ثلاث حقائق ينطلق منها الرئيس السوريّ أحمد الشرع في مقاربته للعلاقة مع المملكة العربيّة السعوديّة ودول الخليج:
1– الدفاع عن المملكة العربيّة السعوديّة وأمن دول الخليج يشكّل خطّ دفاع أوّل عن سوريا وأمنها القوميّ.
2– القوى التي تحاول العبث بأمن سوريا تقف خلفها المحرّكات نفسها التي تدفع القوى المعتدية على المملكة ومدنها ومنشآتها المدنيّة.
3– مواجهة هذا المحرّك القابع في طهران لا يمكن أن تكون عملاً فرديّاً أو مهمّة سوريّة أو سعوديّة منفصلة، بل تحتاج إلى عمل عربيّ جماعيّ وفق خطّة واضحة ومتكاملة.
على خلفيّة هذه القناعات، جاءت زيارة الرئيس الشرع السادسة للعاصمة السعوديّة الرياض ولقاؤه وليّ العهد الأمير محمّد بن سلمان، في 4 تشرين الثاني الجاري، حاملَين ثلاثة مؤشّرات تتجاوز البروتوكول الدبلوماسيّ وتكشف عن اتّجاه استراتيجيّ جديد في العلاقة بين البلدين:
ـ أوّل هذه المؤشّرات حفاوة الاستقبال وخروج الرجلين عن بعض الأعراف البروتوكوليّة، بما عكس مستوى الانسجام والودّ الذي يجمع بينهما، وأظهر أنّ العلاقة لم تعد محصورة في إطار الاتّصالات الرسميّة، بل تتّجه نحو بناء شراكة سياسيّة وأمنيّة طويلة الأمد.
ـ ثانيها طبيعة الوفد السوريّ الذي رافق الشرع، والذي ضمّ وزير الدفاع ورئيس الاستخبارات، في دلالة على أنّ الملفّات المطروحة لم تكن اقتصاديّة أو سياسيّة فحسب، بل حملت مضموناً أمنيّاً وعسكريّاً واضحاً.
ـ أمّا المؤشّر الثالث فكان سرعة ظهور نتائج الزيارة، عبر الإعلان عن اتّفاقيّة للتعاون بين وزارتَي الدفاع في البلدين، بالتزامن مع معلومات عن زيارات عسكريّة متبادلة، وعن توجّه وفد سعوديّ إلى سوريا خلال المرحلة المقبلة.
ماذا حمل الشّرع إلى الرّياض؟
مسؤول سوريّ سأله “أساس” عن مضامين زيارة الرئيس الشرع للرياض، فتحدّث عن تعاون عسكريّ وتبادل خبرات وتدريبات مشتركة. وعندما عاد “أساس” ليسأله: وماذا أيضاً؟ أجاب: “حمل الرئيس الشرع معه إلى الرياض خطّة ورؤية مفنّدة بالوقائع والأرقام، وقد لاقت إعجاباً وثناءً كبيرين”. ثمّ ختم مبتسماً: “ما خَفي أعظم”.
هذه العبارة تختصر جانباً من طبيعة المرحلة الجديدة. فالاتّفاقيّة التي وقّعها البلدان ليست مجرّد مذكّرة تفاهم عسكريّة عابرة، بل إطار رسميّ معلن لتعاون دفاعيّ سعوديّ سوريّ قد تتّسع مضامينه مع الوقت، تبعاً للتطوّرات الأمنيّة في المنطقة وحاجات البلدين.
اللافت أنّ الاتّفاقيّة لم تُعلن تفاصيلها العمليّاتيّة، لكنّ ما كشفته وكالة رويترز في تقريرها المنشور في 6 تشرين الثاني يوضح أنّ التعاون بدأ يتجاوز مستوى التصريحات السياسيّة. فقد نقلت الوكالة عن مصدرين عسكريَّين سوريَّين أنّ عشرات العسكريّين انتقلوا إلى السعوديّة خلال الأسابيع الماضية، في مهامّ استشاريّة وتدريبيّة.
بحسب مسؤول سعوديّ رفيع، يتركّز تبادل الخبرات بصورة أساسيّة على إعادة هيكلة القوّات السوريّة، مع الاستفادة أيضاً من الخبرات القتاليّة التي راكمها السوريّون خلال سنوات الحرب ضدّ نظام الأسد والقوّات الروسيّة والميليشيات الإيرانيّة التي ساندته. وأكّد المسؤول نفسه أنّ تدريبات مشتركة بدأت بالفعل، وأنّ المزيد منها يجري التحضير له في المجالين الأمنيّ والدفاعيّ.
هنا تبرز أهميّة الاتّفاقيّة. السعوديّة تمتلك الإمكانات التكنولوجيّة والعسكريّة، فيما تمتلك سوريا خبرة ميدانيّة تراكمت خلال سنوات طويلة من الصراع مع نظام الأسد ومسانديه من الميليشيات والقوّات الروسيّة والإيرانيّة. ومن شأن الجمع بين هذه الإمكانات والخبرات أن يفتح الباب أمام نموذج تعاون مختلف، لا يقوم على تقديم المساعدات العسكريّة التقليديّة، بل على التدريب وتطوير القدرات الدفاعيّة وتبادل المعلومات والخبرات.
لكنّ ذلك لا يعني أنّ البلدين وقّعا اتّفاقيّة دفاع مشترك بالمعنى الذي يفرض تدخّلاً عسكريّاً تلقائيّاً إذا تعرّض أحدهما لاعتداء. فالمعلن حتّى الآن هو اتّفاقيّة تعاون بين وزارتَي الدفاع، لم تُنشر بنودها التفصيليّة أو أيّ التزامات عمليّاتيّة من هذا النوع. وهذه نقطة أساسيّة في قراءة أبعاد الاتّفاقيّة بعيداً عن المبالغة في تفسيرها.
اليمن.. الاختبار الأوّل
لا يمكن فصل هذا التعاون عن التطوّرات في اليمن، حيث تتعرّض السعوديّة لهجمات حوثيّة بالصواريخ والطائرات المسيّرة، في ظلّ تجدّد المواجهة منذ تمّوز الماضي. ومن هنا تكتسب مسألة تدريب القوّات اليمنيّة أهمّيّة خاصّة، إذ إنّ رفع الجاهزيّة القتاليّة في حرب الجبال والمدن وتطوير القدرات الدفاعيّة لهذه القوّات قد يشكّلان أحد أبرز التطبيقات العمليّة للاتّفاقيّة.
إلّا أنّ دمشق سارعت إلى وضع حدود واضحة لما يمكن استنتاجه من هذه المعلومات. فقد نقلت “رويترز” عن دبلوماسيّ سوريّ رفيع أنّ الحديث عن إرسال قوّات سوريّة إلى اليمن سابق لأوانه، وأنّ أولويّات بلاده لا تزال تتمثّل في تثبيت الأمن الداخليّ وحماية الحدود وإعادة الإعمار، ثم عادت وكالة “سانا” الرسمية لتأكيده عبر مصدر دبلوماسي، نافية صحة الأنباء التي تحدثت عن إرسال قوات عسكرية سورية الى اليمن، مؤكدة أنّ الحديث عن ذلك لا أساس له من الصحة.
هذا الموقف يعبّر عن معادلة دقيقة تحاول دمشق الحفاظ عليها: الانخراط في منظومة أمنيّة عربيّة داعمة للسعوديّة، من دون الدخول المباشر في حرب إقليميّة قد تستنزف قدراتها وتعيد فتح جبهات لا تزال غير مستعدّة لتحمّل أعبائها.
أين الولايات المتّحدة من هذا التّقارب؟
السؤال الأكثر أهميّة في هذا المسار ليس فقط ما الذي تريده الرياض ودمشق من بعضهما، بل أيضاً أين تقف واشنطن من هذا التعاون؟ وهل تنظر إليه بوصفه جزءاً من استراتيجية إقليميّة أوسع أم تخشى أن يتحوّل إلى انخراط عسكريّ جديد في ساحات الصراع؟
المفارقة أنّ الولايات المتّحدة حاضرة في هذه الاتّفاقيّة منذ بدايتها، ليس بوصفها طرفاً معلناً فيه، بل من خلال المعلومات التي نقلتها “رويترز” عن مسؤول أميركيّ رفيع المستوى كشف عن توجّه فرق تدريب ومستشارين سوريّين إلى السعوديّة، وأوضح أنّ واشنطن حذّرت دمشق من التسرّع في أيّ خطوة قد تؤدّي إلى نشر قوّات سوريّة للمشاركة في الحرب اليمنيّة.
يعكس هذا الموقف الأميركيّ رغبة في الاستفادة من التعاون السوريّ – السعوديّ، مع الحرص على ألّا يتحوّل إلى بوّابة لتوسيع المواجهة الإقليميّة. فواشنطن تدرك أنّ سوريا الخارجة من سنوات طويلة من الحرب تحتاج إلى الاستقرار وإعادة بناء مؤسّساتها، وأنّ دخولها في مواجهة عسكريّة مفتوحة قد يهدّد المسار السياسيّ والأمنيّ الذي تسعى الإدارة الأميركيّة إلى دعمه.
في المقابل، لا يبدو أنّ الولايات المتّحدة تعارض من حيث المبدأ تطوير القدرات العسكريّة السوريّة أو تعزيز التعاون الدفاعيّ بين دمشق والرياض، خصوصاً أنّ إعادة بناء المؤسّسة العسكريّة السوريّة وتثبيت الاستقرار يشكّلان جزءاً من المعادلة الإقليميّة الجديدة. لكنّ واشنطن تريد أن يجري ذلك ضمن حدود لا تؤدي إلى فتح جبهة إضافيّة أو تعريض المصالح الأميركيّة وشركائها لمخاطر أوسع.
من الاتّفاقيّة الثّنائيّة إلى المظلّة العربيّة
الأكثر أهميّة في زيارة الشرع هو ما يمكن أن ينتج منها مستقبلاً. فالدبلوماسيّ السوريّ الذي تحدّث إلى “رويترز” أشار إلى احتمال تطوّر الاتّفاق ليشمل تعاوناً دفاعيّاً أوسع، بما في ذلك إمكانية انضمام سوريا مستقبلاً إلى “اتّفاق مكة” الذي يضم السعوديّة وتركيا وباكستان.
هذا الاحتمال، إذا تحوّل إلى مسار عمليّ، سيعني أنّ التعاون السعوديّ السوريّ قد يتجاوز العلاقات الثنائيّة نحو شبكة أوسع من الشراكات العسكريّة والأمنيّة، بما يفتح الباب أمام تنسيق إقليميّ في التدريب والتسليح وتبادل المعلومات ومواجهة التهديدات العابرة للحدود. لكن لا يوجد حتّى الآن إعلان رسميّ عن انضمام سوريا إلى هذه الاتّفاقيّة أو تحديد جدول زمنيّ لذلك.
لا ينبغي إغفال البعد الاقتصاديّ للزيارة، إذ رافق الاتّفاقيّة الدفاعيّة توقيع ستّ اتّفاقيّات تمويل تنمويّ ميسّر تتجاوز قيمتها 403 ملايين دولار، تشمل قطاعات الصحّة والإسكان والكهرباء والمياه وغيرها من القطاعات الحيويّة. وهذا يؤكّد أنّ الرياض لا تنظر إلى سوريا من زاوية أمنيّة منفصلة، بل تتعامل معها ضمن مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة ومؤسّساتها وتعزيز قدرتها على الاستقرار.
لن تنتشر قوّات سوريّة على خطّ المواجهة في اليمن، فلا السعوديّة طلبت ذلك ولا الحكومة اليمنيّة الشرعيّة أيضاً. لكنّ ما هو مؤكّد أنّ الخبرات السوريّة والنكهة الإدلبية، التي صنعتها أكثر من عشر سنوات من القتال والكرّ والفرّ في إدلب وحمص وجبال حماة واللاذقيّة، ستكون حاضرة بتجربتها وتكتيكاتها في تعز وباب المندب وعند بوّابة العاصمة المخطوفة صنعاء.

