هل تعطّل مشروع الحلم الذي تبنّاه وليّ العهد السعوديّ الأمير محمّد بن سلمان لبلاده في الداخل والمنطقة والعالم؟ وما هي التحدّيات والعقبات التي يواجهها الرجل الطامح إلى تحويل بلاده إلى قوّة إقليميّة عظمى وترسيخ قبضة حكمه على هذه المرحلة؟
اضطرابات إقليميّة ودوليّة دفعت بن سلمان، تحت الضغط، لفرملة إطلاق صواريخ أحلامه في جعل بلاده الدولة النموذج في مجلس التعاون، وجعل الشرق الأوسط أوروبا الجديدة، وجعل ولاية حكمه ذات سمات عابرة لسنوات حكم المؤسّس عبد العزيز وأبنائه سعود وفيصل وخالد وفهد وعبد الله.
منذ أن أصبح وليّاً للعهد في 21 حزيران 2017، أثبت الأمير محمّد أنّه حالة استثنائيّة في معايير القوّة داخل النظام السعوديّ، حيث تركّزت كلّ أدوات السلطة ومراكز القوّة في يده وحده.
الأمير محمّد بن سلمان هو وليّ العهد، وهو رئيس مجلس الوزراء، يرأس جلسات المجلس إلّا إذا رأسَها الملك سلمان، وهو صاحب الكلمة القويّة في الديوان الملكيّ، والمسؤول الأوّل في شؤون الأمن الداخليّ والدفاع والتسليح، وهو المشرف العامّ على مشروعات التنمية الكبرى واللجان الاقتصاديّة.
علاقة الرياض بالمنطقة وبزعاماتها لها مرجعيّة أساسيّة هي الأمير محمّد. وملفّ العلاقات مع واشنطن ولندن وباريس وبرلين وموسكو وبكّين وأنقرة وكراتشي تُدار تحت إشرافه المباشر مع الديوان ووزارة الخارجيّة. يتمّ التنسيق معه في نشاط الاستخبارات العامّة والأمن الداخليّ، وكذلك في شؤون العائلة المالكة المتّصلة بالمناصب والإعفاءات.
شخصيّة استثنائيّة
إذاً هو شخصيّة استثنائيّة في تاريخ السلطة السعوديّة، غير مسبوقة في حجم القوى الممنوحة لها. ففي العهود السابقة كانت دائماً هناك أجنحة وتيّارات قوى داخل مراكز السلطة في العائلة المالكة. كان هناك سعود وفهد وخالد وسلطان ونايف وفيصل وعبدالله وسلمان ومشعل وطلال ونوّاف وتركي وأحمد ومقرن. كانت لهؤلاء توازنات واعتبار مهمّ في اتّخاذ القرارات الكبرى التي تتعلّق بالبلاد.
يُعرف عن الأمير سلمان أنّه “أمير الحزم”، وحينما أصبح ملكاً أراد أن ينقل “حكم الحزم” إلى عهده الملكيّ
الآن استقرّ الحكم والسلطة بشكل واضح لا يقبل التأويل للملك سلمان بن عبد العزيز. فهو من أكثر القوى المتمرّسة في الحكم منذ أن أصبح أميراً لإمارة الرياض في العام 1951. حاكم الرياض هو الأمين العامّ لشؤون العائلة والمسؤول الأوّل عن عاصمة آل سعود في كلّ شؤونها.
في تاريخ الدولة السعوديّة الحديثة، يتّفق المحلّلون على أنّ سلمان بن عبد العزيز هو أفضل وأبرع وأهمّ من أدار شؤون هذا المنصب، واكتسب خلال نصف قرن خبرات وقدرات غير مسبوقة.
يُعرف عن الأمير سلمان أنّه “أمير الحزم”، وحينما أصبح ملكاً أراد أن ينقل “حكم الحزم” الذي لا يعرف مجاملات ولا خواطر على حساب شؤون الحكم إلى عهده الملكيّ.
بناء على سمات عهد سلمان بن عبد العزيز، سابع ملوك السعوديّة، اختار وليّ عهده الشابّ الاقتداء بسياسة “الحزم والقوّة”، وأضاف إليها صبغة حلم التحديث. قد لا يعرف البعض أنّ الأمير سلمان بن عبد العزيز هو صاحب الفضل الأوّل ومهندس التحديث والتطوير للعاصمة السعوديّة، بدءاً من أصغر الأزقّة القديمة في مدينة الدرعيّة القديمة إلى مسارات “الهاي واي” والشوارع الكبرى الدائريّة ومدن الإسكان والجامعات والمستشفيات العامّة وشارع الصحافة وصولاً إلى منطقة شرق الرياض الحديثة ومطار الرياض الدوليّ.
هذان الميراث والتأثير صبغا فكر وسلوك وليّ العهد السعوديّ. يقول أحد المقرّبين إنّ وليّ العهد السعوديّ ينطلق من حلم عابر لما هو تقليديّ أو معتاد، بمعنى أنّه يريد أن تكون بلاده الأولى، المتميّزة في كلّ مجال، لذلك لا يقتنع أبداً بأن تكون بلاده الثانية في أيّ مجال.
عوامل تؤكّد حكم وليّ العهد
أمّا العوامل التي تؤكّد حكم وليّ العهد السعوديّ فهي كثيرة، مثل:
1- حرب اليمن ودور الحوثيّين.
2- الدور الإيرانيّ في المنطقة وتحريك الحوثيّ و”الحشد الشعبيّ” و”الحزب”، وقبل ذلك نظام بشّار الأسد، ضدّ المصالح السعوديّة.
3- التطرّف الدينيّ من القاعدة إلى “الإخوان المسلمين” إلى داعش إلى التطرّف الشيعيّ الذي يعتبر الرياض كعبة مضادّة له.
4- التنافس على الأدوار والمصالح في مجلس التعاون و”أوبك”.
يؤكّد مصدر عربيّ مطّلع أنّ دول الخليج جميعها تدفع فاتورة حرب لم تقرّرها، ولم تبدأ بها، ولم تموّلها، ولم تسعَ إليها، بل حاولت بكلّ ما لها من اتّصالات، خاصّة مع واشنطن، أن تمنعها أو تقنع الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بالعدول عنها. ويقول: “نحن ندفع في الخليج فاتورة قيام رئيس الوزراء الإسرائيليّ بنيامين نتنياهو بتوريط الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب في هذه الحرب، وإقناعه بضرورة القيام بها. الإسرائيليّ أقنع الأميركيّ بالضربة وبأنّ اغتيال المرشد الأعلى سيؤدّي فوراً إلى سقوط النظام الإيرانيّ”.
يضيف المصدر: “الإسرائيليّ أقنع الأميركيّ باغتيال المرشد الإيرانيّ، فكان الردّ الإيرانيّ على دول الخليج أكثر من الردّ على المحرّض الإسرائيليّ. كانت فاتورة الخليج العربيّ باهظة وكانت السعوديّة من أكثر دول المنطقة دفعاً لثمن الردّ الإيرانيّ، بالرغم من وجود اتّفاق إيرانيّ سعوديّ ملزم بالتعاون وعدم الاعتداء، تمّ توقيعه في بكّين.
أثمان السّعوديّة
ما هو حجم الثمن الذي دفعته؟ وما الذي ستدفعه السعوديّة؟
عسكريّاً وأمنيّاً، تعرّضت السعوديّة لأكثر من 1062 هجمة، وسقط عليها أكثر من 104 صواريخ باليستيّة، وهوجمت بـ916 طائرة مسيّرة و7 صواريخ كروز (هذه الأرقام لم تتضمّن الأسبوعين الأخيرين). حسب تقرير وزارة الدفاع السعوديّة تمّ اعتراض 761 مسيّرة و51 صاروخاً باليستيّاً و7 صواريخ كروز، معظمها على مدن الرياض والمنطقة الشرقيّة والخرج.
جاء تدخُّل عمليّات الحوثيّ ضدّ السعوديّة بشكل تصعيد إضافيّ، فحدثت عمليّات ضدّ قاعدة خميس مشيط وفي نجران وأبها وجيزان. ورُفع منسوب التصعيد الحوثيّ في اختيار أهداف استراتيجيّة، مثل مصافي ومخازن شركة أرامكو وخطوط الكهرباء المغذّية للحرم النبويّ الشريف وإرسال مسيّرات باتجاه مكّة المكرّمة.
باختصار شديد، تجاوزت العمليّات الإيرانيّة والحوثيّة ضدّ المملكة 6 آلاف هجمة و95 ألف قذيفة برّيّة.
التّأثيرات السّلبيّة على السّعوديّة
من هنا يمكن ذكر ثلاثة تأثيرات سلبيّة على السعوديّة لا مناصّ منها نتيجة هذه العمليّات. أوّلها وجود حالة عدم استقرار أمنيّ على الحدود، ثانيها كلفة تمويل حالة الطوارئ ونفقات التعبئة العامّة على الحدود، ثالثها فاتورة التسليح الجديدة والذخائر المطلوبة، رابعها خسائر تناقص عمليّات الشحن وتصدير البترول الذي يعتبر المصدر الاستراتيجيّ الأوّل للدخل العامّ في السعوديّة بسبب:
1-إغلاق مضيق هرمز.
2- مخاطر حركة الناقلات في الموانئ وخطوط التصدير السعوديّة.
3- تعطّل بعض المصافي والمخازن نتيجة العمليّات العسكريّة.
تداعيات اقتصاديّة
نتيجة ذلك كلّه كانت هناك تأثيرات محددة على الاقتصاد السعوديّ الطموح، الذي جعل صندوق النقد الدوليّ يقلص بشكل طفيف أرقام نموّ الاقتصاد السعوديّ من 4.5% إلى 3.1% عن عام 2026.
يقوم حلم الأمير محمّد بن سلمان يقوم على معادلة مثاليّة: استقرار أمنيّ في المنطقة يدعمه فتح المجال على مصراعيه في مجالات الاستثمار المباشر والسياحة والتشغيل والإعمار وتشجيع قوى من الحكومة لتحقيق مستهدفات خطّة 2030، التي تسعى بالدرجة الأولى إلى تقليل الاعتماد على الدخول النفطيّة ورفع مداخيل الأنشطة غير النفطيّة.
حركة الأمير
لم يقف الأمير الشابّ موقف المشاهد المستسلم أمام هذه التداعيات المفروضة على المنطقة، وكانت له مروحة اتّصالات:
1- تواصل مع واشنطن لبحث شؤون استراتيجيّة متعلقة بالسياسة الأميركية في المنطقة. .
2- أبرم اتّفاق تعاون استراتيجيّاً مع تركيا وباكستان، أفضى إلى قبام “اتفاق مكة” الدفاعي.
3- سافر إلى فرنسا في آب الماضي لتدعيم خطوط التسلّح.
4- قاد عمليّات تنسيق مع دول مجلس التعاون الخليجيّ بعد تجميد كلّ الملفّات الخلافيّة.
5- عمّق العلاقات مع مصر ورئيسها عبد الفتّاح السيسي في زيارة مهمّة قام بها منذ أسبوعين.
6- قام بتعميق ملفّ التعاون السعوديّ مع دول الاتّحاد الأوروبيّ.
7- قام بضبط نفقات الموازنة العامّة للبلاد لتجاوز مرحلة الاضطراب الأمنيّ في المنطقة.
8- تمّ إيجاد بدائل لتصدير النفط السعوديّ عبر عدّة خطوط بديلة، أهمّها خطّ شرق – غرب.
9- أصرّ على استمرار أنشطة الحياة الطبيعيّة في البلاد حتّى لا يؤثّر ذلك على المناخ النفسيّ في الداخل السعوديّ.
10- اتخذ قراراً تاريخياً بدعم ومساندة القوات اليمنية الحكومية جواً وبراً لتوجيه ضربات قاسية وحاسمة ضد أهداف عسكريّة في صنعاء، وذلك في عمليّة كبرى حملت اسم عمليّة “فجر اليمن” التي نجحت حتى الآن في تحرير “باب المندب” من ميليشيات الحوثيين.
ما يزال الحلم المشروع الطموح لوليّ العهد السعوديّ قائماً، فهو رجل لا يعترف بالاستسلام أو الهزيمة، وإن كان يواجه حالياً ظروفاً مضطربة تبدأ من مشروعات التوسّع الإسرائيليّ إلى الحماقة الإيرانيّة إلى فوضى السياسة الأميركيّة، ما يجعله يؤجّل بعض الأحلام ويجمّد بعضها مؤقّتاً.
يدرك الرجل أنّ ذلك كلّه مؤقّت بالتأكيد، ويعمل أن لا يصبح المؤقّت حالة أبديّة.
