ملخص
تذهب إحدى القراءات إلى أن ضغوطاً هائلة مارستها كتلة مالية واستثمارية ضخمة دفعت البيت الأبيض إلى تبني خيار الانفتاح على النظام الإيراني، لأسباب اقتصادية بحتة. وبحسب هذا التحليل، فإن إيران، وهي في ذروة ضعفها، قدمت عرضاً هائلاً للمفاوضين: إذا توقفت الحرب وتم التوصل إلى اتفاق، فإن الشركات الأميركية والغربية ستحصل على فرص ومصالح اقتصادية ضخمة.
ماذا الآن في الشرق الأوسط؟ هل خرجنا من دائرة الخطر المتمثل في اندلاع مواجهة كبرى بعد توقيع الاتفاق الأميركي – الإيراني الثاني؟ هل انتهت الحرب فعلاً مع توقيع ما يسمى باتفاق السلام هذا؟ هل عبرنا الجسر إلى بر الأمان؟ أم أن الأمر مجرد سراب سينتهي مع انتخابات التجديد النصفي المقبلة أو مع نهاية إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب؟
إنها أسئلة صعبة الإجابة، خصوصاً أن الطرفين المشاركين في المفاوضات مصممان على مواصلة العملية، وإن كانت دوافعهما مختلفة. لكن على مستوى أعمق، نكتشف أن وراء الاتفاق المعلن، الذي لا تزال تفاصيله قيد التفاوض، اتفاقاً آخر تم التوصل إليه بالفعل، وهو في الحقيقة المعادلة الأساسية الحاكمة للمشهد.
بل إن تقييماً أكثر دراماتيكية قد يقودنا إلى القول إن هناك اتفاقاً رسمياً، واتفاقاً سرياً، واتفاقاً أحادي الاتجاه، كلها تجري في الوقت نفسه، فلنحاول تفكيك هذه الصورة.
الصورة الكبرى
كما كتبنا سابقاً، أطلقت إدارة ترمب، بالتنسيق مع إسرائيل، حملة مشتركة لتدمير منظومات الأسلحة الاستراتيجية الإيرانية بهدف إنهاء الطموحات النووية للنظام الإيراني. لكن مع بدء العمليات، ومع ظهور أعداد ضحايا الانتفاضة الشعبية التي بلغت عشرات الآلاف، أضاف الحلفاء هدفاً جديداً إلى الحملة: إسقاط النظام.
وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو قد تبنى هدف تغيير النظام منذ سنوات، لكن الجديد أن الرئيس ترمب دعا المتظاهرين الإيرانيين علناً إلى الاستمرار في احتجاجاتهم والسيطرة على مؤسسات الدولة وملاحقة مضطهديهم.
ومع الضربات الأميركية والإسرائيلية، وتصفية القادة العسكريين، وتصاعد الانتفاضة الشعبية، بدا أن النظام بات قريباً من السقوط، وأن الصراع يقترب من نهايته. لكن واشنطن أوقفت الحملة فجأة، وضغطت على إسرائيل من أجل وقف إطلاق النار “على جميع الجبهات”. وهنا يبرز السؤال: ماذا حدث؟
من الحرب إلى المفاوضات
أرسل البيت الأبيض مبعوثيه للقاء أطراف ثالثة، ثم للتواصل مباشرة مع النظام الإيراني. ومن خلال التقييمات والمصادر، يمكن الاستنتاج أن النظام الإيراني هو الذي قدم عرضاً يصعب رفضه.
فبحسب هذا العرض، ستوقف طهران الحرب، وتجمد هجماتها المباشرة وغير المباشرة عبر الجماعات المسلحة على ما وصفته بـ”جميع الجبهات”، ولا سيما الجبهة اللبنانية، أي هجمات “حزب الله” على إسرائيل وما يستتبعها من ردود إسرائيلية.
واستغرق الانتقال من الحرب إلى المفاوضات أسابيع عدة لترتيب مسار التفاوض، وبدا أن واشنطن كانت مستعجلة لفرض وقف إطلاق النار وإعلان السلام وإنهاء الصراع.
وكان أحد التفسيرات المطروحة آنذاك أن الإدارة الأميركية كانت تخشى خسارة انتخابات التجديد النصفي إذا استمرت الحرب، غير أن هذا التفسير لا يبدو مقنعاً بالكامل، لأن مواصلة الحملة العسكرية ربما كانت ستؤدي إلى انهيار النظام الإيراني، وهو ما كان سيترجم، على الأرجح، إلى انتصار سياسي كبير في الانتخابات.
تفسير آخر أشار إلى أن المنظومة الاقتصادية العالمية وصلت إلى مرحلة خشيت فيها من انهيار اقتصادي خلال الصيف إذا استمرت الحرب، وكان الرئيس ترمب نفسه قد أشار إلى الخسائر الهائلة التي تكبدها أصحاب ناقلات النفط نتيجة إغلاق مضيق هرمز والحصار البحري.
كما رأى بعض المراقبين أن الإدارة تلقت تحذيرات من أزمة مالية وشيكة إذا لم تتوقف الحرب، وأن المعارضة الديمقراطية كانت تستعد لاستغلال الوضع سياسياً للسيطرة على الكونغرس وإضعاف السلطة التنفيذية.
لكن تقييماً آخر اعتبر أن الولايات المتحدة لم تكن على شفا الانهيار، لا اقتصادياً ولا عسكرياً. فبالمقارنة مع حربي العراق وأفغانستان، أو حتى حرب فيتنام، لم تكن الظروف المالية الأميركية حرجة. فقد خصص للحرب في إيران نحو 80 مليار دولار من أصل موازنة دفاعية تبلغ 1.5 تريليون دولار.
بمعنى آخر، لم تكن الحرب ضد النظام الإيراني هي التي كسرت ظهر الولايات المتحدة.
ما الذي أوقف الهجوم؟
إذا لم تكن الاعتبارات العسكرية أو الاقتصادية المباشرة هي السبب، فما الذي دفع الإدارة إلى وقف هجومها، والابتعاد من إسرائيل، والتخلي عن المعارضة الإيرانية؟
تذهب إحدى القراءات إلى أن ضغوطاً هائلة مارستها كتلة مالية واستثمارية ضخمة، دفعت البيت الأبيض إلى تبني خيار الانفتاح على النظام الإيراني لأسباب اقتصادية بحتة.
وبحسب هذا التحليل، فإن “الجمهورية الإسلامية”، وهي في ذروة ضعفها، قدمت عرضاً هائلاً للمفاوضين: إذا توقفت الحرب وتم التوصل إلى اتفاق، فإن الشركات الأميركية والغربية ستحصل على فرص ومصالح اقتصادية ضخمة.
كان ذلك بمثابة حزمة إنقاذ للنظام، لكنها، في الوقت نفسه، عرض استثماري شبه غير محدود.
وهكذا ظهرت “الصفقة الخفية” داخل الاتفاق الرسمي: فتح الثروات الإيرانية أمام الاستثمارات الغربية، وخصوصاً الأميركية، في مقابل الاعتراف بمصالح النظام وضمان بقائه. جوهر الصفقة الاقتصادية
المعلومات المتاحة حتى الآن تشير إلى أن مذكرة التفاهم تضمنت عناصر عدة:
– حصول النظام على 24 مليار دولار من الأرصدة الإيرانية المجمدة، بعضها مودع في قطر منذ أزمة الرهائن عام 2023.
– رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية والسماح باستئناف تصدير النفط والغاز، بما يدر مليارات الدولارات.
– إطلاق برنامج استثمارات خاصة بقيمة تصل إلى 300 مليار دولار.
ويمثل هذا البند الأخير أكبر عنصر في الاتفاق، إذ ينظر إليه من الجانب الأميركي باعتباره المشروع القادر على إنهاء الحرب من خلال تحقيق مصالح اقتصادية للطرفين.
غير أن هذه الاستثمارات لن تعزز الاقتصاد الإيراني فحسب، بل ستمنح طهران أيضاً القدرة على إعادة بناء قطاعاتها العسكرية والمالية والإدارية.
ومن منظور النظام الخميني، فإن إقامة شراكة مع الولايات المتحدة، بعد أن كان على وشك السقوط، تعد نتيجة استثنائية يصعب تجاهلها.
الأخطار المحتملة
في المقابل، تدرك إدارة ترمب الأخطار الكامنة في هذا المسار، وتحاول تجنب التعقيدات، خصوصاً في عام انتخابي حساس.
فالإفراط في الشراكة مع نظام لا يظهر أي تراجع أيديولوجي أو سياسي، بالتزامن مع استمرار الخطاب المتشدد الصادر عن القيادات الدينية الإيرانية، قد يرتد سلباً على الإدارة داخل الولايات المتحدة.
كما أن أي خلاف متزايد بين واشنطن وإسرائيل قد يفاقم الأزمة، على رغم الجاذبية الكبيرة التي يمثلها الاتفاق الاقتصادي الضخم بالنسبة إلى الشركات والمستثمرين.
لكن التجارب السابقة في المنطقة تشير إلى أن أخطاء استراتيجية من جانب إيران، أو الجماعات المتشددة، أو أي طرف آخر، قد تؤدي إلى انهيار هذه المعادلة بأكملها، وتدفع دونالد ترمب إلى التخلي عن “الخطة ب” والعودة لـ”الخطة أ”.
لنر.
