دمشق- أعادت تصريحات المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم براك ملف السويداء إلى واجهة المشهد السوري، لكن من زاوية تتجاوز الدعوة إلى وقف التصعيد. فبراك ربط معالجة الأزمة في المحافظة بعودة الحوكمة وملء الفراغ الذي يسمح للجماعات المسلحة بفرض نفوذها، داعياً إلى الحوار والتعاون بين الأطراف المحلية والدول المجاورة.
وتحمل هذه المقاربة دلالة سياسية واضحة: واشنطن لا تبدو راغبة في أن تتحول السويداء إلى منطقة ذات وضع أمني وسياسي دائم خارج الدولة السورية، حتى مع إقرارها بالحاجة إلى حماية حقوق الدروز وضمان أمنهم.
وبذلك تضع الولايات المتحدة معادلة دقيقة أمام الأطراف السورية: لا عودة إلى الفوضى الأمنية، ولا تكريس لواقع «دولة داخل الدولة».
أهمية تصريحات براك تكمن في أنه لم يتعامل مع السويداء باعتبارها أزمة أمنية منفصلة، وإنما ربطها بمشكلة أوسع هي غياب مؤسسات الحكم القادرة على فرض القانون وحماية السكان.
◄ إذا نجحت دمشق وواشنطن والقوى المحلية في التوصل إلى صيغة تحفظ وحدة الدولة فقد تصبح التجربة نموذجاً لكيفية إدارة التنوع في سوريا الجديدة
وقال براك إن غياب الحكم والحوكمة يترك فراغاً تملؤه الجماعات المسلحة، في إشارة إلى التوترات الداخلية والاشتباكات التي شهدتها المحافظة.
وهذه النقطة تنقل النقاش من سؤال «من يسيطر على السويداء؟» إلى سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن إعادة المحافظة إلى إطار الدولة من دون إعادة إنتاج أسباب الصدام التي دفعت سكانها وقواها المحلية إلى الاعتماد على تشكيلات مسلحة؟
فالعودة إلى مؤسسات الدولة لا يمكن أن تقوم فقط على انتشار أمني أو عسكري، كما أن استمرار القوى المحلية في إدارة الأمن بصورة مستقلة يهدد بتحويل الوضع المؤقت إلى واقع دائم.
ومن هنا يبدو أن واشنطن تبحث عن صيغة وسط: إعادة بناء سلطة الدولة، ولكن ضمن ترتيبات تضمن للسكان المحليين الأمن والحقوق وعدم تعرضهم للانتقام أو التهميش.
من أكثر الملفات حساسية في السويداء مسألة العلاقة بين حماية الطائفة الدرزية والحفاظ على وحدة الدولة السورية.
فالخوف من تكرار العنف والانتهاكات دفع قطاعات محلية إلى التشبث بقوات أمنية وعسكرية محلية، فيما ترى دمشق أن استمرار هذه التشكيلات خارج مؤسسات الدولة يمثل تحدياً لسيادتها.
وتحاول واشنطن، وفق تصريحات براك، الإمساك بالطرفين في الوقت نفسه. فهي لا تقول إن حقوق الدروز يمكن تجاهلها لصالح عودة السلطة المركزية، لكنها أيضاً لا تبدو مستعدة لمنح هذه الخصوصية غطاءً يؤدي إلى قيام كيان مستقل فعلياً.
وهنا تكمن صعوبة المهمة: كيف تحصل السويداء على ضمانات أمنية وسياسية كافية من دون أن تتحول هذه الضمانات إلى ترتيبات انفصالية أو حكم محلي مسلح؟
إنها معادلة تحتاج إلى أكثر من اتفاق أمني؛ تحتاج إلى تفاهم سياسي حول شكل العلاقة بين المحافظة والدولة.
تصريحات براك تنقل النقاش من سؤال “من يسيطر على السويداء؟” إلى سؤال أكثر أهمية: كيف يمكن إعادة المحافظة إلى إطار الدولة
أعاد براك أيضاً التذكير بخارطة الطريق الثلاثية التي شاركت فيها الولايات المتحدة وسوريا والأردن لمعالجة وضع السويداء، باعتبارها إطاراً يمكن البناء عليه.
وتكتسب هذه الإشارة أهمية في ظل استمرار الحاجة إلى ترتيبات تنهي حالة التوتر وتسمح بعودة النازحين وإعادة الإعمار وتعزيز الأمن.
فالخطة الأميركية لا تبدو قائمة على فرض حل سريع من الخارج، وإنما على إنتاج تسوية تدريجية يمكن أن تجمع بين المصالح المحلية ومتطلبات الدولة السورية.
فالقوى المحلية في السويداء تريد ضمانات تمنع تكرار الانتهاكات، بينما تريد دمشق استعادة سلطتها على كامل الأراضي السورية. وبين المطلبين توجد مساحة واسعة من الشكوك المتبادلة.
وهذه المساحة هي التي تحاول واشنطن التحرك داخلها. ولا يمكن فصل الموقف الأميركي عن الدور الإسرائيلي في جنوب سوريا.
فإسرائيل تنظر إلى الجنوب السوري باعتباره منطقة ذات أهمية أمنية مباشرة، وقد نفذت خلال الفترة الماضية عمليات عسكرية وتوغلات في مناطق من القنيطرة ودرعا، فيما تؤكد أن تحركاتها مرتبطة بمنع تهديدات قريبة من حدودها.
فكلما طال الفراغ الأمني، أصبح الجنوب أكثر عرضة لتعدد القوى المؤثرة فيه، سواء كانت محلية أو سورية أو إسرائيلية أو إقليمية.
ولهذا فإن إعادة بناء سلطة الدولة في الجنوب لا ترتبط فقط بعلاقة السويداء بدمشق، وإنما أيضاً بمنع تحول المحافظة إلى مساحة مفتوحة للتنافس الإقليمي.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم أهمية حديث براك عن التعاون بين الدروز والعشائر العربية والدول المجاورة، وعن الحاجة إلى الأمن والحوار والمساءلة.
لكن السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت الولايات المتحدة تملك الأدوات الكافية لتحويل هذه الرؤية إلى تسوية فعلية.
فواشنطن تستطيع الضغط سياسياً على دمشق وعلى القوى المحلية، كما تستطيع التأثير في مواقف دول الجوار، لكنها لا تستطيع وحدها فرض صيغة نهائية على السويداء.
وتحتاج أي تسوية إلى قبول محلي، وإلى قدرة دمشق على تقديم ضمانات حقيقية، وإلى تفاهم مع الأردن، وإلى معالجة المخاوف الإسرائيلية.
كما أن استمرار السلاح خارج مؤسسات الدولة سيجعل أي اتفاق هشاً، بينما قد يؤدي الضغط السريع باتجاه إعادة انتشار القوات الحكومية إلى تجدد التوتر.
ولهذا فإن السيناريو الأكثر واقعية قد يكون مساراً تدريجياً يبدأ بتثبيت الهدوء، ثم إطلاق ترتيبات أمنية محلية، ثم إعادة بناء المؤسسات، وصولاً إلى دمج المحافظة بصورة أكبر في مؤسسات الدولة.
◄ أهمية تصريحات براك تكمن في أنه ربط أزمة السويداء بمشكلة غياب مؤسسات الحكم القادرة على فرض القانون وحماية السكان
وما يحدث في السويداء يتجاوز حدود المحافظة.
فإذا نجحت دمشق وواشنطن والقوى المحلية في التوصل إلى صيغة تحفظ وحدة الدولة وحقوق السكان في الوقت نفسه، فقد تصبح التجربة نموذجاً لكيفية إدارة التنوع في سوريا الجديدة.
أما إذا فشل المسار، فقد تتحول السويداء إلى سابقة تشجع مناطق أخرى على بناء ترتيبات أمنية وسياسية مستقلة، الأمر الذي يعيد إنتاج مشكلة تفكك السلطة التي تحاول دمشق تجاوزها.
وهنا تحديداً تبدو أهمية الموقف الأميركي.
فواشنطن لا تريد على ما يبدو عودة سوريا إلى دولة مركزية مغلقة كما كانت في عهد بشار الأسد، لكنها في الوقت نفسه لا تريد سوريا مقسمة إلى مناطق نفوذ محلية متنافسة.
وبين النموذجين تحاول الدفع نحو صيغة ثالثة: دولة واحدة، مع ضمانات وحقوق وخصوصيات محلية، من دون أن تتحول الخصوصية إلى سيادة مستقلة.
ومن ثم فإن تصريحات براك بشأن السويداء تحمل رسالة تتجاوز المحافظة نفسها: نجاح الدولة السورية الجديدة لن يقاس فقط بقدرتها على بسط السيطرة، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات تحظى بالقبول وتمنع الفراغ، وتحمي الأقليات من دون تحويل الحماية إلى ذريعة لتقسيم البلاد.
وهذا هو الاختبار الحقيقي للسويداء: هل تستطيع أن تحصل على ضمانات تحمي خصوصيتها، من دون أن تصبح دولة داخل الدولة؟