-
مسلم عبد طالاس.. الجمهورية. نت
-
-
-
لا تواجه سوريا اليوم تحدي إعادة بناء ما دمرته الحرب فحسب، بل تواجه مهمة أكثر تعقيداً تتمثل في إعادة بناء اقتصاد ودولة في ظلِّ موارد محدودة، ومؤسسات أرهقتها سنوات الصراع، واحتياجات اجتماعية وتنموية هائلة. فإلى جانب الدمار الواسع الذي أصاب البنية التحتية والخدمات العامة، تعاني البلاد من تراجع الإنتاج، وضعف المالية العامة، وهجرة قسم مهم من الكفاءات البشرية، وارتفاع معدلات الفقر والبطالة، فضلاً عن بيئة إقليمية ودولية تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين. وفي مثل هذه الظروف، لا يصبح السؤال الأساسي هو كيف يمكن توفير مزيد من الأموال، بل كيف يمكن استخدام الموارد المتاحة بأفضل صورة ممكنة.
وهنا تبرز إحدى أكثر المعضلات تعقيداً في اقتصادات ما بعد النزاع؛ إذ إن إعادة الإعمار والتنمية ليستا مترادفتين، كما أنهما ليستا متعارضتين. فإعادة الإعمار تهدف إلى استعادة الحد الأدنى من الخدمات والبنية التحتية والحياة الاقتصادية، بينما تستهدف التنمية رفع إنتاجية الاقتصاد، وتنويع قاعدته الإنتاجية، وتعزيز قدرته على النمو المستدام. وفي ظلِّ محدودية الموارد، تفرض كل منهما أولويات متنافسة؛ فما يحتاجه التعافي السريع ليس دائماً ما يحتاجه النمو طويل الأجل.
ومن هنا، فإن القضية الحقيقية تكمن في إدارة المفاضلات بينهما؛ فكل قرار يتصل بتخصيص الموارد يمنح أولوية لمجال على حساب آخر، ويحمل منافع وتكاليف متزامنة. وتزداد هذه المهمة صعوبة لأن القرارات تُتخذ في بيئة شديدة التغيّر والتقلّب، حيث تتبدل الأولويات مع تحسن الأوضاع الأمنية، أو تغير الظروف الاقتصادية، أو تدفق موارد غير متوقعة. لذلك، فإن نجاح مرحلة التعافي لا يعتمد فقط على حجم الموارد المملوكة، بل على القدرة المؤسسية على مراجعة الأولويات وتعديل السياسات كلما تغيّرت الظروف.
في هذا السياق، يبرز الصندوق السيادي السوري بوصفه إحدى الأدوات التي تعوّل عليها الدولة في إدارة الأصول العامة، وجذب الاستثمارات، والمساهمة في تمويل مرحلة التعافي. غير أن تقييم دوره لا ينبغي أن يقتصر على حجم أصوله أو عوائده المالية، بل بالنظر إليه بوصفه جزءاً من البنية المؤسسية للدولة يتأثر بطريقة توزيع السلطات، وآليات الرقابة، وتدفق المعرفة. ينطلق هذا المقال من فرضية محورية مفادها أن نجاح الصندوق السيادي السوري لن يتحدّد بالموارد التي يُديرها، بقدر ما سيتحدّد بقدرته على المساهمة في إدارة التوتر بين إعادة الإعمار والتنمية.
طبيعة المفاضلات: من الحساب المالي إلى بناء القرار
في الأدبيات الاقتصادية، يُنظر أحياناً إلى إعادة الإعمار والتنمية بوصفهما مرحلتين متتاليتين: تبدأ الأولى بإصلاح ما دمرته الحرب، ثم تأتي الثانية لبناء اقتصاد أكثر إنتاجية. غير أن التجربة العملية تؤكد تداخلهما منذ اليوم الأول في دول ما بعد الصراع. ويظهر هذا التوتر في كل قرار عملي لتخصيص الموارد؛ فالاستثمار المباشر في البنية التحتية كالكهرباء والمياه والنقل يُمثّل شرطاً ضرورياً لاستعادة النشاط الاقتصادي العاجل، لكنه يضغط على الاستثمارات الموجّهة للتعليم، والتكنولوجيا، ورفع الإنتاجية على المدى الطويل. وعلى العكس، فإن التركيز المُبكر على الاستثمارات التنموية طويلة الأجل قد يأتي على حساب احتياجات معيشية ضاغطة لا تحتمل التأجيل.
تكمن المحاججة الرئيسية هنا في أن جودة القرار الاقتصادي في ظلِّ عدم اليقين لا تعتمد فقط على حجم المعلومات المتاحة عند اتخاذه، بل على مرونة المؤسسات وقدرتها على مراجعة خياراتها وتصحيح مساره. وبالتالي، فإن إدارة التوتر بين الهدفين ليست مسألة مالية بحتة، بل هي مسألة مؤسسية تتعلق بكيفية تنظيم عملية صنع القرار وضمان التغذية الراجعة، لمنع سوء تخصيص الموارد مهما بلغت النوايا أو حجوم التمويل.
البنية المؤسسية للدولة السورية وموقعية الصندوق
لا يعمل الصندوق السيادي في فراغ، بل يتأثر كلياً بالبيئة المؤسسية العامة للدولة. وتحتاج الدول الخارجة من النزاعات، بطبيعة الحال، إلى قدرٍ من المركزية لتسريع إعادة بناء مؤسساتها والتعامل مع التحديات المُعقدة؛ فالمركزية ليست خياراً سلبياً أو إيجابياً بذاته، بل ترتيب مؤسسي يرفع سرعة اتخاذ القرار لكنه يُقلِل قنوات المراجعة إذا لم تُبنَ آليات تعويضية.
في الحالة السورية الراهنة، اتجه الإعلان الدستوري إلى إعادة تنظيم السلطة التنفيذية بصورة أكثر تركيزاً، من خلال إلغاء منصب رئيس مجلس الوزراء وإسناد إدارة السلطة التنفيذية مباشرة إلى رئيس الجمهورية، إلى جانب منحه دوراً محورياً في تعيين عدد من المؤسسات الدستورية (بما في ذلك مجلس القضاء الأعلى)، وفي تشكيل مجلس الشعب خلال المرحلة الانتقالية، مقابل صلاحيات رقابية محدودة للمجلس تجاه السلطة التنفيذية. وبذلك، فإن جزءاً مهماً من عملية مراجعة السياسات، التي كانت تُوزَّع في العادة بين مؤسسات متعدّدة، أصبح يعتمد بدرجة أكبر على الآليات التي يُنشئها مركز القرار نفسه.
إن هذه الترتيبات الانتقالية، التي قد تجد مبررها في الحاجة إلى السرعة ووحدة القيادة، تفرض شرطاً أساسياً لنجاحها: ضرورة تعويض تقلّص آليات المراجعة السياسية والبرلمانية التقليدية عبر إيجاد قنوات مؤسسية مستقلة للتغذية الراجعة والتقييم. فكلما تركزت السلطة التنفيذية، ازدادت الحاجة إلى تدفق المعرفة من خارج مركز القرار، سواء عبر الأجهزة الرقابية المستقلة، الجامعات، مراكز البحث، القطاع الخاص، أو الخبرات السورية في الخارج التي تُشكِّل رصيداً معرفياً لا يقلُّ أهمية عن رأس المال المالي.
وبالتالي، لا يستطيع الصندوق السيادي تعويض نقاط القوة أو الضعف في البنية المؤسسية التي يعمل ضمنها، بل سيكون انعكاساً لها. فإن عمل في بيئة تتعدّد فيها مصادر المعرفة وتتوفر فيها قنوات المراجعة، ارتفعت كفاءة تخصيصه للموارد؛ أمّا إذا بقيت قراراته محصورة في دائرة ضيقة دون آليات مراجعة كافية، فستظل كفاءته رهناً بقدراتِ الأفراد لا بصلابة المؤسسات. لكن الحوكمة الداخلية للصندوق يُمكن أن تكون آلية تعويضية جزئية لسوء البيئة المؤسسية العامة للدولة.
حوكمة الصندوق: الشفافية والتعلم المؤسسي
تُمثل الحوكمة الداخلية للصندوق الآلية التي تُترجم السياسات العامة إلى قرارات استثمارية تفصيلية؛ فإذا كانت بنية الدولة تُحدِّد الإطار العام، فإن الحوكمة الداخلية تُحدِّد جودة التطبيق. ويتعين على الصندوق مواجهة خيارات حاسمة يومياً بين ضخّ الموارد في البنية التحتية أو القطاعات الإنتاجية، وبين المشروعات ذات الأثر الاجتماعي السريع والمشروعات عالية العائد مستقبلاً. ولتحقيق ذلك، يجب ألا تُختزل الحوكمة في الامتثال الإجرائي ومنع تضارب المصالح، بل أن تمتد لتشمل معايير واضحة لاختيار المشروعات، وإدارة مستقلة للمخاطر، وسياسة إفصاح منتظمة، وآليات تُحوِّل نتائج التنفيذ إلى خبرة مؤسسية متراكمة.
وعلى صعيد التقييم الواقعي للوضع الراهن، ما تزال المعلومات المنشورة حول الهيكل الداخلي للصندوق السيادي السوري، وسياساته الاستثمارية، وآليات تقييم الأداء وإدارة المخاطر فيه محدودة جداً. وهو ما يجعل الحكم الموضوعي على كفاءة حوكمته غير ممكن حالياً. غير أن التجربة الدولية الجازمة تؤكد أن الصناديق السيادية لا تُحقِّق أهدافها إلا عندما تقترن استقلالية إدارتها بالإفصاح المنتظم، والتقييم المهني، والمراجعة الدورية.
خاتمة
إن التركيز على حجم الأصول ومصادر التمويل لا يُقدِّم سوى جانب محدود من التقييم المطلوب للصندوق السيادي السوري. فالتحدي الجوهري لا يكمن في جلب الموارد فحسب، بل في كيفية مفاضلتها وتخصيصها بين احتياجات متنافسة ضمن بيئة مؤسسية قادرة على التعلم والتصحيح.
إن تركيز السلطات التنفيذية في المرحلة الانتقالية يُضاعف من أهمية بناء قنوات مستقلة للتقييم والمساءلة تعتمد على المراكز العلمية، والقطاع الخاص، والخبرات الوطنية. وبناءً عليه، ينبغي نقل النقاش من السؤال الشكلي: «كم من الأموال سيُدير الصندوق؟» إلى السؤال البنيوي: «هل سيُساعد الصندوق الدولة السورية على اتخاذ قرارات اقتصادية أفضل؟». فإذا كانت إعادة الإعمار تُرمِّم ما دمرته الحرب، فإن التنمية هي التي تؤمن استدامة الدولة، وبين الهدفين يظلُّ حسن إدارة القرار مورداً تنموياً لا يقلُّ أهمية عن رأس المال نفسه.
-