيَّمة وبالصور والبذلات الفاخرة في القصور الجمهورية، بعد أن كانوا أقربَ إلى أمثولةٍ عن التضحية والفداء والصمود، يبدو عصياً على التحليل التاريخي والسوسيولوجي، ولا يمكن أن يُسعِفَنا في فهمها إلا مقولة باسكال عن عظمة الإنسان وانحطاطه.
باسكال: شوكة في حلق العقلانية التقدّمية؟
كان للنص المقدّس ولنصوص القدّيس أوغسطين مكانة شديدة الخصوصية لدى باسكال، ولكنه كان أيضاً قارئاً للفلسفة الرواقية ولفلسفة عصره، وبخاصة ميشيل دو مونتاني وديكارت. وإن كان يتشارك مع ديكارت في ثورته على الفيزياء السكولائية والبطلمية السائدة في عصره، إلا أنهما يختلفان في شكل هذه الثورة، فباسكال تجريبيٌّ في حين أن ديكارت أكثر فكرانية أو نظرية. ولكن الاختلاف الأكبر، الذي يضعهما على طرفي النقيض، يقبع في رؤاهما الفلسفية، فأنطولوجيا ديكارت التي تُحاول التصالح مع علوم عصرها وثوراته المعرفية، والتي تَعِدُ الإنسان الحديث بأن يكون «وكأنه سيّدُ الطبيعة ومَالكُها»، كانت مشبعة بالثقة بالعقل وبروح التفاؤل حدَّ الغرور، وهو ما لا يمكن لباسكال غُفرانه، وما يُظهِرُ فلسفته بوصفها الردَّ الأكثر عمقاً على هذه الأنطولوجيا المغرورة، إلى درجة دعت الفيلسوف الأميركي آلان بلووم إلى القول بأن الفرنسي إما أن يكون ديكارتياً أو باسكالياً. يؤكد على ذلك باسكال بلسانه عندما يقول إنه لا يمكن أن «يغفر لديكارت محاولته إغفال الله في فلسفته، يغفله دون أن يمنع نفسه من استخدامه كنقرة الأصبع التي تطلق الحركة، ليسلبه أي دور له فيما بعد». بكلمات باسكالية، لا ينجو ديكارت من «حب الذات» عندما يدعونا للجري وراء جزرة العظَمة، عظمة العقل، ويَعِدُنا بالجنة على الأرض، إلى درجة بتنا نظن فيها أنه يُمكننا أن نصبح آلهةً، ما يُوقِعُنا مرةً جديدة في حفرة الخطيئة الأصلية.
* * * * *
إن كانت علاقة باسكال بفلسفة ديكارت تبدو أقربَ لنموذجٍ مضاد، فإن علاقته بمن كانت كتاباته بمثابة مانيفيستو لإعلان ولادة الذات في الحضارة الغربية، ميشيل دو مونتاني (1533-1593)، أكثرَ استرخاءً وإيجابية، فصاحبُ كتاب المقالات ومُؤسِّسُ هذا النوع الأدبي، تمكَّنَ بفضل عُمق أسئلته وشكوكيته وتواضعه المعرفي أمام تعقيد الواقع وأسئلته، والتي تُعبِّرُ عنها مقولته الشهيرة «ماذا أعرف؟»، من إلهام باسكال. تمكَّنَ أيضاً عبر مقاربته الأبيقورية، التي تنظر إلى الإنسان بوصفه مجرد تفصيل عابر في هذا العالم الشاسع، من إثبات عظمته في عيون باسكال، فـ«عظمتنا تتجلّى أيضاً عندما نعرف مدى بؤسنا». بالمقابل، بدا لباسكال أن سؤال الموت، والذي قد يشغل كثيراً من الناس وبخاصة عليلي الجسد كباسكال، كان شبه منسي في فلسفة سَلَفه.
* * * * *
كان باسكال قارئاً للتراث الفلسفي الإغريقي والسكولائي أيضاً، ولكن فلسفته التي ارتكزت على يقينه الديني، والذي رسّخته تَحوّلاتُه الدينية، جعلته يتعامل مع عالم الفكر بمزاجٍ خاص، فعندما يتحدّث عن أفلاطون وأرسطو في خواطره، ويستدعيهم بوصفهم تجسيداً جلياً لأبناء عالم الروح، فإنه لا يقوم بذلك إلا لإشباع رغبته في السجال والسخرية. وعندما يقول إنهم «أناسٌ صادقون، يضحكون مع أصدقائهم»، فإنه لا يقول ذلك إلا كي يستدرك بالقول: «وعندما كانوا يمضون وقتهم في صناعة القوانين والسياسات، فإنهم قاموا بذلك كنوع من الترويح عن النفس. قوانينهم وسياساتهم هي أقل الأشياء فلسفيةً في حياتهم، وقدرتهم على العيش ببساطة وسكينة هو أكثرها فلسفيةً»، وهو ما يستبطن قدراً غير قليل من الاحتقار لـ«قوانينهم وسياساتهم» وكذلك لـ«عالَم الروح» هذا وللفلاسفة والمفكرين الذين اعتادوا عليه.
سكنَ باسكال عالَمَ الفكر والروح أيضاً، نشأَ في أوساطه وقضى كثيراً من الأوقات مع ألمع مفكري عصره وكتبهم، فمنذ طفولته وهو يحضر النقاشات العميقة التي تجمع زملاء والده الذي كان عضواً نشطاً في أكاديمية الأب ماران ميرسين، والتي كان يتردد عليها أناسٌ كديكارت وهوبز وغاليلو وغيرسيندي وغيرهم ممن ساهموا في إطلاق كثيرٍ من الثورات العلمية والمعرفية التي وسمت تلك الحقبة. لم يكن باسكال مجرد وجه عابر، فقد دفع نبوغه المبكر عَلَماً كديكارت للاهتمام به ولقائه، كما منحه سجال الفراغ كثيراً من الهيبة والحضور في هذه الأوساط. ولكن، ولأن أبناء عالم الروح ممن يغويهم الفكر يتحلّون بكثيرٍ من الفضول، ولأن الفكر هو ما يسمح للإنسان بالوصول إلى العظمة، وما يصاحبها من غرور، ولأنه وفقاً لباسكال وعقيدته المسيحية، فإن الفضول والغرور هما الخصلتان اللتان دفعتا آدم إلى الاستماع لحواء وارتكاب الخطيئة الأصلية، التي أخرجت الإنسان من الجنة من أجل قضمة تفاحة، فإن هذا العالَم لا يمكن أن يكون مُكتمِلاً، بل ولا يستحق غرورُ أصحابه وتعاليهم وإحساسهم بملامسة الكمال والتحقق إلا بعض السخرية والاحتقار.
تُشكِّلُ هذه النظرة لعالَم الروح، وما رافقها من تَرفُّع وازدراء لعالَم الفكر والفلسفة، واحدةً من أسباب تعقيد علاقة الفلسفة بباسكال، والذي لم يحظَ بالتقدير الذي يتناسب وعمق إسهامه من قِبَل التقاليد الفلسفية الحديثة إلّا في فتراتٍ متأخرة نسبياً. قد يعود ذلك إيضاً إلى أن علاقة باسكال بالفلسفة تبدو شديدة الاختلاف عن ظاهرة احترافِ الفلسفة التي بدأت في عصره، وما اقتضته من مأسسة وتقاليد وأكاديميات ومن أطروحات ونُظُم، شبيهة بالنُظُم التي أنشأ مِعمارَها فلاسفةٌ عاصروا باسكال أو سبقوه بقليل كديكارت وهوبز وسبينوزا. للمفارقة، تبدو علاقة باسكال بالفلسفة أقربَ بكثير لروح الفلسفة في نشأتها الإغريقية، فقد كانت شغفاً بالحقيقة وحباً لها و«طريقة حياة»، على حدِّ تعبير بيير آدو، وكانت رؤى فلاسفة أثينا الأوائل من أفلاطون إلى أرسطو وأبيقور شديدة الارتباط بسيرتهم ويومياتهم، وهو ما يُذكِّرُ بباسكال الذي تبدو سيرة حياته أقربَ إلى سيرة إنسانٍ عادي لم يتخلَّ عن عناده في الجري وراء أسئلته الكبرى إلا عندما شهد المعجزات ووصل إلى الأجوبة التي أقنعته.
عرّاب الشعبوية؟
يبتكر باسكال لمن لا يتمكنون من لجم الغرور الذي قد يقودهم إليه عالمُ الفكر مقولةَ المتحذلقين (Demi-habiles)، ليكون المتحذلقون هم أولئك الذين يتفوقون على العامة بمعارف جزئية تسمح لهم باكتشاف بعض الجوانب التي تتجاوز المظهر الذي تبدو عليه الأشياء، ولكن جزيئة معارفهم تمنعهم في الوقت نفسه من القبض على ماهية الأشياء في كُلّيتها وأعماقها، فيُقابِلون العامة بالازدراء الذي يحاولون من خلاله إشباع عُقَد الاستعلاء التي تشتغلهم، دون أن يتمكنوا من مقاربة الواقع بالعمق الكافي. بذلك، يختلف الفطنون (Habiles)، كباسكال، عن المتحذلقين، كديكارت، بذكاء وفضول أكبر يُمكِّنهم من معرفة أوسع ومن التفوق علمياً، وهو ما يشهد عليه سجال الفراغ، ويمكّنهُم من تماهٍ أعمق مع العامة، أي من غيرية قد تصل بهم حدّ التنسُّك.
قد تدفع هذه السطور إلى التفكير بباسكال بوصفه أحد عرّابي النزعة الشعبوية، المعروفة بنفورها من المثقفين، والتي يجري تصويرها بوصفها واحدة من الأسباب الرئيسية للأزمة الديمقراطية السائدة في الكثير من ديمقراطيات العالم اليوم، ولكنها تَصلُحُ أيضاً للتأسيس فلسفياً لـ«شعبوية» تحرّرية، أو على الأقل، لدعوة النخب الليبرالية إلى مُعاودة التفكير في محدودية معارفها وأساطيرها المُؤسِّسة، والأهم محدودية محتواها الأخلاقي ومحدودية قُدرتها على التماهي والإحساس بالآخر.
من جهةٍ أخرى، تبدو قراءة باسكال مدخلاً ضرورياً لأي نقد ذاتي يطمح التقدميون، بيسارهم وليبرالييهم، للقيام به، على غرار ما فعله عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو في كتاب تأملات باسكالية، والذي ختم فيه مسيرته المهنية الهائلة بتأمُّلات فلسفية ونقد ذاتي وتذكير بانحيازات الأكاديميين ونُزوعهم لإضفاء لُبوس علمي ومنهجي وكوني على تجاربهم الذاتية.
تبدو بذلك استعادةُ باسكال تمريناً على التواضع، ولكنها تسمح بما هو أكثر من ذلك، ففكرة الرهان عموماً، والمشروعيةُ التي تمنحها لمقولات الإيمان والرجاء، تأتي لتُذكِّرنا بالعمق الفلسفي الذي ترتكز عليه الأديان، وتدعونا لتفكير أكثر حذراً في أسئلة الدين والوجود من تلك اللائكية التي لا تبذل أي قدر من التماهي والخيال عند مقاربتها حضور الدين والردة الدينية التي يعيشها العالم اليوم، لتبقى وفيّةً للسذاجة المغرورة والمتحذلقة التي دشّنت تاريخنا الحديث.
* * * * *
لا أشعر بشكل شخصي بأي روابط وثيقة تجمعني باليسار بالمعنى الإيديولوجي للكلمة، فرغم الأهمية الكبيرة التي أكنّها للماركسية بالمعنى التحليلي للكلمة، إلا أنني لم أتمكن من التصالح مع الماركسية السياسية ونُسَخِها الدارجة شديدة الدوغمائية، وهو ما تشهد عليه أول مادة أنشرها في حياتي، والتي خَصُّصتها لانتقاد الاستدعاء الدوغمائي لمقولة ديكتاتورية البروليتاريا. من جهةٍ أخرى، لم أعرف إلّا الخيبة والإحباط في اطّلاعي على التجارب اليسارية العالمية ونهاياتها التسلطية والشمولية، كما لم أشعر يوماً بأي روابط وثيقة باليسار العربي بأغلب تنويعاته، ونزوعه القومي الطاغي، ولم يجمعني بهؤلاء إلا الخيبات الصادقة التي عبَّرَ عنها بعضهم. مقولة الثورة أيضاً، والتي طالما اجتذبتني، فقدت كل إغوائها بعد تجربة الربيع العربي، ولكن ذلك لم يمنعني من الاعتقاد بيساريةٍ ما تَسكُنني.
قد تدفعني إلى ذلك المكانةُ البارزة التي تحتلها مقولات الحلم والعدالة والتحرر في عوالم اليسار، ولكن ما يربطني باليسار يمتدُّ أيضاً إلى مركزية قِيَم الغيرية والإحساس بالآخر والأخوّة والتي تبدو القيمَ المؤسسة لعالَم المحبة والرحمة الباسكالي إن جرّدناه من لبوسه المسيحي، وهو ما تشهد عليه رغبته بالموت بلا قبر، بين الفقراء، والتي لم يحترمها ورثته. يجمعني باليسار أيضاً شيءٌ من الشعبويةِ باسكاليةِ الجذور، التي تنفر من تعالي البرجوازية وغرورها ومحدوديتها بوصفها طبقة المتحذلقين، وحبٌّ لـ«الناس العاديين»، من كادحين وعمال وفقراء وصغار كسبة، ممن لا يحلمون بأن يكونوا آلهة ويعرفون بأنهم مجرد تفاصيل في هذا الكون الشاسع.
-