السويداء في الواجهة
وكان ملف السويداء قد عاد إلى الواجهة بقوة عقب تصريحات الهجري في 25 أغسطس/آب الماضي، التي قال فيها إن الموحدين الدروز “جزء لا يتجزأ من دولة إسرائيل”، وهو ما أثار اعتراضات من شخصيات ومرجعيات درزية في سورية ولبنان والأراضي المحتلة، كما فتحت الباب أمام تصعيد داخلي تمثل في التضييق على الأصوات المعارضة للهجري. وكان أبرز هذه التطورات قضية عاطف هنيدي، أحد وجهاء السويداء، الذي أصدر بياناً رفض فيه ربط الدروز بإسرائيل وانتقد احتكار الهجري تمثيل أبناء المحافظة. وبعد ذلك تحركت قوات “الحرس الوطني” في بلدة المجدل، وانتهى الأمر بخروج هنيدي إلى دمشق، فيما قدمت قيادة الحرس رواية مختلفة قالت فيها إنه غادر بناء على رغبته.
وائل علوان: الاستثمار الإسرائيلي في ملف السويداء قد لا يستمر بالشكل نفسه بعد الانتخابات الإسرائيلية
ويرى الباحث في مركز جسور وائل علوان في حديث مع “العربي الجديد” أن تحريك ملف السويداء ارتبط أساساً بتصريحات الهجري التي ربط فيها مصير المحافظة بإسرائيل. ووفق تقديره، حاول الهجري الاستثمار في الظرف السياسي الإسرائيلي قبل انتخابات الكنيست المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، أملاً في أن يدفع الرئيس الروحي للطائفة الدرزية في إسرائيل موفق طريف حكومة بنيامين نتنياهو إلى تقديم مكاسب للهجري. ويرى علوان أن الحكومة السورية قدمت، في المقابل، قدراً كافياً من المرونة للتعامل مع الملف، مع تمسكها بثوابت وطنية تعتبرها ضرورية للاستقرار. ويعتقد أن الضغوط الإسرائيلية وتصرفات الهجري لا تنسجم مع هدف تثبيت الاستقرار الداخلي السوري وهو هدف سوري أميركي إقليمي مشترك، مشيراً إلى وجود خريطة طريق دولية تقوم على السيادة السورية، إلى جانب ضمانات تحول من دون الإخلال بالتسوية. وبحسب علوان، فإن الاستثمار الإسرائيلي في ملف السويداء قد لا يستمر بالشكل نفسه بعد الانتخابات الإسرائيلية، فيما يعمل عامل الوقت لمصلحة الدولة السورية، خصوصاً مع وجود حاجة داخل المحافظة نفسها إلى حل وطني.
ويذهب الصحافي المتحدر من السويداء فؤاد عزام في الاتجاه نفسه، إذ يعتبر أن التصعيد الأخير فرض على الأطراف المعنية إعادة تأكيد خريطة الطريق السورية ـ الأميركية ـ الأردنية والدفع باتجاه تنفيذها، وهو ما ظهر في تصريحات المبعوث الأميركي توم برّاك، وكذلك في مواقف وزيري الخارجية السوري والأردني. ويضيف عزام في حديثٍ لـ”العربي الجديد” أن التصعيد بدأ مع منع الطلاب من التقدم إلى الامتحانات، وتسخين خطوط وقف إطلاق النار في الجهة الغربية، وتصريحات الهجري بشأن إسرائيل، وصولاً إلى قضية عاطف هنيدي. ويصف ذلك بأنه محاولة “للهروب إلى الأمام” في ظل تفاقم التداعيات الاجتماعية والمعيشية والأمنية داخل المحافظة، مشيراً إلى تململ الأهالي من الفلتان الأمني وتدهور الأوضاع، وصولاً إلى حركة نزوح باتجاه دمشق أو إلى خارج البلاد. وبحسب عزام، فإن خريطة الطريق تقدمت خطوات باتجاه التنفيذ، ولن يكون رفض الهجري لها بالضرورة قادراً على تعطيلها، في ظل وجود بدائل وطنية وتراجع الثقة به داخل جزء من المجتمع المحلي. كما يرى أن الموقف الإسرائيلي نفسه بدأ ينكفئ عن بعض العناوين التي استخدمها سابقاً، لافتاً إلى أن نتنياهو لم يكرر في تصريحاته الأخيرة خطاب “حماية الدروز”، فيما تحول الحديث الإسرائيلي عبر شخصيات درزية إلى ملف المساعدات، وهو ما قد يشير إلى استهلاك الورقة السياسية للسويداء.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة مع تكثيف الاتصالات الإقليمية، فقد بحث وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مع نظيره الأردني أيمن الصفدي، أول من أمس الأربعاء، مسار تنفيذ خريطة الطريق الثلاثية الخاصة بالسويداء، وذلك بعد يوم من إجراء الشيباني لقاءات في أنقرة مع وزير الخارجية التركي هاكان فيدان والمبعوث الأميركي إلى سورية والعراق توم برّاك، الثلاثاء الماضي. وكان برّاك قد أكد تمسك واشنطن بخريطة الطريق، معتبراً أنها السبيل الوحيد لحل أزمة السويداء، ودعا إلى الحوار والتفاهم والتعاون بين الدروز والعشائر والدول المجاورة، محذراً من أن البديل عن الحوار ليس النصر، وإنما جولة جديدة من الحداد. وتنصّ الخريطة على اعتبار السويداء جزءاً من سورية، واعتماد ترتيبات انتقالية تنتهي بإعادة دمج المحافظة في مؤسسات الدولة. كما تتضمن التحقيق في الانتهاكات، ومحاسبة المسؤولين، وإدخال المساعدات، وإعادة الخدمات، وتعويض المتضررين وإعمار المناطق المتضررة، وعودة النازحين، وإطلاق المحتجزين وكشف مصير المفقودين.
في الجانب الأمني، تقترح الخطة نشر قوات من وزارة الداخلية على طريق دمشق ـ السويداء، وسحب المقاتلين المدنيين من الحدود واستبدالهم بقوات شرطية نظامية، مع تشكيل شرطة محلية تضم مختلف مكونات المحافظة ويقودها شخص من أبنائها. كما تقترح تشكيل مجلس محافظة وإعادة تفعيل المؤسسات المدنية، وإطلاق مسار للمصالحة بين الدروز والعشائر، وإنهاء التدخل الخارجي، بالتوازي مع آلية سورية ـ أردنية ـ أميركية لمراقبة التنفيذ. غير أن العقدة الأساسية تبقى مسألة السلاح والقرار الأمني. ووجود قوة محلية مسلحة خارج البنية الرسمية يجعل الخلاف أكبر من مجرد مسألة صلاحيات إدارية، ويطرح السؤال حول الجهة التي تمتلك القرار النهائي في المحافظة.
فؤاد عزام: نتنياهو لم يكرر في تصريحاته الأخيرة خطاب “حماية الدروز”
في السياق، تبدو المقاربة الأميركية أقرب إلى صيغة تجمع بين الحفاظ على السيادة السورية ومنح المحافظة ترتيبات محلية واسعة، بدلاً من فرض عودة مباشرة إلى نموذج مركزي سابق. وهذا يفسر التشديد على الشرطة المحلية والمجلس المحلي والضمانات والمساءلة، بالتوازي مع رفض الانفصال أو استمرار مناطق النفوذ الخارجية. أما إقليمياً، فتتقاطع في السويداء حسابات إسرائيل وتركيا والولايات المتحدة. إسرائيل تنظر إلى الجنوب السوري من زاوية أمنية مرتبطة بمنع قيام دولة سورية قوية، بينما تدعم تركيا وحدة الأراضي السورية وقدرات مؤسسات الدولة. وتدفع واشنطن، وفق المعطيات الواردة، باتجاه تسوية تمنع انفجاراً جديداً في الجنوب، لا سيما أن استقرار سورية بات مرتبطاً بحسابات إقليمية أوسع تتعلق بالتجارة والطاقة وطرق النقل.
بين الانفصال والمحاسبة
في الداخل، تظهر مؤشرات على اتساع مساحة الاعتراض على مشروع ربط السويداء بإسرائيل، فقد أكد أكاديميون وناشطون من المحافظة وجود رفض لهذا التوجه، وإن كان الخوف من السلاح والعنف يحد من قدرة المعارضين على التعبير العلني. كما برزت دعوات إلى احتضان التيار الرافض للانفصال، وإلى اتخاذ دمشق إجراءات عملية لطمأنة أبناء المحافظة، وفي مقدمتها إعادة إعمار القرى المتضررة ومواصلة محاسبة المتورطين في الانتهاكات. وبذلك، يبدو السؤال المطروح هو كيف يمكن إعادة تركيب التوازن الداخلي في السويداء بما يسمح بتسوية قابلة للحياة. وإذا تمكنت دمشق وواشنطن من دعم قوى محلية قادرة على تمثيل مصالح المحافظة ضمن الدولة السورية، فقد يتراجع احتكار الهجري للقرار. أما إذا فشلت دمشق في تقديم ضمانات سياسية وأمنية ومجتمعية مقنعة، أو عادت إلى مقاربة أمنية خشنة، فقد تتجدد أسباب التوتر وتستفيد منها القوى الرافضة للتسوية.
وعليه، فإن التحرك الراهن يبدو أقرب إلى محاولة لوضع ملف السويداء مجدداً على سكة الحل، بالاستناد إلى تقاطع أميركي ـ أردني ـ تركي على ضرورة تثبيت الاستقرار، والإفادة من تنامي الاعتراض الداخلي على استمرار الوضع القائم. لكن نجاح المسار سيبقى مرتبطاً بقدرة الأطراف على معالجة أصل الأزمة: الجمع بين السيادة السورية، والعدالة والمساءلة، والضمانات المحلية، وضبط السلاح، ومنع التدخل الخارجي، بما يحول دون عودة المحافظة إلى دائرة العنف أو تحولها إلى منطقة نفوذ دائمة لأي طرف أجنبي.