في نيويورك، حضرت قضايا لبنان وسوريا وفلسطين في قلب سؤال إقليميّ واحد: كيف تُواجَه الوقائع التي تفرضها إسرائيل بالقوّة، فيما تبقى واشنطن طرفاً أساسيّاً في أيّ مسار للتفاوض؟ في الحالة السوريّة، حمل الرئيس أحمد الشرع إلى هذا النقاش ورقتين تبدوان متباعدتين: حقّ بلاده في الجولان والأراضي التي احتُلّت أخيراً، وحاجتها إلى المال والمصارف والاستثمار لإعادة بناء اقتصادها. بين الورقتين اختبار واحد: هل تستطيع دمشق أن تطلب من واشنطن المساعدة في التعافي والوساطة، وأن تقول لها في الوقت نفسه إنّ قرارها بشأن الجولان لا يُلزم السوريّين؟
في حوار نظّمه “المجلس الأطلسيّ” على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، ذهب الشرع أبعد من لغة البيانات: روى أنّه قال للرئيس الأميركيّ دونالد ترامب، تعليقاً على اعترافه بسيادة إسرائيل على الجولان، إنّ بإمكانه أن يعطي الدولة العبريّة نيوجيرسي، فهو يملكها، لكنّه لا يملك الجولان. ثمّ نزع عن المزحة طابعها الشخصيّ: الأرض لأهلها، ولا يملك الرئيس الأميركيّ أو السوري حقّ التخلّي عنها.
بهذا المعنى، واجه الشرع ترامب ونتنياهو معاً، من دون أن يقطع مع الأوّل أو يغلق باب التفاوض مع الثاني. وشكر الرئيس الأميركيّ على دوره في رفع العقوبات، وتحدّث عن علاقة جيّدة معه، لكنّه رفض أن تتحوّل تلك العلاقة إلى إقرار بالاعتراف الأميركيّ بالجولان. واتّهم إسرائيل بمواصلة القصف والتوغّل والاعتقالات واحتلال أراضٍ إضافيّة في جبل الشيخ وجنوب سوريا منذ سقوط النظام السابق.
قال الرئيس السوريّ إنّ المحادثات معها اقتربت من اتّفاق على معظم بنودها قبل أن تتراجع، ووضع ترتيباً واضحاً للمراحل: الانسحاب من الأراضي التي احتُلّت بعد كانون الأوّل 2024، ثمّ الترتيبات الأمنيّة، وبعد نجاحها فقط يمكن البحث في سلام طويل الأمد. لم يعرض الجولان ثمناً لاتّفاق أمنيّ، ولم يمنح مطلب إسرائيل الأمنيّ سلطة إلغاء حقّ السوريّين في أرضهم.
قوّة الموقف وحدودها
يصعب فصل جرأة هذا الكلام عن موقع قائله. يستطيع الشرع، بصفته رئيساً سوريّاً آتياً من الأكثريّة السنّيّة وذا علاقة مفتوحة مع العواصم العربيّة وواشنطن، أن يرفض التنازل عن الجولان من داخل مسار التفاوض نفسه. وهذه مساحة يصعب على قوى أخرى في المنطقة أن تشغلها بالفاعليّة ذاتها. وإن كانت هذه القوى لا تحتاج إلى إثبات موقفها من إسرائيل، لكنّها لا تملك بالضرورة مدخلاً إلى واشنطن أو قبولاً عربيّاً يمكّنها من الجمع بين الموقف والتفاوض.
ليست السُنّيّة وحدها كافية إلا إذا اقترنت بشرعيّة وطنيّة تشمل مختلف مكوّنات سوريا، مما يعطي خطابه وزناً مختلفاً عن خطاب المحاور الإقليميّة الذي اعتاد أن يحصر المواجهة في السلاح.
هنا تكمن نقطة الحوار الداخليّ أيضاً. لا يكفي أن يكون الجولان حقّاً وطنيّاً ثابتاً في نيويورك. بل يحتاج السوريّون إلى دولة تستطيع حماية الحقوق والتمثيل والمحاسبة في الداخل، وإلى قرار سياديّ لا يستند إلى موقع رئيس واحد. كلّما اتّسعت هذه القاعدة، صار رفض الإملاءات الخارجيّة موقف عام، وأصبح التفاوض قادراً على إنتاج نتيجة قابلة للحياة. وما قاله الشرع عن احترام القانون والمؤسّسات في المرحلة الانتقاليّة سيُقاس بما يتحقّق منها.
من نيويورك إلى عمّان
قبل أيّام من خطاب الشرع، كان سؤال السيادة يأخذ شكلاً آخر في العاصمة الأردنيّة، عمّان. وتحديداً في المؤتمر الذي نظّمه اتّحاد المصارف العربيّة في 21 و22 أيلول، بالتعاون مع مؤسّسات مصرفيّة واقتصاديّة أردنيّة وعربيّة وبمشاركة مصرف سوريا المركزيّ. لم يكن مجرّد موعدٍ للحديث عن استثمارات محتملة، بل وضع شروط العودة السوريّة إلى النظام الماليّ العربيّ والدوليّ: تحديث التشريعات المصرفيّة، الحوكمة والشفافيّة، الامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إعادة وصل علاقات المصارف المراسلة، وتطوير أنظمة المدفوعات والتحويلات وتمويل التجارة.
هذه التفاصيل التقنيّة هي الوجه الماليّ للسياسة التي أعلنها الشرع. فرفع العقوبات يفتح الباب قانونيّاً، لكنّه لا يُلزم مصرفاً عربيّاً أو دوليّاً بتمويل مشروع أو بفتح قناة تحويل إذا بقيت المخاطر مرتفعة والقواعد غير واضحة. وفي المقابل، لا يمكن مطالبة سوريا بنهوض سريع فيما حركة الأموال والتجارة والاستثمار معلّقة بين الحذر المصرفيّ وضعف البنية الإنتاجيّة. لذلك جاء الحديث في عمّان عن الزراعة والصناعة والطاقة والقطاع الخاصّ أكثر من قائمة فرص. إنّه سؤال عن الجهة التي ستنتج الدخل وفرص العمل، وعن قدرة الدولة على تنظيم التمويل ووصوله إلى الاقتصاد الفعليّ وتأمين بيئة استثماريّة آمنة.
من يقرأ نيويورك وعمّان معاً يرى أنّ دمشق تحاول استعادة وظيفتين للدولة في وقت واحد. الأولى أن تتحدّذث باسم أرضها وحدودها في التفاوض، والثانية أن تستعيد القدرة على إدارة المال وجذب الاستثمار عبر مؤسّسات يمكن التعامل معها. وهما وظيفتان متلازمتان: فاقتصاد لا يتعافى يجعل الموقف السياسيّ أكثر عرضة للضغط، وموقف سياسيّ يُفرّط بالأرض مقابل الانفتاح يفقد التعافي معناه الوطنيّ.
لا تزال المسافة كبيرة بين كلام الشرع والانسحاب الإسرائيليّ، وهي كبيرة بين مؤتمر مصرفيّ وتدفّق استثمارات يشعر به السوريّون. إلّا أنّ ما جرى هذا الأسبوع رسم معادلة تستحقّ الاهتمام: رئيس سوريّ يقول لترامب إنّ الجولان ليس ملكاً له، ويقول لنتنياهو إنّ الأمن يبدأ بانسحاب قوّاته، فيما تُبحث في دمشق وعمّان القنوات التي يحتاج إليها اقتصاد بلاده كي يقف على قدميه. نجاح هذه المعادلة، أو تعثّرها، لن يتوقّف عند سوريا وحدها، بل يطرح على دول المنطقة سؤالاً أوسع عن إمكان الجمع بين التمسّك بالحقوق والانخراط في العالم. والسؤال نفسه سيعود، بوجه أكثر حدّة، عند الانتقال إلى فلسطين.
