مع توقيع الولايات المتحدة وإيران مذكرات تفاهم من شأنها إشاعة تهدئة بينهما، بعد سنوات من التنافس المحموم عبر ساحات متداخلة، تجد سورية نفسها أمام مرحلة يُعاد فيها صياغة وظائف الجغرافيا أكثر ممّا يُعاد فيها رسم خطوط الجبهات. فانعكاسات إعادة تشكيل الإقليم لا تبقى محصورةً في غرف التفاوض السرّية، بل تمتدّ إلى مناطق الهشاشة، حيث تصبح التحوّلات الكبرى رهاناتٍ مصيريةً موزّعةً بين المدن والجماعات المحلّية، ويغدو ترقّب مآلات التوازنات الجديدة المعقّدة جزءاً من التجربة اليومية للسكّان.
وفي بلد لم يعد يُدار بمنطق المركز الواحد، ومن دون أن يتحوّل، في الوقت نفسه، فراغاً سياسياً كاملاً، تتشكّل استجابات متباينة للقلق العام، تبعاً لاختلاف المناطق والموارد وأنماط النفوذ. من هنا يمكن النظر إلى ما يشبه “الصلوات السرّية” للسوريين، لا بوصفها طقوساً دينية، بل أشكالاً غير مرئيّة من التكيّف والانتظار، يُعيد الأفراد والجماعات من خلالها ترتيب علاقتهم بالمستقبل. فبينما تنشغل القوى الفاعلة بإعادة تموضعها ضمن اصطفافاتٍ مستجدّة، ينشغل السوريون بتحديد أولويات بقائهم، كلٌّ ضمن جغرافيته، وحدود موارده، ونوع المخاطر التي تحيط به
في الشرق السوري، ولا سيّما في الرقّة ودير الزور، يتداخل التهميش المؤسّسي والاقتصادي مع ضعف البنية الحاكمة بصورة مباشرة. فالمنطقة التي عاشت سنواتٍ من تبدّل السلطات وتعدُّد مراكز النفوذ، تتوزّع فيها مواقع القرار بين قوى محلّية مختلفة، من دون أن تمتلك أيّ منها القدرة على فرض انتظام مستدام في إدارة الشأن العام. يظهر هذا الضعف البنيوي بوضوح عند الأزمات الطبيعية، كما في فيضانات نهر الفرات التي خلّفت أضراراً هائلة في الأراضي الزراعية والبنى التحتية. هنا لا تبدو الكارثة الطبيعية حدثاً منفصلاً عن السياسة، بل امتداداً لاختلالات إدارية متراكمة، تتقاطع فيها قسوة الطبيعة مع محدودية القدرة على الاستجابة. وفي مثل هذا الواقع، تتحوّل “الصلاة السرّية” إلى ممارسةٍ يومية لإدارة الخسارة للحفاظ على الحدّ الأدنى من القدرة على الاستمرار في بيئة تفتقر إلى الضمانات المؤسّسية الراسخة.
وفي الساحل السوري، تأخذ الديناميات منحىً مختلفاً يمكن وصفه بـ”سياسات الذاكرة”. فالمشهد الاجتماعي هناك لا يتشكّل عبر الحاضر وحده، بل عبر استدعاء الماضي بوصفه مجالاً مفتوحاً للتنافس الرمزي وإعادة تفسير الوقائع. إذ برزت أخيراً دعوات ملحّة تتحدّث عن “المساءلة” و”إعادة فتح الملفّات” و”الانتقام”، بالتوازي مع إجراءاتٍ رسميةٍ طاولت شخصيات اشتهرت بارتباطها بالنظام السابق. غير أنّ هذا المسار ترافَق مع ارتداداتِ فضاءاتٍ رقمية اتخذت طابعاً تحريضياً تجاوز الأفراد إلى جماعات أوسع ضمن خطاب يفتقر إلى الضبط القانوني. وفي غياب آليات مكتملة للعدالة الانتقالية، تتداخل الذاكرة السياسية مع ثقل التاريخ الاجتماعي، ليصبح الخوف من توظيف الماضي في صراعات الحاضر هاجساً دائماً. وهنا تتّخذ “الصلاة السرّية” صورةَ رغبةٍ جماعيةٍ في ألّا يتحوّل هذا الإرث أداةَ إقصاء أو وقوداً لانقساماتٍ جديدة.
وفي الجنوب السوري، يتداخل المحلّي مع الإقليمي بحكم الموقع الجيوسياسي الحسّاس، فبعد أحداث العنف الدامية التي شهدتها السويداء في يوليو/ تموز العام الماضي، مخلّفة تصدّعات عميقة في الثقة، برزت أصوات متباينة، بعضها ينادي بتحسين شروط العلاقة ضمن إطار الدولة، وبعضها الآخر ينادي بصيغ أوسع للإدارة الذاتية. وهكذا يبدو الجنوب مساحةً تُراقَب فيها الاحتمالات أكثر ممّا تُحسم الوقائع، حيث يتعايش الواقع الهشّ مع أسئلة مفتوحة بشأن شكل العلاقة المستقبلية مع الدولة المركزية. وهنا تتخذ “الصلاة السرّية” صورة بحثٍ حذر عن الاستقرار في منطقة ما تزال تعيش على إيقاع التوازنات أكثر ممّا تعيش على يقين التسويات.
وفي الشمال الشرقي، في مناطق الإدارة الذاتية ذات الغالبية الكردية، تتّخذ القضية بعداً أشدّ تركيباً يرتبط بإعادة توزيع وظائف السلطة بين المركز والأطراف. فالمنطقة تعمل ضمن نموذج حكم محلّي واسع نسبياً، قائم على ترتيبات أمنية وإدارية واقتصادية خاصّة، لكنّه يظلّ غير مكتمل من حيث الاعتراف السياسي، ويبقى في علاقة مفتوحة مع دمشق ومع القوى الدولية المؤثّرة على الأرض. ولا يندرج هذا الواقع ضمن ثنائية الدولة والانفصال، بقدر ما يتحرّك داخل مساحة وسطى تتبدّل باختلاف موازين القوى. وتتجسّد “الصلاة السرّية” في السعي إلى تثبيت قدرٍ من الاعتراف، بما يحول دون إعادة إنتاج الصراع أو فرض تحوّلات قسرية على الترتيبات القائمة.
وفي دمشق، تظهر المفارقة مختلفة، فالعاصمة لا تعاني غيابَ المؤسّسات بقدر ما تعاني محدودية قدرتها على تحويل وجودها إلى استقرار معيشي ملموس. فالبنية الإدارية قائمة، لكنّها تعمل تحت ضغط اقتصادي ممتدّ ينعكس مباشرةً على الخدمات والأسعار والقدرة الشرائية. ولذلك، يصبح الاستمرار في الحياة اليومية نوعاً من المرونة الحيوية مع واقع اقتصادي ضاغط. أمّا في حلب، التي خرجت من موقعها التاريخي بوصفها مركزاً صناعياً وتجارياً رئيسياً، فتدور المحاولة حول استعادة جزء من وظيفتها الاقتصادية ضمن بيئة إقليمية غير مستقرّة. فشبكات التجارة والإنتاج لا تزال عرضةً للتقلّبات والانقطاعات، ما يجعل التعافي بطيئاً وغير منتظم. وفي المدينتَين الكبيرتَين، تتمثّل “الصلاة السرّية” في استعادة جرعة من الأمان الاقتصادي، تتيح للسكّان تجاوز منطق التكيّف اليومي والعودة إلى التفكير في المستقبل.
وفي الوسط السوري، ولا سيّما في حمص وحماة ومحيطهما، لا تتجلّى الأزمة في صدامات حادّة بقدر ما تظهر في ضغوط اقتصادية واجتماعية تدفع إلى إعادة تشكيل خيارات العمل والتنقّل والهجرة. فهنا يتّخذ القلق صورة تآكل بطيء في شروط الاستقرار المعيشي أكثر منه استجابة لتهديد مباشر. أمّا في إدلب، فتتمثّل المعضلة في الانتقال من مرحلة الإغاثة إلى مرحلة التعافي والإعمار. فبعد سنوات طويلة من النزوح، لا يزال جزء كبير من السكّان يعيش بين واقع المخيّمات وتحدّيات العودة وإعادة بناء سبل العيش. وهنا تتجسّد “الصلاة السرّية” للمنطقتَين في توقٍ مشترك إلى هامشٍ يسمح بالانتقال من إدارة الضرورة اليومية إلى أفق أكثر دواماً.
في ضوء ما تقدّم، وفي حال نجاح التفاهم الأميركي – الإيراني، ليست النتيجة الأكثر ترجيحاً إعادة توحيد سورية أو حلّ أزمتها البنيوية، بل الانتقال من إدارة الصراع المفتوح إلى إدارة توازنات إقليمية مُجمَّدة. وعليه، تتقاطع أدوار الولايات المتحدة مع إعادة تموضع كلّ من روسيا وتركيا وإسرائيل، إلى جانب انخراط متباين لدول الخليج في تشكيل الاقتصاد السياسي في الإقليم، فيما يبقى الداخل محكوماً بمنطق إدارة البقاء لا إدارة التوازن. غير أنّ هذا الاختلاف لا يلغي الترابط بين المستويين، بل يوضح أنّ القوى الدولية تعمل بمنطق الاحتواء وإعادة الضبط، بينما تتحرّك المجتمعات المحلّية بمنطق التكيّف مع واقع هشّ ومتغيّر.
ختاماً، لا تبدو سورية جغرافيا موحدةً تتحرّك في اتجاه واحد، بل خريطة من المسارات المتوازية التي تعكس درجات متفاوتة من التأثر بالتحوّلات الإقليمية. فمن الساحل المُثقَل بأسئلة الذاكرة، إلى الجنوب المحكوم بحسابات التوازن، مروراً بالشرق المتعثّر، وليس انتهاءً بالحواضر الكُبرى التي تكافح تحت ضغط الاقتصاد اليومي، تتعدّد أشكال القلق وتختلف مصادره. وفي قلب هذا التعدّد تتبلور “الصلاة السرّية” للسوريين بوصفها تعبيراً عن إرادة الاستمرار أكثر منها انتظاراً للخلاص؛ محاولة جماعية صامتة للحفاظ على ما تبقّى من القدرة على العيش، في زمنٍ لا يتوقّف عن إعادة تشكيل خرائطه وتوازناته.