لعبت المرجعيّة الدينيّة في النجف الأشرف، وتحديداً مرجعيّة السيّد عليّ السيستانيّ، دوراً مفصليّاً في العراق الجديد، وشكّلت صمام أمان في محطّات وتحدّيات عديدة، منذ الاحتلال الأميركيّ وصولاً إلى سيطرة تنظيم “داعش” على ثلث مساحة العراق. وبعد الانتصار على “داعش”، أكّدت المرجعيّة مبدأين أساسيَّين: محاربة الفساد وحصريّة السلاح بيد الدولة، باعتبارهما مدخلاً لبناء دولة قويّة قادرة على فرض سيادتها والدفاع عن العراق في مواجهة المخاطر الداخليّة والخارجيّة.
لا يمكن فصل فتوى “الجهاد الكفائيّ” التي أصدرها السيّد السيستانيّ صيف 2014 عن الدور الإرشاديّ الذي اختارته المرجعيّة تحت سقف الدولة ومصالح العراق ووحدته الوطنيّة. وقد تبلور هذا الدور في الإصرار على دستور جديد يكتبه العراقيّون ولا تفرضه واشنطن، واحتضان المكوّنات العراقيّة غير الشيعيّة في توزيع السلطات، ومواكبة تداعيات التهجير والنزوح جرّاء الإرهاب، وصولاً إلى تبنّي مطالب المتظاهرين عامَي 2019 و2020، أو ما عُرف بحراك تشرين، وإدانة عمليّات القتل التي استهدفتهم، والمطالبة باستقالة رئيس الوزراء حينها عادل عبد المهدي، رغم الدعم الواسع الذي كان يحظى به من النظام الإيرانيّ.
فتوى الدّفاع لا تأسيس الفصائل
بعد سيطرة “داعش” على المحافظات الغربيّة واقترابه من حزام بغداد ومحافظتَي كربلاء والنجف، ومع الانهيارات المتسارعة في صفوف الجيش والقوّات المسلّحة، أصدر المرجع الأعلى السيّد عليّ السيستانيّ فتوى “الجهاد الكفائيّ” لدعم المجهود الحربيّ في التصدّي للتنظيم والدفاع عن وحدة العراق وشعبه.
الهبّة الشعبيّة التي لبّت نداء المرجعيّة لم يكن هدفها تشكيل قوّات عسكريّة جديدة أو موازية للقوّات الرسميّة، بل سدّ الفراغ الذي نشأ في تلك المرحلة. وتولّت الحكومة، والقائد العامّ للقوّات المسلّحة، تنظيم المتطوّعين ضمن ألوية وكتائب بما يخدم مسار المعركة وحاجة الجبهة. ولم يكن مطروحاً حينها توزيع هذه الألوية على الأجنحة العسكريّة للأحزاب والفصائل التي تشكّلت سابقاً تحت عنوان مقاومة الاحتلال الأميركيّ، كجيش المهديّ، ثمّ سرايا السلام، وعصائب أهل الحقّ، والنجباء، وكتائب الحزب.
مع تطوّر الأحداث، وجدت القيادات الشيعيّة التي كانت تتقاسم المشهد السياسيّ إمكانيّة توظيف هذه الحشود ضمن تشكيل عسكريّ أُطلق عليه “الحشد الشعبيّ”، تحوّل لاحقاً إلى كيان قانونيّ بموجب أمر ديوانيّ صدر عن رئاسة الوزراء برئاسة حيدر العبادي، ثمّ أُقرّ كقانون في مجلس النوّاب. ودفع ذلك معظم الأحزاب الشيعيّة القديمة والجديدة إلى الإعلان عن امتلاكها ألوية وكتائب داخل “الحشد”، باستثناء حركة النجباء، كتائب الحزب، كتائب سيّد الشهداء، أنصار الله الأوفياء، وأهل الكهف، التي فضّلت العمل من خارجه.
بعد عام 2020 واغتيال قائد “فيلق القدس” في الحرس الثوريّ الإيرانيّ اللواء قاسم سليماني ونائب رئيس هيئة “الحشد الشعبيّ” أبي مهدي المهندس، أعلنت هذه الفصائل تشكيل “جبهة المقاومة للمحتلّ الأميركيّ”، وضمّت في بدايتها كلّاً من “سرايا السلام” بقيادة السيّد مقتدى الصدر و”عصائب أهل الحقّ” بقيادة الشيخ قيس الخزعلي. إلّا أنّ الأخيرين، ومعهما “كتائب الإمام عليّ” بقيادة شبل الزيديّ، فضّلوا الابتعاد عن هذا المسمّى والاقتراب من خيار العمل السياسي وحصد المكاسب السياسيّة والإداريّة والاقتصاديّة. وأضاف الصدر إلى ذلك بُعداً عقائديّاً كان قد بدأه مع اندلاع الأزمة السوريّة، عندما رفض انخراطه كفصيل وانخراط العراق كدولة فيها، بما عكس تمايزه عن الخيار الإيرانيّ على الساحتين العراقيّة والإقليميّة.
من “الجهاد الكفائيّ” إلى أزمة السّلاح
بعد إعلان الحكومة، برئاسة العبادي، الانتصار على “داعش” من مدينة الموصل عام 2017، ظهرت أزمة التعامل مع سلاح الفصائل وضرورة توحيد القرار العسكريّ ضمن الأطر الرسميّة والقانونيّة.
في الوقت الذي كانت فيه القوى السياسيّة تنتظر موقفاً واضحاً من المرجعية الدينيّة، وربّما فتوى جديدة تمنح الحكومة غطاءً شرعيّاً للبدء بحصر السلاح وتفكيكه، لم ترَ المرجعيّة نفسها معنيّة بهذا الدور.
المرجعيّة التي تدخّلت في لحظة تاريخيّة كانت تهدّد العراق وسلامته ووحدته، كما حصل عند رفضها مسوّدة الدستور التي حاول الحاكم المدنيّ الأميركيّ بول بريمر تمريرها، وإصرارها على دستور يكتبه العراقيّون، وكذلك توصيتها بطمأنة المكوّنات السنّيّة والكرديّة عبر توزيع المواقع القيادية، لا ترى نفسها اليوم معنيّة بإصدار فتوى في مسألة حصر السلاح.
تنطلق المرجعيّة من أنّ حصر السلاح شأن خاصّ بالدولة ومؤسّساتها، ولا دور لها فيه. كما أنّ تدخّلها قد يعيد فتح باب القوى السياسيّة عليها وجرّها إلى الشؤون السياسيّة والإداريّة، بما يخرج موقعها من دوره الإرشاديّ ويحوّله إلى ما يشبه “ولاية الفقيه”، التي لا تقبل بها ولا ينسجم معها موقفها الفقهيّ.
تنتفي الحاجة إلى فتوى “الجهاد الكفائيّ” بانتهاء الخطر الذي استدعى إصدارها، وبالتالي ليست المرجعيّة معنيّة بإصدار فتوى جديدة. لكنّها أعلنت موقفاً واضحاً ومباشراً، وكرّرته على لسان معتمديها في صلاة الجمعة في كربلاء، خصوصاً السيّد أحمد الصافي والشيخ عبدالمهدي الكربلائيّ. ونقلت وكالة الأنباء العراقيّة “واع” عن الصافي تأكيد موقف المرجعيّة الداعي إلى حصر السلاح بيد الدولة، باعتباره مطلباً أكّدت عليه منذ سقوط النظام السابق، مشدّداً على أن “لا أحد يتوهّم أنّها، أي المرجعيّة، تؤيّد أيّ تنظيم غير مرخّص به”.
كان هذا الموقف أحد أسباب لجوء الألوية التابعة للعتبات المقدّسة في النجف وكربلاء إلى إعلان انفكاكها عن هيئة “الحشد الشعبيّ” والانضواء تحت إمرة القائد العامّ للقوّات المسلّحة، إلى جانب الخلافات التي نشأت بين قادة هذه الألوية والقيادة الجديدة للهيئة حول توزيع المهمّات والمواقع، بعد تولّي فالح الفيّاض رئاسة الهيئة وأبي فدك المحمداويّ قيادة الأركان.
المرجعيّة التي تدخّلت في لحظة تاريخيّة كانت تهدّد العراق وسلامته ووحدته، كما حصل عند رفضها مسوّدة الدستور
واجب الدّفاع لا حقّ السّلاح
لا تعني دعوة المرجعيّة إلى حصر السلاح بيد الدولة تخلّيها عن القوى والطاقات التي شاركت في المعارك إلى جانب القوّات الرسميّة، بل دعت بعد إعلان النصر إلى الاستفادة منها ضمن الأطر الدستوريّة والقانونيّة. ففتوى المرجعيّة أنشأت مبدأ “واجب الدفاع” ضمن أطر الدولة وتحت إشرافها، وحرّمت حقّ حمل السلاح والاحتفاظ به أو تأسيس تشكيل عسكريّ موازٍ لمؤسّسات الدولة.
بالتالي، فإنّ حلّ الفصائل أو حصر السلاح لم يعد مسألة فقهيّة أو فتويّة، بل يدخل ضمن صلاحيّات الدولة ومهمّاتها. ودخول المرجعيّة في هذه القضيّة قد يولّد التباساً في موقفها: هل يتعلّق بالسلاح المنفلت، بغضّ النظر عن هويّته الفصائليّة أو العشائريّة، أم يطاول أصل مسألة “الحشد الشعبيّ” الذي تحوّل إلى مؤسّسة رسميّة أقرّها البرلمان، وينتظر قانون ينظّم هيكليّته وإدارته العسكريّة؟ وفي الحالتين، بات “الحشد” من مسؤوليّات الدولة والحكومة والقائد العامّ للقوّات المسلّحة.
كما أنّ تدخّل المرجعيّة قد يشكّل خرقاً للخطوط التي رسمتها في تعاملها مع الشأن العامّ. وإصدار فتوى جديدة قد يدفع فصائل ترتبط عقائديّاً وأيديولوجيّاً بـ”ولاية الفقيه” في إيران إلى عدم الالتزام بها، ما يضع المرجعيّة في موقف حرج، وربّما يفتح أزمة داخليّة محورها “شرعيّة البيت الشيعيّ”.
ماذا بعد حصر السّلاح؟
إذا كانت المرجعيّة قد حدّدت دورها بالحفاظ على مبدأ الدولة وتطبيق القانون، سواء في محاربة الفساد والهدر أو حصر السلاح، باعتبار ذلك من مهمّة المؤسّسات السياسيّة والتنفيذيّة والدستوريّة، فإنّها تتطلّع أيضاً إلى ما بعد مرحلة حصر السلاح. فهل تشهد الساحة العراقيّة ولادة فصائل ومجموعات مسلّحة جديدة تتولّى تنفيذ عمليّات أمنيّة داخل العراق أو انطلاقاً من أراضيه؟ خصوصاً مع الحديث عن انشقاقات داخل فصائل وافقت على تسليم سلاحها أو تنظيمه، وعن اتّهامات لفصائل أو كتائب غير معروفة، أو منشقّة عن فصائل معروفة، بالوقوف وراء هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت منشآت نفطيّة في السعوديّة.
هذا التحوّل، أي دخول فصائل معروفة في مسار التعاون مع الدولة والاندماج في مؤسّساتها وعمليّتها السياسيّة، مقابل ظهور مجموعات جديدة تستكمل أدوار الفصائل المتعاونة، يترك الباب مفتوحاً أمام واشنطن للقيام بعمليّات استباقيّة أو استهداف أيّ فصيل قد يقدّم إسناداً لإيران في حرب محتملة انطلاقاً من العراق. فأيّ عمليّة إسناد ستعني تحدّياً لإرادة الحكومة وحليفتها واشنطن، وإخفاقاً في حصريّة قرار الحرب والسلم.
هكذا، فإنّ حلّ أزمة السلاح أخطر وأعقد من أن يُحسم بفتوى لن تصدرها المرجعيّة، أو بقانون برلمانيّ، أو بضربة عسكريّة أميركيّة، خصوصاً في ظلّ تداخل المصالح الدوليّة والإقليميّة التي لا تقتصر على واشنطن وطهران.
هنا تظهر الحاجة إلى عقد سياسيّ جديد، أساسه تفاهم شيعيّ داخليّ حول مخاطر استمرار حالة اللادولة، ثمّ الانتقال إلى تسوية وطنيّة شاملة بمشاركة جميع المكوّنات العراقيّة والتزامها، ترافقها ضمانات إقليميّة وأميركيّة متبادلة، تؤسّس لإخراج العراق من حالة الفراغ والتخبّط، والانتقال إلى مسار جدّيّ في بناء الدولة ومؤسّساتها وتوحيد قرارها.
