
عبد القادر المنلا
فنان وإعلامي.. المصدر جريدة الثورة السورية

يرجى الانتباه: على المسافرين المغادرين إلى أمستردام على متن الخطوط الجوية السورية التوجه إلى البوابة.. يا لوقع تلك الكلمات السحرية على السوري الذي كان عليه أن يبذل الكثير من الجهد ليحجز تذكرة متقطعة ويلف عدة بلدان ويهبط في مطارات ومعابر كثيرة قبل أن يصل إلى بلده، واليوم يطير السوري مباشرة إلى وجهته الأوروبية، أو بعض الوجهات مبدئياً، بمجهود أقل ونفقة أقل، وإحساس أعلى بالكرامة.
شخصياً لم أكن مضطراً للسفر، ولكن تجربة الرحلة المباشرة بعد عدة رحلات متقطعة ومتعبة دفعتني للسفر على هذه الرحلة التي لم يعكّر صفوها سوى قنبلة اصطحبها عجوز مريض معه إلى الطائرة، وهي عبارة عن جرة أوكسجين يحتاجها ذلك الراكب فيما لو تعرض لحالة اختناق، ما نتج عنه تأخر إقلاع الطائرة أكثر من مئة دقيقة بسبب إصرار الكابتن على إنزال الراكب المذكور، كونه لم يحصل على تقرير طبي وتصريح أمني يجيز له اصطحاب تلك الأنبوبة الخطرة، وإصرار الراكب على السفر، إلى أن انتهت القصة بحضور رجال الأمن لإنزال الراكب وأنبوبته بأسلوب لبق وحضاري.
شعور البهجة والفخر لدى ركاب “السورية” كانا يحلقان مع تحليق الطائرة بل ربما كانا أعلى ارتفاعاً، فبعد كل تلك السنوات من المعاناة التي وصلت إلى حدود الإذلال، يستطيع السوري اليوم أن يأخذ رحلته المباشرة من عاصمة بلاده إلى العواصم الأوروبية، فيا له من شعور لا يعكره سوى شريط الصور المخزنة في ذاكرة المسافر، فبعد ساعات ستهبط الطائرة في مكان لا يعاني سكانه من البطالة والفقر ولا تعاني شوارعه من تراكم القمامة وفوضى المرور.
من المبكر جداً مقارنة سوريا الخارجة حديثاً من مخلفات الأسد المخلوع بالواقع الأوروبي، غير أن ثمة ما يمكن فعله فيما يتعلق بحياة المواطن اليومية بحيث يصبح الفارق ملموساً بين ما كان عليه وما آل إليه، تماماً كحالة الذل التي عانى منها على مدار سنوات، وتحولت إلى حالة فخر واعتزاز.
الإنجازات الكبيرة والمتسارعة للقيادة السورية الجديدة ستواجهها حالة الفشل والإهمال والتباطؤ في حل ملفات عاجلة ويومية وخدمية، وستفتح مساراً للجدل والسؤال: هل تهتم القيادة اليوم بما يرفع رصيدها دولياً على حساب مصلحة المواطن وتفاصيل حياته وقوت يومه؟ ولماذا تنجح القيادة في إنهاء الملفات الكبرى وتفشل في قضايا صغيرة كضبط السوق والأسعار وتحسين الخدمات وإنهاء الفجوة الكبيرة بين الدخل والإنفاق، هل تواجه الحكومة صعوبات لا تستطيع أن تتعامل معها بالسرعة المطلوبة، أم إن ثمة خللاً في ترتيب الأولويات وضعفاً في الإدارات الصغيرة يُنتج كل ذلك التناقض؟
على الركاب المسافرين إلى أمستردام التوجه إلى البوابة، دوى صدى تلك العبارة مرات عديدة في آذان الركاب وكان وقعها أسطورياً، يكاد يوازي وقع العودة إلى سوريا بعد سنوات المنفى الطويلة، ها نحن اليوم نستعيد ذلك الحلم المملوء بالكرامة والثقة، بعد سنوات طويلة من إغلاق المجال الجوي الأوروبي في وجه الطيران السوري، وبعد أن حول الوريث القاصر سوريا كلها إلى منطقة عسكرية مغلقة ومعتقل كبير مقفل ومسلخ بشري مكشوف، فضلاً عن مجموعة متعددة من الاحتلالات التي استقدمها لحمايته، ما جعل العالم برمته يغلق كل الأبواب في وجه السوريين، وليس المطارات فقط.
الإنجازات التي تحققها الحكومة لا تتوقف عند ذلك، فمنذ أيام استيقظنا على خبر افتتاح مطار دير الزور وعودته إلى الخدمة، وقبلها استطاعت سوريا نزع أكبر الألغام التي كانت تقف في طريق بناء الدولة حين حلت عقدة “قسد” بشكل سلمي، واستطاعت إقناع قادتها بالاندماج بالدولة السورية الجديدة واعترفت بحقوق الأخوة الكرد التي جردهم نظام البعث منها.
وفي كل يوم نصحو على حدث جديد يؤكد نيات بناء الدولة، ومنذ أيام قليلة كانت المفاجأة الكبرى والتي تمثلت بخبر استرداد مطار حميميم ومرفأ طرطوس من الروس، وجاء ذلك الحدث ليضع حداً ليس لأحلام الأسديين وبقايا أوهامهم وحسب، بل وليؤكد المسار الدبلوماسي طويل النفس والذي يحرر سوريا بالتدريج من كل أنواع الوصاية والاحتلالات التي استجلبها الوريث الهارب.
ولكن كل تلك الإنجازات ما زالت تصطدم بجدار الواقع الحياتي والمعيشي وبالهموم الصغيرة للمواطنين الذين لن يهتموا لتلك الإنجازات ما لم تنعكس بشكل مباشر على حياتهم، وبالطبع فإن الإلحاح على تحقيق شروط حياتية أفضل للمواطن وانتقاد أخطاء الحكومة في هذا المجال لا يعني التقليل من قيمة الإنجاز، ولكنه يعني النظر بالعينين معاً للواقع وعدم تجاهل حالات الإهمال والتقصير أو السكوت عن أي ارتكاب يمكن أن يؤذي سوريا وذلك واجب وطني مقدس.
نحن في سوريا نعيش فترة تحول عميق، ولا بد من أن نتحلى بالمسؤولية والتوازن، وألا نتحول إلى عبوات ناسفة تزيد المشهد إرباكاً سواء من خلال تضخيم الأخطاء والعيوب وإنكار الإنجازات، أو من خلال المبالغة في المديح والانحياز التام للدولة حتى وإن أخطأت، والقناعات اليقينية غير القابلة للمراجعة سواء في هذا الاتجاه أو نقيضه هي الفخ الأكبر الذي يمكن أن تقع فيه سوريا فلا ينجو منه الموالي ولا المعارض، والموضوعية هي الطريق الوحيد للنجاة، وهي العربة الآمنة التي يمكن أن تنقل البلد برمتها من تحت “الدلف”، وتنقذها من أن تتموضع تحت “المزراب”.
العبوات الناسفة التي تواجه الواقع السوري ليست تلك التي يضعها مخربون في حاويات القمامة، أو في سيارة نقل الركاب، أو في الزوايا المهملة فقط، فكل تقصير إداري وكل إهمال، وكل خطأ متعمد أو غير متعمد ولا يتم تصحيحه هو عبوة ناسفة، انتشار القمامة في شوارع سوريا هو أيضاً عبوة ناسفة، استقبال مطرب مجّد الأسد ليغني على مسارح سوريا هو عبوة ناسفة، وما أكثر العبوات الناسفة التي تقف عقبة في وجه بناء الدولة.
بفضل قرارات الكابتن الصارمة، استطاعت الطائرة السورية أن تحلق عالياً وهي في مأمن من خطر انفجار عبوة الأوكسجين، وتخليص الطائرة السورية الكبيرة التي تحلق بأحلام السوريين من كل أشكال العبوات الناسفة هي مسؤولية كل كابتن في موقعه، ومن دون ذلك سيواجه كل إنجاز بانفجار يضعف أثر ذلك الإنجاز، ويبقي السوريين في دوامة التخبط والقلق.