إعداد: سناء عبد العزيز… ـ خاص…ضفة ثالثة
منذ انطلاقها عام 1999، استهدفت جائزة “بيلي غيفورد” تكريم الكتابة الواقعية (غير الخيالية) المتميزة، والاحتفاء بالأفكار والرؤى التي توسّع نظرتنا إلى العالم. وعلى امتداد مسيرتها، شملت الجائزة مجالات متنوعة من النثر الواقعي، من الشؤون الجارية والتاريخ والسياسة، إلى العلوم والرياضة والسفر والسير الذاتية والفنون.
في دورتها لعام 2026، أعلنت الجائزة في الثالث من أيلول/ سبتمبر الحالي قائمتها الطويلة المؤلفة من ثلاثة عشر كتابًا. وفي تغطيتها للحدث في صحيفة “الغارديان”، لاحظت الصحافية إيما لوفهاغن أن قوائم هذا العام “تمتد من السيرة والتاريخ القديم إلى التجسس والجريمة الحقيقية والتحقيقات الدولية”، وهو ما ينطبق فعلًا على تنوّع الترشيحات هذا العام؛ من سير تعيد اكتشاف شخصيات ثقافية طواها النسيان أو أسيء فهمها، إلى تحقيقات في جرائم غامضة وعمليات تجسس كادت تغيّر مجرى التاريخ، وصولًا إلى كتب تتتبع أثر الحروب في المدن والناس والذاكرة.
السيرة، موضوع رئيسي هذا العام
كما رصدت لوفهاغن في “الغارديان”، تحتل السيرة مساحة واسعة في قائمة هذا العام. ويأتي في مقدمتها “بالدوين: قصة حب” (Baldwin: A Love Story) لنيكولاس بوغز، الذي يستقصي فيه شبكة العلاقات العاطفية لأيقونة الأدب الأميركي الإفريقي جيمس بالدوين، معتمدًا على مادة أرشيفية غير منشورة سابقًا ومقابلات جديدة. ويُوصف الكتاب بأنه أول دراسة معمّقة عن بالدوين منذ ثلاثة عقود.
من الحياة الخاصة إلى الأسطورة التاريخية، يعيد المؤرخ البريطاني إدموند ريتشاردسون النظر في واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للجدل والخيال، في كتابه “الإسكندر: إله، ملك، إنسان”، مستندًا إلى أكثر من عقد من البحث في المصادر والاكتشافات التاريخية ليقترب من الإنسان الذي اختبأ خلف الأسطورة، بعيدًا عن صورة الفاتح الذي امتدت إمبراطوريته من مقدونيا إلى بابل.
أما ماثيو سويت، في كتابه “الديكتاتور العظيم: حياة باربرا كارتلاند” (The Great Dictator: A Life of Barbara Cartland)، فيموضع الروائية الرومانسية الشهيرة في قلب التحوّلات الاجتماعية والسياسية والجنسية التي اجتاحت القرن العشرين، كاشفًا شخصية عصامية خلف صورتها النمطية بوصفها كاتبة غزيرة الإنتاج ترتدي الوردي، بما في ذلك تناولها المبكر لمعاداة السامية والنازية في رواياتها الشعبية.
وكما أشارت “الغارديان”، تستكشف أندريا وولف في كتابها “المسافر” (The Traveller) سيرة عالم الطبيعة الألماني جورج فورستر، الذي “انضم في مراهقته إلى الرحلة الثانية للكابتن جيمس كوك حول العالم”، في سرد يجمع بين شغف الاكتشاف وقسوة الاستعمار في القرن الثامن عشر.
التجسس والجريمة الحقيقية
من زاوية الملفات السرية، يستعيد المؤرخ البريطاني بن ماكنتاير، في كتابه “ريدوود” (Redwood)، قصة فلاديمير كوزيتشكين، ضابط الاستخبارات السوفياتية الذي جنّدته الاستخبارات البريطانية (MI6) في طهران عام 1981، في أعقاب الثورة الإسلامية، ليكشف مخططًا سوفياتيًا لتنفيذ انقلاب ضد نظام الخميني كان يمكن أن يقود إلى مواجهة نووية مع الولايات المتحدة.
وكما وصفت لوفهاغن في “الغارديان”، يستعيد باتريك رادن كيف — الحائز على الجائزة نفسها عام 2021 عن “إمبراطورية الألم” — في كتابه “سقوط لندن” (London Falling)، قصة المراهق البريطاني زاك بريتلر، “الذي سقط من شقة لندنية فاخرة بعد أن انتحل هوية ابن أوليغارشي روسي ثري”، محوّلًا المأساة إلى تحقيق أوسع في الوجه الخفي للعاصمة البريطانية وملاذها للتدفقات المالية المشبوهة.
وفي السياق نفسه، يعيد الكاتب إدوارد تشيشولم، في كتابه “جريمة قتل في باريس 68” (Murder in Paris ’68)، فتح ملف “أحد أشهر فضائح السينما الفرنسية”، على حدّ تعبير “الغارديان”: مقتل ستيفان ماركوفيتش، الحارس الشخصي للنجم آلان ديلون، الذي عُثر على جثته قرب باريس عام 1968، في قضية تشابكت خيوطها مع أروقة السياسة الفرنسية حتى الرئيس جورج بومبيدو.
مدن تحت وطأة الحرب
كما لاحظت “الغارديان”، فإن “الصراعات المعاصرة تحضر بقوة” في قائمة هذا العام. تكتب شارلوت هيغينز، كبيرة كتّاب الثقافة في “الغارديان” نفسها، كتابها “دروس أوكرانية: الفن في زمن الحرب” (Ukrainian Lessons: Art in a Time of War)، مستندة إلى رحلات ميدانية متكررة إلى أوكرانيا لترصد قدرة الفن على الصمود في مواجهة محاولات محو الهوية.
وفي كتابه “أيام الحب والغضب”، يكتب الصحافي أناند غوبال، من مدينة منبج السورية “خلال الثورة”، موثّقًا قصص أشخاص عاديين ساهموا في مقاومة الديكتاتورية. وتعود الكاتبة النرويجية آسني سييرستاد، صاحبة “بائع كتب كابول”، في “لا تقل حربًا أبدًا”، إلى روسيا المعاصرة لترصد تأثير الحرب في الحياة اليومية والوعي السياسي للمجتمع الروسي. أما إيان بورما، في “ابقَ على قيد الحياة: برلين، 1939-1945″، فيرصد كيف تدبّر البرلينيون العاديون العيش تحت الحكم النازي.
تكتمل هذه المجموعة، بكتاب جين روجوسكا “فندق المنفى” (Hotel Exile: Paris in the Shadow of War)، الذي يروي كيف تحوّل فندق لوتيتيا في باريس من ملتقى للفنانين والناشطين الذين فرّوا من الأنظمة الشمولية في أوروبا، إلى مقر لجهاز الاستخبارات العسكرية الألمانية “الأبفير” إبّان الاحتلال النازي.
لجنة التحكيم وموعد الفوز
وبحسب بيان الجائزة الرسمي، رأت كيرستي لانغ، رئيسة لجنة التحكيم، أن رئاستها “شبيهة بالانضمام إلى مجموعة قراءة مطلعة وذات آراء قوية”، مضيفة أن اختزال مئات الكتب إلى ثلاثة عشر عنوانًا “أفضى إلى نقاشات صريحة” انتهت بقائمة قالت إنها “فخورة جدًا” بها.
وتضم لجنة التحكيم، إلى جانب لانغ، بيا كارفاليو، رئيسة قسم الكتب في سلسلة مكتبات “ووترستونز”، والكاتبة والمؤرخة الثقافية تيفاني جينكينز، والمحرر الأدبي في مجلة “سبيكتاتور” سام ليث، والمحرر والمراسل رافي ماتو، والروائية العالمية إليف شافاك.
وتتقلص القائمة الطويلة في الأول من تشرين الأول/ أكتوبر إلى ستة عناوين تتنافس على الجائزة البالغة 50 ألف جنيه إسترليني، قبل الإعلان عن الفائز في الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر.