ملخص
الصراع اليوم يقف في منطقة رمادية، ليس حرباً شاملة ولا سلاماً تفاوضياً، بل حال “نضوج معلق” يمكن أن تنزلق في أي لحظة نحو انفجار جديد، أو تنضج أخيراً إلى تسوية تاريخية. والسؤال الحقيقي لم يعد هل ينضج الصراع؟ بل هل سيسبق الانفجار لحظة النضوج؟
لم يعد الصراع الأميركي – الإيراني مجرد خلاف تقني حول تخصيب اليورانيوم، بل تحول إلى اختبار كلاسيكي لنظرية “النضوج” في تسوية النزاعات الدولية كما صاغها ويليام زارتمن. هذه النظرية تفترض ببساطة أن الحروب لا تنتهي عندما يرغب الأطراف في السلام، بل عندما يدركون أن كلفة الاستمرار أصبحت أعلى من كلفة التسوية، وأن هناك “مخرجاً” يمكن القبول به من دون هزيمة كامل
لكن هل وصل الصراع الأميركي – الإيراني إلى هذه اللحظة الحاسمة؟ يمكن المقارنة بتطبيق نظرية زارتمن للنضوج على الإدارات الأميركية الثلاثة لباراك أوباما وجو بايدن ودونالد ترمب.
أوباما: هندسة النضوج الدبلوماسي
قدمت إدارة باراك أوباما النموذج الأقرب لتطبيق نظرية زارتمن، فقد نجحت في خلق ما يُعرف بـ”مأزق الجمود المؤلم المتبادل” عبر عقوبات اقتصادية خانقة، ترافقت مع فتح نافذة دبلوماسية واضحة. لم يكن الضغط وحده هو العامل الحاسم، بل اقترانه بـ”مخرج متصور” تمثل في الاتفاق النووي عام 2015. والأهم أن هذه المرحلة شهدت توافر عنصرين حاسمين في نظرية النضوج، وجود مفاوض مقبول (حسن روحاني)، وإدراك متبادل بأن الاستمرار في التصعيد سيقود إلى خسائر أكبر. وهكذا ولد الاتفاق النووي كنتاج لحظة نضوج مكتملة نسبياً.
ترمب وتفكيك النضوج وصناعة مأزق أحادي
مع وصول دونالد ترمب إلى السلطة، انهار هذا التوازن. فقد انسحبت واشنطن من الاتفاق عام 2018، معتمدة سياسة “الضغط الأقصى” التي سعت إلى فرض مأزق على إيران وحدها. لكن وفقاً لزارتمن، لا يكفي أن يتألم طرف واحد. وهذا ما حدث بالفعل. إيران لم تر نفسها في مأزق وجودي، بل عدت أن الصمود أقل كلفة من التنازل، فردت برفع نسب التخصيب وتوسيع برنامجها النووي، وهكذا دخل الصراع في حال “جمود غير ناضج”، إذ يتصاعد التوتر من دون أفق للحل.
بايدن: النضوج المؤجل
حاولت إدارة جو بايدن إعادة إحياء المسار الدبلوماسي عبر مفاوضات فيينا لكنها اصطدمت بعقبتين مركزيتين، انعدام الثقة، وتغير الوقائع على الأرض. إيران باتت أقرب إلى “دولة العتبة النووية”، بينما لم تعد العودة لاتفاق عام 2015 كافية من وجهة النظر الأميركية. هنا ظهر شكل جديد من المأزق، ليس مؤلماً بما يكفي لدفع الطرفين للتنازل، وليس مستقراً بما يسمح بإدارة طويلة الأمد. والنتيجة كانت “نضوجاً غير مكتمل” ظل معلقاً بين التفاوض والتصعيد. فضلاً عن السياق الدولي الذي كان يتصاعد فيه الاهتمام بالحرب الروسية – الأوكرانية، وتراجع الملف النووي الإيراني على أجندة السياسة الدولية.
ترمب مجدداً: من الضغط إلى النضوج العسكري
مع عودة ترمب إلى البيت الأبيض في عام 2025، دخل الصراع مرحلة أكثر خطورة. لم يعد الضغط اقتصادياً فحسب، بل تحول إلى مواجهة عسكرية مباشرة، وبخاصة بعد الضربات التي استهدفت منشآت نووية إيرانية. هذه التطورات دفعت الطرفين إلى ما يُمكن تسميته “المأزق المؤلم المتبادل”، إذ إيران تواجه أزمة اقتصادية خانقة واحتجاجات داخلية، بينما تواجه واشنطن أخطار حرب إقليمية واسعة ورفض شعبي داخلي.
وفقاً لنظرية زارتمن، هذه هي اللحظة التي يبدأ فيها البحث عن “سلم للنزول”. ومن ثم كان بدء هدنة وقف إطلاق النار والتي تطورت إلى مذكرة تفاهم ثم بدء المفاوضات في سويسرا في الـ21 من يونيو (حزيران) 2026. لكن السؤال، هل سلم النزول (مفاوضات سويسرا) سيكون مخرجاً هشاً؟ لا سيما أن بنود مذكرة التفاهم يجري حتى اللحظة تفسيرها بطرق مختلفة بين الطرفين، وهو ما يتجلى من خلال التصريحات المتناقضة لإيران وواشنطن، سواء ما يتعلق برسوم المضيق أو عودة مفتشي الوكالة، كل ذلك قبل بدء المفاوضات الحقيقية حول الملف النووي الذي يتشكل من عدة بنود، كل واحدة منها كفيلة بإفشال مسار المفاوضات.
أخيراً صرح وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو بأنه سيتم تناول مسألتي الميليشيات والصواريخ الباليستية، وهو ما استبعدته إيران منذ البداية ولم تأت مذكرة التفاهم على ذكرهما.
ومن ثم هناك تخوف أن تكون تلك المفاوضات مهددة بالفشل لأن الصراع بين الطرفين يمكن وصفه بأنه نضوج بلا تسوية، وتكشف الحالة الإيرانية حدود نظرية النضوج نفسها، فتوافر “الألم المتبادل” لا يعني بالضرورة الوصول إلى اتفاق، وبخاصة في ظل غياب الثقة وتضارب التصورات حول شكل “المخرج”.
لذا، الصراع اليوم يقف في منطقة رمادية، ليس حرباً شاملة ولا سلاماً تفاوضياً، بل حال “نضوج معلق” يمكن أن تنزلق في أي لحظة نحو انفجار جديد، أو تنضج أخيراً إلى تسوية تاريخية.
والسؤال الحقيقي لم يعد هل ينضج الصراع؟ بل هل سيسبق الانفجار لحظة النضوج؟
