هنا حلقة رابعة وأخيرة من كتاب “غازي كنعان صانع دولة الدمى” لكاتبه نقولا ناصيف، يتناول الحصانة التي امتلكها رئيس فرع الأمن والإستطلاع غازي كنعان والتي مكّنته من انتزاع اعتراف أقرب رجال النظام وأقواهم أن من المعذر الإستغناء عن دوره.
الكتاب يصدر غداً يوم الإثنين 12 تشرين الأول عن دار النهار للنشر. مساء اليوم نفسه ندوة عنه في بيت المحامي يتحدث فيها نقيب المحامين في بيروت عماد مرتينوس والوزير السابق النائب مروان حمادة والنائب السابق فارس سعيد والناشر القاضي زياد شبيب، يليها توقيع.
البديل الطبيعي لـ”هذا الأزعر”
وصل إلى رئيس فرع الأمن والإستطلاع موقف سلبي من محمد ناصيف خير بك “أبو وائل” في معرض إبداء إستيائه منه، أسرَّ به إلى نائب رئيس فرع الأمن والاستطلاع عدنان بلّول: “ألم يحن الأوان كي تحلّ محله؟”.
العبارة المكمّلة لانتقاد تصرّفات غازي كنعان بلسان محمد ناصيف خير بك: “نحن واللبنانيون لسنا شعباً واحداً. نحن جماعة نذلّهم في ما نفعل في لبنان. رحنا إليهم لنذلّهم”.
جواب عدنان بلّول في المحادثة هذه في دمشق قد سُرِّبت إلى عنجر: “إذا كنتَ مقتنعاً بهذا الكلام، قلهْ للختيار”.
صفة مصطلح عليها بين قلّة من بعض الضبّاط العلويين الكبار في النظام في الحديث عن حافظ الأسد من دون تسميته.
قال محمد ناصيف خير بك: “إذا كان المطلوب منا ذلّ اللبنانيين، فنحن نقوم بواجبنا على نحو صحيح. وإذا كنا كما يقولون إخوة وشعب واحد، فليس هذا ما يحصل”.
عبارة مشابهة في استنتاجها ستتكرّر على مسمع الرجل الثاني في فرع الأمن والإستطلاع في مناسبة متباعدة عن تلك، بيد أنها تعزّز شهيّة التخلّص من غازي كنعان.
تلقّى عدنان بلّول، في غياب رئيسه في إجازته الدورية في مسقطه وقد حلّ محله، من الياس هراوي مكالمة هاتفية يدعوه إليه. المعتاد تبعاً للتعليمات، أن يُعلم شعبة المخابرات العسكرية في دمشق باستدعاء الرئيس اللبناني له وإخطارها السبب ثم نتائج الاجتماع. بوصوله إلى عنده دعاه إلى الغداء في حضور المدير العام للأمن العام ريمون روفايل وزوجة الرئيس منى هراوي.
بالكاد جَلَسوا، سأله الياس هراوي: “متى ستترقّى؟”.
ردَّ عدنان بلّول: “الموضوع في يد قيادتي. لِمَ السؤال؟”.
أجاب في إشارة صريحة إلى غازي كنعان: “حتى تصير محله”.
قال: “فخامة الرئيس أتمنّى عليك أن لا تحكي في هذا الموضوع لأنه قرار القيادة التي تأمر مَن يأتي ومَن لا يأتي. لن أتحدّث فيه لأنه لا يعنيني. لأنني أخبرت الشعبة أنني أتيت إليك بدعوة كريمة منك، فطلبوا مني الوقوف على خاطرك، أنا مضطر إلى أن أخبرهم عن الزيارة دونما التطرّق إلى ما تحدّثنا فيه”.
ذاك ما فعله لدى قيادته، بأن عزا المقابلة إلى رغبة الياس هراوي في إجراء تعارف بينه وضبّاط في الأمن العام اللبناني وتلبية دعوته إلى الغداء.
مرّتان أخريان سيختبر عدنان بلّول القوة الخفيّة المعطاة إلى غازي كنعان في لبنان، لا أن يحتفظ بمنصبه فيه فحسب، بل أن يبدو غير مستغنى عنه وضرورة حتميّة للنظام يحظى بغطاء غير مشروط من الرئيس السوري.
أول الإختباريْن أن قصد رئيس شعبة المخابرات العسكرية علي دوبا في دمشق قائلاً: “أنا لا أحبّ لبنان”.
إستفسر باستغراب، فردَّ: “لا أحبّ العمل فيه، ولا أرتاح إلى وجودي هناك”.
سأل: “هل ثمّة مشكلة بينك وغازي؟”.
أجاب: “المكان الذي أشعر بأن لا وجود لي، لا أحبّ الاستمرار فيه. غازي موجود هناك ولا علاقة معه. هو يفضّل ذلك. يريد أن يكون وحده. دعوه بمفرده. أريد المغادرة. أينما تقترح في الجيش السوري أذهب”.
ردَّ: “ليس على كيْفك. كما يأمرك تعمل”.
قال: “هو عميد وأنا عميد. أنا أعمل في رتبة عميد”.
ردَّ علي دوبا موصداً باب المناقشة: “هو المسؤول. خلصْ”.
ومزَّق بين يديه ورقة طلب نقل حملها إليه عدنان بلّول.
الإختبار الثاني لمس من خلاله أهمّية الدور المعزو إلى غازي كنعان، كما إلى الرجل بالذات، مساء اليوم نفسه.
قصد حكمت الشهابي في منزله بلا موعد مسبق. تجمعهما صداقة قديمة كونهما حلبييْن.
أعاد على رئيس الأركان الجملة نفسها: “أنا غير مرتاح”.
سأله، فأجاب: “لا أريد البقاء في لبنان”.
ردَّ: “إشربْ قهوتك بلا نرفزة. لم نرسلك إلى لبنان كي تأتي إليّ بطلب كهذا. لا تكرّره”.
هدّأه قبل أن يضيف: “متى حدث معك أمر أو مشكلة لا تُقدِّم أي طلب أو ورقة سواء إليّ أو سواي في البيت أو الفرع، ولا تحكي مع أحد. إركبْ سيارتك وتعال إليّ. تحتاج إلى ثلاثة أرباع الساعة كي تصير عندي”.
قال عدنان بلّول: “تقصد متى أصل إلى هنا تكون انتهت النرفزة وخلصنا”.
ردَّ حكمت الشهابي: “وهو كذلك”.
قال: “لن آتي”.
عقَّب رئيس الأركان: “أنت البديل الطبيعي من هذا الأزعر”.
حصانة كنعان تصطدم بوريث الأسد
بعدما باغته نعت غازي كنعان بصفة مهينة كهذه لم يحسب يوماً أن ترد على لسان مسؤول كبير في النظام في منزلة حكمت الشهابي كان عرّاب وجوده في لبنان، قال: “ما دمتم تعرفونه على هذه الصورة…”.
قاطعه: “لا تسأل أي سؤال، ولا أحد سيجيبك عن هذا السؤال. إنتظرْ واصبرْ وتحمَّلْ. أنت البديل الطبيعي. نحن نعرف ماذا يحدث في لبنان بالتفصيل، ونعرف وضعك هناك”.
على نحو علي دوبا قدَّم له حكمت الشهابي الجواب الغامض الملتبس. حصانة غازي كنعان تتجاوزهما، يستمدّها من حافظ الأسد، ما دلَّ على أنه لا يزال يحتفظ بثقته وموافقته على كل ما يفعل، بما في ذلك ما لا يأمر به الرئيس أو يعرفه.
بانتخاب بشّار الأسد رئيساً للجمهورية عام 2000، لمس غازي كنعان تحوّلاً سيُشعِره بأنه كسب جولته
ما لم يَخفَ أمام عدنان بلّول، استخلاصه أن غازي كنعان وصل إلى مرحلة مكّنته من تجاوز رؤسائه جميعهم بمَن فيهم حكمت الشهابي وعلي دوبا. اتصاله بالرئيس مباشر في أي وقت، يكتب إليه دونما المرور بالتسلسل الهرمي كما لو أن لا رئيس له سوى حافظ الأسد. تقاريره على مكتبه، فيما المألوف في رؤساء فروع الأمن في المحافظات السورية أن تحال التقارير إلى رئيس شعبة المخابرات العسكرية الذي يقرأها ومعاونوه، ويُلَخَّص المهمّ فيها المُرسل إلى “المعلم”، الثامنة صباح كل يوم.
بانتخاب بشّار الأسد رئيساً للجمهورية عام 2000، لمس غازي كنعان تحوّلاً سيُشعِره بأنه كسب جولته، ما أن أسرَّ إلى عدنان بلّول أنه يَعدُّ نفسه أحد أعمدة الحكم الجديد وأركانه و”لن أقبل بأن أكون موظفاً فيه”، رغم تيقّن نائبه من معلومات بلغت إليه أن الرئيس مرَّر ستة أشهر قبل أن يستقبله. الإستنتاج الطبيعي لنائبه ـ هو الذي لا يعرف بشّار الأسد ـ معطوفاً على الصلة الوثيقة المفترض أنها تجمع رئيس فرع الأمن والإستطلاع بالرئيس الابن بعد الثقة التي محضه إيّاها الأب، أنه سيقضي ضحيّة انتقام رئيسه في لبنان منه. أراد غازي كنعان الإيحاء له أنه ليس ضابطاً عادياً غير ذي أهمّية وشأن، تاركاً أثراً في الرئيس خلّفته السنوات الخمس المنصرمة حينما كان يحضر إلى لبنان وهو بعد في رتبة عقيد، ليس إلا ابن الرئيس، يجول به على المسؤولين ويعرّفه على السياسيين اللبنانيين، كما هؤلاء عليه. وجد فيه بشّار الأسد حينذاك ما كان يفتقر هو إليه: الإلمام الواسع بكل ما يجري في هذا البلد، وشبكة علاقات سياسية متشعّبة.
أولى محاولات تضييقه الخناق على نائبه في العهد الجديد عام 2000 (…).
ما لم يُستجب طوال عقد التسعينات طلبه مغادرة منصبه في لبنان، جاء إلى عدنان بلّول هذه المرّة من حيث رُفض. أعلمته شعبة المخابرات العسكرية ببرقية تلزمه الإلتحاق بها في دمشق. كان من المفترض بالطريقة نفسها لدى تعيينه بمرسوم أصدره الرئيس، أن يُقصى بمرسوم معاكس. ذلك لم يحصل بالإكتفاء ببرقية مصدرها رئيس شعبة المخابرات العسكرية، وكان أضحى فيها حسن خليل خلفاً لرئيسها التاريخي علي دوبا طوال 26 عاماً.
ما أن خابره، ردَّ حسن خليل: “ألم تلتحق بعد؟”.
قال: “لا أزال حيث أنا ولن ألتحق الآن”.
ذكّره بأمر التحاقه، فردَّ بانفعال: “ألمْ تنتبهوا بعد إلى أن هذا الرجل أساء إلى الدولة السورية والدولة اللبنانية وإلى الطائفة حتى”.
قال: “ليس موضوعنا الآن كي نحكي فيه”.
ختم عدنان بلّول المكالمة: “سألتحق ما أن أنتهي من عملي اليوم”.
بعودته إلى دمشق مغادراً لبنان أخيراً عام 2001، عُيِّن مُدرِّباً في مدرسة المخابرات، فلم يلتحق ولبث في منزله في يعفور ستة أشهر، طالباً في الوقت نفسه تسريحه من الجيش. رفض حسن خليل مقترحاً وظيفة أخرى، فكرَّر الإمتناع نفسه. خابره رئيس فرع فلسطين مصطفى التاجر داعياً إيّاه إلى الإنضمام إلى فرعه. مكث فيه بضعة أشهر قبل تبلّغه موافقة رئيس شعبة المخابرات العسكرية، بعد تكرار، على تسريحه.
بعيد تركه الجيش دعاه محمد ناصيف خير بك إلى عشاء في منزله كي ينتحي به يسأله: “لِمَ لا تزال هنا؟”.
استفسر، فأجابه: “أنت هنا لا أستطيع الدفاع عنك. أفضل لي أن أفعل وأنت في الخارج”.
كانت الإشارة كافية إلى استمرار تعقّب غازي كنعان وضغوطه وتأليب القيادة عليه. لحظتذاك اتخذ قراره مغادرة البلاد. وحده محمد ناصيف خير بك كان على علم بذلك.
العودة تكشف أسئلة القصر
في الغداة وجد نفسه أمام خيارات مختلفة في الطريق الواجبة للفرار سرّاً، تساقط معظمها إلا واحداً: لا لبنان، ولا الأردن، ولا حتماً إسرائيل. وحدها تركيا أفضل الحلول وأكثرها أماناً ما أن حدَّد له محمد ناصيف خير بك طرقاً لا دوريات أمنية سورية عليها عند الحدود السورية ـ التركية نهاية عام 2001. من الداخل التركي سافر إلى كازاخستان ومنها إلى هولندا فبلجيكا كي يستقرّ أخيراً في عاصمتها بمساعدة صديق لبناني له.
مذ غادرها عام 2001 لم يزر دمشق إلى أن تبلّغ مرض والدته عام 2008.
عامذاك كانت المرّة الأولى يجتمع عدنان بلّول ببشّار الأسد بعدما أصدر عنه عفواً خاصاً يتيح عودته آمناً، فلا يُعتقل. تخوّفه المسبق من سجنه لفراره من البلاد قبل سبع سنوات، حمله من بروكسل حيث إقامته على طلب وساطة محمد ناصيف خير بك كي يعود إلى دمشق ويتاح له لقاء والدته المحتضرة.
أخفق المسعى، فهَاتفَ الصهر آصف شوكت متيحاً له عودته واستقراره موقتاً في فندق “شيراتون” في العاصمة.
ذلك اليوم بعد تشعُّب أحاديثهما، سأله بشّار الأسد عن غازي كنعان، وكانت انقضت ثلاث سنوات على إعلان انتحاره: “ماذا تعرف عنه؟”.
أجاب عدنان بلّول: “سيّدي أنت أصدرتَ أخيراً عفواً”.
قال: “صحيح”.
ردَّ: “ذلك الموضوع أنهيته، ولا أريد الدخول إلى بيوت الناس ولا العودة إلى فتح أبواب الماضي”.
سأل: “هل تعرف عنه شيئاً؟”.
أجاب: “أعرف عنه كل شيء”.
سأله: “لماذا لم تعرفني من زمان؟”.
أجاب: “مَن كان يجرؤ؟”.
سأل: “إلى هذه الدرجة؟”.
أجاب: “أكيد”.
سأل: “لماذا؟”.
أجاب: “لأنك سيّدي سلّمت السلطة إلى الذين يذلّون الآخرين. المحيطون بك بينهم جيّدون، لكنهم بينهم من يُسيء إليك وإلى الدولة”.
سأل: “مَن؟”.
أجاب: “إسأل آصف. يعرفهم جيّداً. هل يُعقل أن يضرب غازي ضابطاً لبنانياً بحذائه؟”.
بعدما باغته نعت غازي كنعان بصفة مهينة كهذه لم يحسب يوماً أن ترد على لسان مسؤول كبير في النظام في منزلة حكمت الشهابي كان عرّاب وجوده في لبنان
كانت تلك إشارة ضمنية إلى ما شهده عدنان بلّول بنفسه باعتداء غازي كنعان في مكتبه في عنجر على ضابطين لبنانيين.
قال بشّار الأسد: “هل كان وراء ذلك كله؟ إروِ لي ماذا كان يفعل في لبنان في الماضي؟”.
ردَّ: “إعفني سيّدي من هذا السؤال لسبب واحد أن الرجل لم يعد موجوداً. كنت أتمنّى لو أنه هنا بيننا كي يكذِّب ما أعرفه عنه. أنا لا أجرؤ على الأموات”.
سأل كما لو أنه لا يملك الجواب: “لماذا فعل بنفسه ذلك؟”.
لم يردّ فعقَّب الرئيس السوري: “أنتظر جوابك. لم أسمع”.
قال عدنان بلّول: “سيّدي، سيادتك رئيس الجمهورية. أنا لم أكن حاضراً. إكبسْ الجرس تعلمك الأجهزة الأمنية بكل ما تطلبون”.
تطابَقَ سؤال بشّار الأسد مع ما كان سمعه عدنان بلّول من آصف شوكت ما أن التقيا بوصوله إلى دمشق.
سأله رئيس شعبة المخابرات العسكرية عندما قادهما الحديث إلى الكلام عن غازي كنعان: “ماذا يقول الناس؟”.
أجاب: “يقولون إنك أنت قتلتَه”.
سأل مجدَّداً: “هل تصدّق أنني أفعل؟”.
ردَّ: “سألتني فأجبت بما يقوله الناس”.
