ليست المسألة في اليمن أن تستعيد السعوديّة زمام المبادرة العسكريّة فحسب، بل أن تمنع إعادة إنتاج المعادلة التي جعلت أمنها عرضة للتهديد كلّما اختلّ ميزان القوى داخل جارتها الجنوبيّة. الدولة التي تقبل بوقف النار من دون معالجة مصادر الخطر تشتري هدوءاً مؤقّتاً، لكنّها لا تضمن السلام. وهذه هي الحقيقة التي تعتمدها الرياض في مواجهتها، في لحظة يتقاطع فيها التصعيد اليمنيّ مع أمن البحر الأحمر، وحسابات إيران الإقليميّة، ومستقبل الدولة اليمنيّة نفسها.
ما يتغيّر في المشهد ليس بالضرورة قراراً سعوديّاً معلناً بإغلاق باب التفاوض، بل تعريف الشروط التي يمكن أن تجعل التفاوض مجدياً. وبعد سنوات من الهُدن الهشّة، لم يعد كافياً أن تتوقّف الصواريخ أيّاماً أو تتراجع المواجهات أسابيع، إذا ظلّ الطرف المسلّح قادراً على إعادة بناء قدرته على التهديد، وفرض وقائع جديدة، ثمّ العودة إلى المفاوضات من موقع أقوى.
هنا تكمن دلالة الرسالة التي نقلتها وكالة الصحافة الفرنسيّة عن مصدر إقليميّ مطّلع على السياسة السعوديّة، ومفادها أنّ الرياض لن توافق على هدنة قبل استعادة الحكومة اليمنيّة الأراضي التي خسرتها في الأسابيع الأخيرة. لا يرقى هذا الكلام إلى مرتبة القرار الرسميّ المعلن، لكنّه يعبّر عن منطق استراتيجيّ بات أكثر حضوراً: لا يمكن فصل التسوية عن الوقائع التي تُبنى على الأرض، ولا يمكن مطالبة السعوديّة بقبول ترتيبات لا تمنحها ضمانات جدّيّة لأمنها.
نهاية وهم الهدنة المجّانيّة
أظهرت التجربة اليمنيّة أنّ وقف النار، حين لا يستند إلى توازن قابل للاستمرار وآليّات واضحة للرقابة والتنفيذ، يتحوّل إلى فترة لإعادة التموضع بدلاً من أن يكون مدخلاً إلى السلام. إذ إنّ الهدنة لا تحلّ تلقائيّاً مشكلة السلاح خارج مؤسّسات الدولة، ولا تنهي ازدواجيّة القرار العسكري، ولا تمنع استخدام الأراضي اليمنيّة منصّةً لتهديد دول الجوار والملاحة الدوليّة.
من هذا المنطلق، فإنّ إعادة النظر السعوديّة في شروط التهدئة لا ينبغي تفسيرها بوصفها رفضاً للسلام، بل محاولة لمنع اختزال السلام في مجرّد غياب مؤقّت للنيران.
ثمة فارق بين هدنة تُفرض فيها التزامات متبادلة قابلة للتحقق، وهدنة تُترك فيها مصادر التهديد على حالها. الأولى يمكن أن تكون بداية لتسوية سياسية. أما الثانية فقد تمنح الطرف الذي يملك السلاح والقدرة على المبادرة فرصةً لتحسين موقعه قبل الجولة التالية.
أمن المملكة خطّ أحمر استراتيجيّ
نقلت الهجمات التي طالت مطار الملك خالد الدوليّ في الرياض خلال الأيّام الماضية، وما رافقها من سقوط ضحايا مدنيّين وأضرار في المرافق الحيويّة، المواجهة إلى مستوى لا يمكن التعامل معه بوصفه تفصيلاً في الحرب اليمنيّة.
يوم الأحد، وصف التحالف الداعم للشرعيّة الهجوم على المطار بأنّه عمل إرهابيّ، وأعلن أنّه سيواجهه بحزم. وفي اليوم نفسه، أدانت السعوديّة ومصر وباكستان وتركيا، ضمن مجموعة الدول الأربع المعروفة بـ”R4″، الاعتداءات الحوثيّة، واعتبرتها انتهاكاً لسيادة المملكة وسلامة أراضيها وتهديداً مباشراً للأمن الإقليميّ.
تكمن أهميّة هذا الموقف في أنّه يوسّع إطار المسألة من مواجهة سعوديّة حوثيّة إلى قضيّة أمن إقليميّ تستدعي موقفاً مشتركاً. كما أنّ إدانة الهجمات على المنشآت المدنيّة تمنح الرياض أرضيّة سياسيّة وقانونيّة للدفاع عن حقّها في حماية أراضيها وسكّانها وفق القانون الدوليّ.
باب المندب ليس ورقة تفاوض حوثيّة
إذا كانت الحدود السعوديّة تمثّل خطّ الدفاع الأوّل عن الأمن الوطنيّ، فإنّ باب المندب يمثّل إحدى نقاط الالتقاء بين الأمن السعوديّ والأمن العربيّ والمصالح الدوليّة. لا تتعلّق السيطرة على الساحل الغربيّ اليمنيّ ومحيط المضيق بمساحة جغرافيّة فحسب، بل بالقدرة على التأثير في ممرّ بحريّ حيويّ يصل البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهنديّ. وأيّ تهديد مستدام لهذا الممرّ يرفع كلفة التجارة والنقل والطاقة، ويمنح القوّة التي تسيطر عليه قدرة على ممارسة الضغط خارج حدودها.
هنا ينبغي فهم المصلحة السعوديّة بوضوح: لا يمكن أن يصبح أمن البحر الأحمر رهينةً لقرار قوّة مسلّحة خارج مؤسّسات الدولة اليمنيّة. واستعادة الحكومة سيطرتها على المواقع الاستراتيجيّة، إذا اقترنت بإدارة مؤسّسيّة وأمنيّة مستدامة، تخدم اليمن أوّلاً، وتخدم السعوديّة وجوارها العربيّ، كما تخدم حرّية الملاحة الدوليّة.
لكنّ السيطرة العسكريّة وحدها لا تكفي. المطلوب أن تتحوّل المواقع المستعادة إلى جزء من منظومة يمنيّة لحماية السواحل والموانئ، وأن تُمنع عودة استخدامها قواعدَ للتهديد أو أدواتٍ للمساومة السياسيّة.
واشنطن أمام اختبار الشّراكة
تمنح المواقف الأميركيّة الأخيرة الرياض مساحةً إضافيّة لتعزيز رسالتها. إذ أكّد وزير الخارجيّة ماركو روبيو أنّ الولايات المتّحدة ستلتزم باتّفاقها الدفاعيّ والأمنيّ مع السعوديّة، وأقرّ بحقّ المملكة في الدفاع عن نفسها، فيما قال الرئيس دونالد ترامب إنّه يدرس احتمال انضمام بلاده إلى الضربات ضدّ الحوثيّين.
لا تعني هذه التصريحات أنّ واشنطن اتّخذت قراراً نهائيّاً بالتدخّل المباشر، لكنّها تكشف أنّ الهجمات على السعوديّة تضع الشراكة الأميركيّة – السعوديّة أمام اختبار عمليّ، لا مجرّد اختبار للبيانات الدبلوماسيّة.
الأهمّ أنّ الرياض لا تحتاج إلى تحويل كلّ مواجهة إلى حرب أميركيّة مباشرة كي تثبت قدرتها على حماية أمنها. ما تحتاج إليه هو شراكة واضحة في الدفاع الجوّيّ، وتبادل المعلومات، وحماية الممرّات البحريّة، وتنسيق الجهود لمنع تكرار الهجمات، بالتوازي مع دعم قدرة الحكومة اليمنيّة على استعادة مؤسّسات الدولة.
لا سيادة يمنيّة من دون دولة واحدة
مع ذلك، لا تستطيع السعوديّة وحدها أن تنتج الاستقرار الذي تحتاج إليه. فالمعركة، مهما حقّقت من مكاسب ميدانيّة، ستظلّ ناقصة إذا بقيت الحكومة اليمنيّة عاجزة عن إدارة المناطق التي تستعيدها، أو عن تقديم الحدّ الأدنى من الخدمات لمواطنيها.
يمنح الدعم السعوديّ – العربيّ الحكومة اليمنيّة فرصة لتغيير المعادلة، لكنّ مسؤوليّة تحويل هذه الفرصة إلى دولة تقع على عاتق القوى اليمنيّة نفسها. ويتطلّب ذلك معالجة الانقسامات داخل المعسكر المُعارض للميليشيات الحوثيّة، وتوحيد المؤسّسات، وربط السلاح بقيادة وطنيّة، وتعزيز القضاء والإدارة المدنيّة.
من هذه الزاوية، فإنّ الدفاع عن الحكومة اليمنيّة ليس مجرّد دفاع عن طرف سياسيّ حليف للرياض. إنّه دفاع عن مبدأ أنّ القرار في الحرب والسلم ينبغي أن يعود إلى مؤسّسات الدولة، لا أن يبقى موزّعاً بين قوى مسلّحة تتجاوز حدودها وتفرض خياراتها على المجتمع.
من يملك شروط السّلام؟
يدخل اليمن اليوم مرحلةً لا يمكن فيها فصل الميدان عن السياسة. وقد أشار المبعوث الأمميّ إلى اليمن هانس غروندبرغ في إحاطته الأخيرة أمام مجلس الأمن إلى أنّ الضغط العسكريّ قد يعزّز الموقع التفاوضيّ، لكنّه شدّد أيضاً على أنّ المكاسب الميدانيّة لا يمكن أن تحلّ محلّ المفاوضات الضروريّة لإنهاء الصراع.
هذه هي المعادلة التي تقوم عليها المقاربة السعوديّة: لا تسوية تكافئ فرض الوقائع بالقوّة، ولا حرب مفتوحة بلا أفق سياسيّ. المطلوب شروط أمنيّة قابلة للتحقّق، ووقف فعليّ للهجمات العابرة للحدود، وحماية للملاحة، ومسار يعيد مؤسّسات الدولة اليمنيّة إلى موقعها الطبيعيّ.
إذا كانت قواعد اللعبة تتغيّر بالفعل، فإنّ الاختبار لن يكون في حجم العمليّات العسكريّة، بل في قدرة السعوديّة وحلفائها والحكومة اليمنيّة على تحويل الضغط إلى ردع، والردع إلى تسوية، والتسوية إلى دولة قادرة على حماية سيادتها. فالسلام الذي لا يضمن أمن السعوديّة ولا يعيد القرار السياديّ إلى الدولة اليمنيّة سيظلّ هدنةً مؤقّتة. أمّا السلام الذي يقوم على الردع والضمانات والمؤسّسات، فيمكن أن يكون بدايةً فعليّة لإنهاء الحرب، لا مجرّد استراحة تسبق جولتها التالية.
