لم يعد تجدّد القتال في إقليم تيغراي الإثيوبيّ مجرّد انتكاسة لاتّفاق بريتوريا (العاصمة الإداريّة لجنوب إفريقيا) الذي أنهى الحرب الإثيوبيّة بين 2020 و2022، بل بدأ يهدّد بصورة مباشرة المشروع الذي حاول رئيس الوزراء آبي أحمد أن يبني عليه موقع إثيوبيا في القرن الإفريقيّ. فالدولة التي تسعى إلى تعظيم نفوذها الإقليميّ، وتوسيع حضورها في محيطها، والحصول على منفذ إلى البحر الأحمر، تجد نفسها مجدّداً أمام أزمة داخليّة متعدّدة الجبهات، في وقت لا تزال ملفّاتها الإقليميّة الأكثر حساسيّة مفتوحة، من السودان وإريتريا إلى البحر الأحمر وسدّ النهضة ومياه النيل.
تكمن المفارقة في أنّ آبي أحمد الذي اصطفّ في محور واحد مع إسرائيل وحلفائها مثل الإمارات في المنطقة، حاول في غضون السنوات الماضية الانتقال بإثيوبيا من دولة منشغلة بأزماتها الداخليّة إلى قوّة إقليميّة قادرة على التأثير في ترتيبات الأمن والسياسة والاقتصاد في القرن الإفريقيّ. وقد جعل مسألة الوصول إلى البحر الأحمر جزءاً مهمّاً من هذا التصوّر، بعدما تحوّلت الحاجة الإثيوبيّة إلى منفذ بحريّ من قضيّة اقتصاديّة إلى مسألة ذات أبعاد استراتيجيّة وأمنيّة أوسع.
لكنّ الطموح الإقليميّ يحتاج إلى قاعدة داخليّة مستقرّة. وهنا تأتي عودة الحرب في تيغراي، بالتزامن مع استمرار النزاع في أمهرة وأوروميا، لتكشف حدود القدرة الإثيوبيّة على الجمع بين مشروع توسيع النفوذ الخارجيّ وإدارة أزمات داخليّة لم تجد حلولاً سياسيّة نهائيّة.
بريتوريا: نهاية الحرب لا نهاية الصّراع
أنهى اتّفاق بريتوريا القتال الواسع بين الحكومة الفدراليّة وجبهة تحرير شعب تيغراي في تشرين الثاني 2022، بعد حرب أوقعت، وفق تقديرات الاتّحاد الإفريقيّ الواردة في التقارير، نحو 600 ألف قتيل. لكنّه لم يحسم القضايا التي كانت في أساس النزاع، ولا سيما مسألة الأراضي المتنازع عليها، وترتيبات السلطة في الإقليم، ومستقبل القوّات التيغراويّة، والعلاقة بين الحكومة المركزيّة والأقاليم.
لهذا بقي السلام هشّاً. ومع تدهور العلاقات بين الحكومة الفدراليّة وقيادة تيغراي، استعادت الجبهة السيطرة على إدارة الإقليم، فيما نفّذت القوّات الإثيوبيّة ضربات بطائرات مسيّرة ضدّ مواقعها. وفي آب تجدّدت المواجهات البرّيّة والغارات الجوّيّة، قبل أن تتوسّع الاشتباكات إلى مناطق أخرى.
في أحدث تطوّر، استعادت جبهة تحرير تيغراي السيطرة على مطار ميكيلي، فيما أعلنت الحكومة أنّ الجبهة شنّت هجمات على مواقع حكوميّة في عفار وأمهرة. ويكشف ذلك أنّ المواجهة لم تعد مجرّد توتّر حدوديّ داخل الإقليم، بل عادت إلى نمط يمكن أن يعيد إنتاج الحرب السابقة إذا فشلت جهود الاحتواء.
المتغيّر الأكثر أهميّة في الجولة الحاليّة ليس قوّة تيغراي وحدها، وإنّما ظهور محاولة لتجميع خصوم الحكومة الفدراليّة في إطار واحد. فقد أعلنت سبع جماعات مسلّحة، من بينها جبهة تحرير تيغراي، وفانو في أمهرة، وجيش تحرير أورومو، تشكيل تحالف يهدف إلى إسقاط حكومة آبي أحمد وتهيئة الطريق أمام حكومة انتقاليّة.
هذا التطوّر يرفع كلفة الأزمة على الحكومة الإثيوبيّة، لأنّها تواجه أصلاً تمرّدات مسلّحة في أمهرة وأوروميا. فالقوّات الفدراليّة تقاتل جيش تحرير أوروميا منذ 2018، بينما تخوض مواجهات مع قوميّي فانو منذ 2023.
لكنّ هذا التحالف لا يعني بالضرورة ولادة جبهة سياسيّة موحّدة. فالتقارير نفسها تشير إلى أنّ أطرافه كانت تاريخيّاً خصوماً، وأنّ التعاون الحاليّ يقوم بدرجة كبيرة على مواجهة خصم مشترك. وهذا يجعل التحالف مصدراً لضغط متزايد على الحكومة، لكنّه لا يجعله بالضرورة بديلاً سياسيّاً متماسكاً.
مع ذلك، فإنّ مجرّد حدوث هذا التقارب يحمل دلالة مهمّة: الأزمة الإثيوبيّة لم تعد محصورة في صراع بين أديس أبابا وتيغراي، بل بدأت تتحوّل إلى أزمة أوسع في العلاقة بين المركز والأقاليم وفي طبيعة النظام السياسيّ الفدراليّ نفسه.
ماذا يعني ذلك للمشروع الإقليميّ لآبي أحمد؟
هنا تكتسب التطوّرات الداخليّة بعداً يتجاوز إثيوبيا. فآبي أحمد يريد لإثيوبيا أن تكون قوّة محوريّة في القرن الإفريقيّ، لكنّ اتّساع دائرة التمرّدات الداخليّة يفرض عليه إعادة توزيع الموارد والاهتمام بالداخل والخارج.
هكذا تصبح المعادلة أكثر تعقيداً مع طموح إثيوبيا إلى الحصول على منفذ إلى البحر الأحمر. فإثيوبيا دولة حبيسة، وتعتمد منذ سنوات على موانئ دول الجوار، ولذلك ترى أديس أبابا في الوصول إلى البحر الأحمر قضيّة ذات أهميّة استراتيجيّة. لكنّ أيّ تحرّك إثيوبي في هذا الاتّجاه يجري داخل بيئة إقليميّة شديدة الحساسيّة، حيث تتقاطع مصالح إثيوبيا مع مصالح إريتريا والصومال وجيبوتي ومصر والسودان، فضلاً عن تنافس القوى الإقليميّة والدولية على البحر الأحمر.
عمليّاً، فإنّ قدرة أديس أبابا على دفع مشروعها البحريّ والإقليميّ ستكون مرتبطة بدرجة كبيرة بقدرتها على ضبط جبهتها الداخليّة. فكلّما استنزفت الحرب في تيغراي وأمهرة وأوروميا الجيش والدولة، تراجعت مساحة الحركة أمام الحكومة في الملفّات الخارجيّة.
الأمر نفسه ينطبق على ملفّ مياه نهر النيل وسدّ النهضة. فالتنافس الإثيوبيّ-المصريّ حول مياه النيل لا يجري في فراغ، بل ضمن إعادة تشكيل أوسع لموازين القوى في القرن الإفريقيّ. وكلّما سعت إثيوبيا إلى تعزيز موقعها كقوّة إقليميّة، ازدادت أهمّيّة قدرتها على الحفاظ على الاستقرار الداخليّ وعلى إدارة علاقاتها مع السودان ومصر ودول البحر الأحمر.
إريتريا: الجار الذي يمكن أن يحوّل الأزمة إلى معادلة إقليميّة
تظلّ إريتريا أحد أكثر العوامل حساسيّة في المشهد. فقد كانت حليفة للحكومة الإثيوبيّة خلال حرب تيغراي السابقة، وشاركت قوّاتها في القتال، لكنّها استُبعدت لاحقاً من المفاوضات التي قادت إلى اتّفاق بريتوريا. وفي السنوات اللاحقة، تحدّثت التقارير عن دعم إريتريّ لجماعات إثيوبيّة معارضة، فيما تحسّنت علاقاتها مع تيغراي.
يزيد ملفّ البحر الأحمر من حساسيّة العلاقة. فمسألة حصول إثيوبيا على منفذ بحريّ، وخصوصاً في ظلّ الاهتمام الإثيوبيّ بالموانئ الإريتريّة، تضيف بعداً استراتيجيّاً إلى العلاقة بين أديس أبابا وأسمرا.
هكذا يمكن أن يصبح تجدّد القتال في تيغراي جزءاً من معادلة أوسع: صراع داخليّ إثيوبيّ يتقاطع مع حسابات إريتريّة حول الأمن والحدود والبحر الأحمر.
السّودان: حلقة ربط الصّراعات
لكنّ التطوّر الأكثر إثارة للقلق هو اتّصال الأزمة الإثيوبيّة بالحرب في السودان. فالحدود بين البلدين تقع اليوم في منطقة شديدة الحساسيّة، في وقت تخوض القوّات المسلّحة السودانيّة و”قوّات الدعم السريع” المدعومة من أديس أبابا حرباً مفتوحة أوجدت بدورها شبكة واسعة من العلاقات والتدخّلات الإقليميّة.
كانت الحكومة الإثيوبيّة تستخدم المناطق الحدوديّة القريبة من تيغراي كخطوط لإمداد “قوّات الدعم السريع” بالسلاح والمقاتلين، فضلاً عن وجود مركز تدريب في منطقة أصوصا بإقليم بني شنقول الإثيوبيّ قرب الحدود السودانيّة. ووجّه الجيش السودانيّ مراراً اتّهامات لأديس أبابا بدعم خصومها وانطلاق المسيّرات الكبرى من الأراضي الإثيوبيّة.
إذا اتّسعت هذه الديناميّات، فإنّ الحرب السودانيّة يمكن أن تتحوّل عاملاً مؤثّراً في الصراع الإثيوبيّ، والعكس صحيح. فوجود حرب على الجانب الآخر من الحدود يوفّر للجماعات المسلّحة خطوط حركة وإمداد محتملة، بينما يؤدّي اضطراب إثيوبيا إلى تعقيد الوضع الأمنيّ والسياسيّ في السودان.
من هنا فإنّ الخطر لا يكمن بالضرورة في نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا والسودان، وإنّما في تداخل الحربين عبر الحدود: مقاتلون يتحرّكون، أسلحة تعبر، لاجئون يتدفّقون، وقوى إقليميّة تستخدم جماعات محليّة لتحقيق أهدافها.
هكذا يصير تجدّد الحرب في تيغراي أكثر خطورة من مجرّد عودة إلى نزاع سابق. فالقرن الإفريقيّ يشهد في الوقت نفسه حروباً وتمرّدات داخليّة، ونزاعات حدوديّة، وتنافساً على الموانئ والبحر الأحمر، وصراعاً على النفوذ، وحرباً سودانيّة مدمّرة.
بالتالي، فإنّ الصراعات التي تبدو منفصلة جغرافيّاً وسياسيّاً بدأت تمتلك نقاط تماسّ متزايدة. وتبرز هنا معادلة شديدة الحساسيّة: إثيوبيا تحاول توسيع نفوذها الإقليمي في الوقت الذي تتراجع فيه قدرتها على احتواء أزماتها الداخليّة. والسودان يخوض حرباً مفتوحة تمتدّ تداعياتها إلى دول الجوار. وإريتريا تملك حساباتها الخاصّة تجاه تيغراي وإثيوبيا، بينما أصبح البحر الأحمر والنيل جزءاً من صراع أوسع على النفوذ والأمن.
عليه، قد يصير أكبر عائق أمام الطموح الإقليميّ الإثيوبيّ ليس المنافسة المصريّة أو السودانيّة أو الإريتريّة، ولا التنافس على موانئ البحر الأحمر، وإنّما عودة الصراع الداخليّ نفسه ليقيّد قدرة إثيوبيا على استعادة أحلامها الإمبراطوريّة القديمة المتجدّدة.
