ملخص
تتجه الصين، التي بنت هويتها على مناهضة الإمبريالية وعدم التدخل، إلى مراجعة هذا الإرث مع اتساع مصالحها العالمية وتزايد شعورها بأن النظام الذي قادته واشنطن يتفكك لمصلحة عالم تحكمه القوة. من حماية الاستثمارات والممرات والموارد إلى نقاش “التدخلية 2.0” و”داء السلام”، تقترب بكين من منطق إمبراطوري قد يفرض عليها أعباء التدخل والتمدد التي طالما انتقدتها في التجربة الأميركية.
نشأت جمهورية الصين الشعبية على مناهضة الإمبراطوريات. فقد بنى الحزب الشيوعي الصيني هويته على مناهضة الإمبريالية، إذ صوّر نفسه في مقدمة نضال عالمي ضد الهيمنة الغربية. ورأى الزعيم الصيني ماو تسي تونغ أن الثورة البلشفية كانت الفصل الافتتاحي في ذلك النضال. وبعد انتصار الشيوعيين وتأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949، رفعت بكين مبدأ “عدم التدخل” إلى مرتبة ركن أساسي في سياستها الخارجية. وتحول هذا المفهوم إلى أداة دبلوماسية قوية، ساعدت الصين على تقديم نفسها نصيراً لسيادة دول ما بعد الاستعمار، وكسب التأييد في أنحاء الجنوب العالمي.
ومع ذلك، كان هذا المبدأ، منذ بداياته، أقرب إلى الدعاية منه إلى العقيدة. فقد دعم ماو حركات التمرد الشيوعية في الخارج، وأرسل “متطوعين” صينيين للقتال في الحرب الكورية. ومع اتساع قدرات الصين، اتسع أيضاً نطاق أنشطتها خارج حدودها. واليوم، تدير بكين شبكة عالمية من علاقات الاستخبارات والنفوذ والأمن، صُممت لخدمة مصالحها في الخارج. وفي الآونة الأخيرة، وفرت غطاءً دبلوماسياً ودعماً مادياً للحرب العدوانية التي يشنها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في أوكرانيا. وأقامت منشآت عسكرية رسمية في الخارج، في كمبوديا وجيبوتي، وبحسب بعض الروايات في طاجيكستان أيضاً، وإن كانت بكين لا تزال تنفي الأخيرة. ومع ذلك، ظل سجل التدخل الصيني حتى الآن يميل إلى إدارة عمليات نفوذ وتقديم دعم قابل للإنكار للأنظمة التي تفضلها. صحيح أن الصين شاركت في الحرب الكورية وغزت الهند عام 1962 وفيتنام عام 1979، لكنها لم تنخرط بانتظام في تدخلات عسكرية علنية على الطريقة الأميركية.
وعلى مدى عقود، استطاعت الصين الحفاظ على هذا النهج تحت مظلة نظام أمني تقوده الولايات المتحدة، من دون أن تكون مضطرة إلى تحمل كلفة صيانته. وكما جادلت المحللة زوي ليو في “فورين أفيرز”، فقد قيّد ذلك النظام الصين في جوانب مهمة، لكنه ضمن أيضاً استقرار طرق التجارة العالمية والأنظمة المالية، مما أتاح لبكين توجيه معظم مواردها إلى التنمية الاقتصادية والتحديث العسكري. ومع تفكك ذلك النظام، واستخدام الرئيس الأميركي دونالد ترمب القوة في الخارج بنشاط، ترى الصين أن مصالحها التجارية والتكنولوجية والأمنية المعولمة، من الرواسب المعدنية وممرات الشحن في القطب الشمالي إلى تدفقات النفط في الخليج، باتت معرضة لخطر مباشر. وهكذا تجد بكين نفسها مندفعة إلى المنطق الحتمي نفسه الذي واجهته كل القوى الصاعدة: إذا أرادت حماية مصالحها في الخارج، فعليها أن تتحمل نصيباً أكبر من كلفة فرض النظام.
ومع انحدار العالم، على نحو وصف الزعيم الصيني شي جينبينغ، إلى فوضى قائمة على مبدأ أن القوة فوق الحق، تهيئ بكين جهازها الأمني للدفاع عن ممرات النقل وسلاسل الإمداد والموارد الاستراتيجية التي تقوم عليها قوة الصين. وقد وجّه وزير أمن الدولة الصيني جهاز الأمن القومي إلى بناء نظام متكامل “على امتداد السلسلة كلها” لحماية مصالح الصين في الخارج، وهو نظام سيستلزم على الأرجح توسيع قدراتها الاستخباراتية والدفاعية المنتشرة خارج حدودها. وتعني طبيعة الاعتمادات العالمية للصين أن هذا النظام لا يمكن أن يتوقف عند محيطها المباشر، بل يجب أن يستبق الأخطار في مناطق بعيدة مثل قناة بنما ومناجم وسط أفريقيا. وبالتوازي، يناقش مثقفون موالون للحزب ما إذا كان ينبغي للصين أن تراجع رسمياً التزامها مبدأ عدم التدخل. وهكذا وصلت دولة قامت على سردية مناهضة للإمبريالية إلى النقطة التي بات عليها فيها، ولو على مضض، أن تتحمل نصيباً أكبر من أعباء الدور الإمبراطوري.
في شريعة الغاب
وصف ماو ذات مرة الشبكة العالمية الواسعة من القواعد العسكرية الأميركية بأنها “أحبال المشنقة الملتفة حول عنق الإمبريالية الأميركية”، مؤكداً أنها ستورط واشنطن في نهاية المطاف وتستنزف قوتها حول العالم. ويبدو هذا الحكم، من بعض النواحي، نبوءة صائبة. فقد أقرت استراتيجية الأمن القومي التي أصدرها ترمب عام 2025 بواقع التمدد الأميركي المفرط، وسعت إلى تقليص التزامات البلاد وحصرها في مجموعة أضيق من المصالح الجوهرية. وجاء فيها: “لقد ولّى زمن اضطلاع الولايات المتحدة بحمل النظام العالمي كله على كتفيها كما لو كانت أطلس في الأسطورة اليونانية”.
رصد محللون داخل المؤسسة الأمنية الصينية هذا التغير في وقت مبكر من ولاية ترمب الثانية. ففي أغسطس (آب) 2025، نشر مركز الأبحاث التابع لوزارة أمن الدولة الصينية القوية مقالاً بعنوان “نهاية الغرب؟”. ويُعد “المعهد الصيني للعلاقات الدولية المعاصرة” وحدة هيكلية تابعة لوزارة أمن الدولة الصينية، وتعكس تقييماته التفكير الاستراتيجي للقيادة العليا في بكين كما تسهم في تشكيله. وذهب المقال إلى أن الغرب، ويقصد به الكاتب الكتلة الاستراتيجية التي تقودها الولايات المتحدة، بما في ذلك أوروبا وحلفاء آخرون، يدخل مرحلة من التراجع النسبي لا تتسم بانهيار فوري، بل بتآكل تماسكه الداخلي وشرعيته وسلطته القيمية والأخلاقية. ووفق هذه القراءة، مثلت عودة ترمب قطيعة بنيوية، دلّت على أن الولايات المتحدة مستعدة لتقويض تحالفاتها، وتهميش المؤسسات التي بنتها، واستخدام الأدوات الاقتصادية سلاحاً ضد الأصدقاء والأعداء على السواء.
لكن هذه القراءة لا تقتصر على نشوة انتصار عمياء. فخلف الثقة الظاهرة تكمن مخاوف جدية من أن التراجع المتوقع للقوة الأميركية لن يؤدي إلى انتقال منظم للنفوذ، بل إلى قوة عظمى متقلبة تزداد استعداداً لاستخدام قوتها الصلبة ما دامت قادرة على ذلك. ورداً على الحصار الأميركي لمضيق هرمز، حذر شي جينبينغ، كما فعل من قبل، من أن العالم يجب ألا يعود إلى “شريعة الغاب”. غير أن المؤسسة الأمنية الصينية توصلت بهدوء إلى حكم أكثر حسماً: إنها تعمل بالفعل داخل شريعة الغاب. وبينما كان تحذير شي يخدم غرضاً دبلوماسياً، إذ يسعى إلى تقديم الصين بوصفها النقيض القيمي لعدم الاستقرار العالمي، فإن التقييمات الرصينة الصادرة عن المؤسسة الأمنية ينبغي أن تُقرأ باعتبارها الأساس التحليلي لبكين وإطار سياستها المقبلة. وفي نظر القادة الصينيين، تؤكد أطماع ترمب في قناة بنما وغرينلاند وتدخلاته في فنزويلا وإيران أن عصر الفوضى قد حل، وأنه عصر يتطلب من الصين فرض نظام من صنعها.
في ديسمبر (كانون الأول) 2025، نشر تشن ييشين، وزير أمن الدولة، مقالاً توقع فيه “تحولاً تاريخياً” في موقع الصين العالمي، مصحوباً بمرحلة جديدة من الاضطراب والأخطار. فالفرص العديدة التي ترى بكين أنها تنشأ من الضعف الهيكلي للولايات المتحدة تقابلها أخطار مباشرة ناجمة عن استخدام إدارة ترمب القوة في الخارج، وتهديداتها بتصعيد الرسوم الجمركية، ومطالباتها الواسعة بأراضٍ وأصول استراتيجية حيوية. وخلصت تقييمات القيادة العليا في “المعهد الصيني للعلاقات الدولية المعاصرة” إلى النتيجة نفسها. ففي يناير (كانون الثاني)، نشر يانغ مينغجي، الرئيس المنتهية ولايته للمعهد، ورقة بحثية رأى فيها أن النظام الدولي دخل “مرحلة من الاضطراب العميق وإعادة الهيكلة”، تنصلت فيها الولايات المتحدة من مسؤوليتها عن الحفاظ على النظام القائم. وكتب أن هذه المرحلة الانتقالية ستتسم بالاضطراب والارتباك والفوضى، وستعقّد الوضع الأمني للصين إلى حد كبير. وفي مارس (آذار)، نشر خليفته فو شياو تشيانغ تحليلاً في مجلة “تشيوشي”، المجلة النظرية الرائدة للحزب، وصف فيه اللحظة الراهنة بأنها حقبة تاريخية جديدة من المواجهة المتصاعدة، ستُجبر الدول على السعي إلى قدر أكبر من الاستقلالية. وذكر فو صراحة أن الولايات المتحدة ستضطر إلى قمع صعود القوى الناشئة لحماية “هيمنتها الهشة”، وأن السياسة الخارجية عالمياً ستصبح أكثر “انغلاقاً وإقصاءً”، بما يترك مساحة أضيق للحوار بين القوى الكبرى.
هذه العبارات أكاديمية ومهذبة، لكنها ترقى إلى اعتراف بأن الصين تتحرك الآن في غابة لا تحكمها إلا قوانين القوة الغاشمة. وحين تتتابع هذه التقييمات الاستراتيجية عبر مفاصل البيروقراطية على هذا النحو، ولا سيما داخل هذه العُقد المهمة في جهاز الدولة الأمني، فإنها تتحول إلى افتراضات تشغيلية داخل النظام الصيني. وبكين الآن في طور التعبئة للرد.
إحكام السلسلة الأمنية
إن حجم انكشاف الصين في الخارج يجعل قلق مؤسستها الأمنية مفهوماً تماماً. فالصين هي أكبر دولة تجارية في العالم، ولديها آلاف الشركات العاملة في أكثر من 150 دولة، وملايين المواطنين الذين يعيشون ويعملون في الخارج، ويمتد برنامجها الضخم للاستثمار في البنية التحتية، المعروف باسم مبادرة الحزام والطريق، عبر مناطق مضطربة. وباتت هذه الإمبراطورية التجارية العالمية معرضة للخطر بفعل تهديدين متلازمين: انسحاب الولايات المتحدة من بعض المجالات، وتدخل واشنطن الفوضوي في مجالات أخرى.
رداً على ذلك، أصدر تشن، وزير الأمن، ما يرقى إلى أمر تعبئة، قائلاً: “في مواجهة الوضع الخطير المتمثل في التصاعد المستمر للمخاطر الأمنية التي تهدد مصالحنا في الخارج، يجب أن نبني منظومة لحماية الأمن الخارجي تغطي السلسلة بأكملها”. وخلال السنوات الأخيرة، عملت الصين على توسيع قدراتها لحماية استثماراتها في الخارج، بما في ذلك قواعدها البحرية في كمبوديا وجيبوتي، إلى جانب شبكة متنامية من الاتفاقات الأمنية الثنائية. وتضفي صياغة تشن هذه الاستراتيجية إلى إطار مؤسسي أوسع وأكثر إلحاحاً.
تشير عبارة “على امتداد السلسلة كلها” إلى بنية أمنية مترابطة، مصممة لاستباق الأخطار خارج حدود الصين ومنع حدوثها. وعلى المستوى العملياتي، يبدأ ذلك بتوسيع جمع المعلومات الاستخباراتية لتوفير إنذار مبكر في شأن “الاحتواء والقمع”، وهو التعبير الذي يستخدمه المسؤولون الصينيون لوصف الضغوط الاقتصادية والأمنية التي تقودها الولايات المتحدة ضد الصين، فضلاً عن تهديدات أخرى مثل عدم الاستقرار السياسي، والإرهاب، واستهداف المواطنين أو الشركات الصينية. ويمتد ذلك إلى تكامل أعمق مع الدول الأجنبية في مجالي الاستخبارات وإنفاذ القانون، بما يمكّن الصين من التنسيق مع الدول المستضيفة في مجالات الشرطة ومكافحة الإرهاب والاستجابة للأزمات. وقد أرسى تشن نفسه الأساس لهذا التوجه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، حين قام بجولة نادرة استغرقت 10 أيام في جنوب شرقي آسيا، التقى خلالها مع رؤساء دول وكبار مسؤولي استخبارات في كمبوديا وتايلاند وفيتنام، وتوصل إلى ما وصفته وزارة أمن الدولة بأنه “توافق واسع” في شأن التعاون الأمني والاستخباراتي. ولم تُعلن تفاصيل هذه الاتفاقات، لكنها على الأرجح تشمل توسيع تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتنسيقاً عملياتياً مشتركاً، ونشر مزيد من أصول وزارة أمن الدولة وأفرادها في المنطقة. وخلال تلك الجولة، تفقد تشن شركات ممولة من الصين ومشاريع تابعة لمبادرة الحزام والطريق.
وأخيراً، سيستلزم هذا الإطار الأمني على الأرجح حضوراً صينياً أكبر في الخارج، للتعامل بفاعلية مع الأخطار ونزع فتيلها عند ظهورها، وهو ما ألمح إليه تشن حين تعهد بتوفير “مرافقة آمنة” لمشاريع مبادرة الحزام والطريق. وقد يتخذ ذلك أشكالاً عدة، منها التوسع في استخدام شركات الأمن الخاصة التي تنشر عناصر سابقين في جيش التحرير الشعبي في الدول التي تستضيف مشاريع مهمة ضمن مبادرة الحزام والطريق، وممرات نقل، وأصولاً استراتيجية أخرى. وتفيد بعض التقارير بأن شركات أمن خاصة صينية نشرت، منذ عام 2025، أفراداً في مواقع على طول الممر الاقتصادي الصيني-الباكستاني لحماية العمال الصينيين والمصالح التجارية الصينية. وقد قاومت باكستان طويلاً وجوداً أمنياً صينياً رسمياً داخل حدودها، حتى مع تزايد استهداف الجماعات المسلحة للمشاريع الصينية في البلاد.
وكان مسؤولو الأمن في بكين واضحين في تحديد أنواع الأخطار التي تواجهها الصين، والرهانات الوجودية المرتبطة بها. فحملة شي جينبينغ للتحديث، وتعهده بجعل الصين “قوية”، وتصميمه على قيادة الثورة الصناعية المقبلة، كلها تعتمد على استمرار الوصول إلى الموارد والممرات التجارية التي قد تصبح عرضة للتعطيل في عالم يزداد اضطراباً. وفي مارس (آذار)، عبّر فو، الرئيس الحالي “للمعهد الصيني للعلاقات الدولية المعاصرة”، عن هذا القلق حين وصف المطامع الأميركية في قناة بنما وغرينلاند وميناء داروين بأنها تهدد “الممرات الاستراتيجية” التي تمثل “شرايين الحياة” للاقتصاد العالمي. وفي إشارة إلى معادن حيوية مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل والعناصر النادرة، كتب أن “تأمين هذه الموارد ضروري لدفع الثورة الصناعية قدماً”. أما تشن، فوصف التنافس بين القوى الكبرى في التكنولوجيا وسلاسل الإمداد المرتبطة بها بأنه دخل “أشد مراحل المواجهة المباشرة وجهاً لوجه ضراوةً وإرهاقاً وحسماً”. وبناء على هذا التشخيص، تبدو بكين مستعدة لتوسيع نطاق الاستراتيجيات الدفاعية والقسرية التي وصفها تشن في هذه المجالات الملحة والمحفوفة بالأخطار.
داء السلام
زادت حرب ترمب ضد إيران إلحاح هذا التعديل في المقاربة الصينية. فقد وسّع مفكرون بارزون في البيئة الفكرية للحزب دلالات الخطاب الرسمي لبكين. وبعد أيام من بدء الحملة الجوية الأميركية-الإسرائيلية، اقترح تشنغ يونغنيان، الأستاذ في الجامعة الصينية في هونغ كونغ وأحد المفكرين المؤثرين في الدوائر الحزبية، أن تراجع الصين مبدأ عدم التدخل لمصلحة ما سماه “التدخلية 2.0″، وهي صيغة تتيح تدخلاً قسرياً للدولة في الخارج في سيناريوهات معينة، بما في ذلك عمليات “إنفاذ قانون” عابرة للحدود تحت إشراف وزارة الأمن العام، ومن دون استبعاد استخدام القوة العسكرية.
ويستشهد تشنغ بالحملة التي شنتها الصين على عملية احتيال عبر الاتصالات في المناطق الحدودية المنفلتة من القانون بين كمبوديا ولاوس وميانمار، باعتبارها نموذجاً عملياً يثبت جدوى مفهوم “التدخل النشط”. غير أن هذه الحالة تكشف عن عقيدة أكثر صلابة مما يوحي به تقديمها كعملية تعاونية. فقد حققت بكين أهدافها عبر قوة عسكرية بالوكالة ودبلوماسية قسرية، وإن جرى ذلك تحت غطاء التعاون الثنائي في مجالي الشرطة وإنفاذ القانون. وفي سياق تصريحات تشنغ، وفي ضوء التدخلات الأميركية في إيران وفنزويلا، حيث تواجه الأصول الصينية أخطاراً حادة، يبدو نموذج “التدخل النشط” أقرب إلى دعم واسع النطاق للإجراءات التي تحقق لبكين النتائج التي تريدها، بما في ذلك الضغط السياسي والتنسيق الأمني واستخدام أدوات قسرية، من دون أن يصل ذلك إلى التزام بعمل عسكري مباشر، مع الاستناد إلى “التعاون الثنائي” لإضفاء الشرعية. وتظهر نسخة من هذا النموذج في دعم الصين للحرب الروسية في أوكرانيا.
وعلى رغم أن المحفزات التي اقترحها تشنغ للتدخل، من قبيل انتهاك الحكومات المضيفة للعقود، أو تهديد أطراف ثالثة للأصول الصينية مثل قناة بنما، أو عمل دول أجنبية بنشاط ضد المصالح الصينية، قد جرى تمييزها بعناية عن دوافع ما وصفه بمغامرات واشنطن على طريقة قطاع الطرق، فإن جوهر الحجة كان واضحاً: لم يعد في وسع الصين الحفاظ على موقف رسمي يقوم على الامتناع المبدئي عن التدخل، بينما تسعى في الوقت نفسه إلى الاستفادة من إعادة ترتيب موازين القوة العالمية، وتحصين نفسها من أخطار هذه العملية.
وقد أضفى جين كانرونغ، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة “رنمين” وأحد أبرز الصقور في الصين، بعداً أكثر حدة على هذه الحجة. فقد جادل جين منذ مدة بأن المجتمع الصيني يعاني ما يسميه “داء السلام”، أي نفور من الصراع متجذر عبر الأجيال، يراه نقطة ضعف استراتيجية لا فضيلة. وتكتسب حجته أهمية لأن جين استعار مفهوم “داء السلام” من شي جينبينغ، الذي استخدمه في خطاب أمام وفد عسكري عام 2018. وبحسب جين، نادراً ما رسخت القوى الصاعدة مكانتها من دون أن تُظهر، في مرحلة ما، تفوقها العسكري. وقد أشاد جين باستمرار بإظهار الصين قوتها، بما في ذلك بناء الجزر في بحر الصين الجنوبي، والاشتباك المسلح مع القوات الهندية في جبال الهيمالايا عام 2020، والمواجهات البحرية مع الفلبين حول سكند توماس شول. وفي رأيه، قد يؤدي تجنب مثل هذه الاحتكاكات في نهاية المطاف إلى تعريض طموحات الصين العالمية للخطر.
وفي اليوم الذي ضربت فيه القوات الأميركية إيران، أعاد جين نشر تحذير من حساب مرتبط بجيش التحرير الشعبي الصيني، دعا الشعب الصيني إلى الاستعداد للخطر. ودعا كل من يعاني “داء السلام” هذا إلى الاستيقاظ ومواجهة حقيقة أن البيئة الأمنية التي اعتادت عليها الصين ذات يوم تُستبدل الآن بنوع خطير من الفوضى. وخلص إلى القول: “السلام لا يمنحه الآخرون، بل يُنتزع بالقوة الذاتية. لقد أصبحت الحرب شائعة إلى حد بعيد في عالم اليوم، ومن المرجح أن تزداد في المستقبل… وفي هذه المرحلة، التشبث بعقلية سلمية عمياء، كالنعامة التي تدفن رأسها في الرمال، لن يؤدي إلا إلى إلحاق الضرر بنا وبالآخرين”.
لا يمثل تشنغ وجين العقيدة الرسمية الصينية، لكنهما ليسا شخصيتين هامشيتين أيضاً. فقد أدى تشنغ دوراً مهماً في إضفاء شرعية فكرية على سياسات استراتيجية كبرى، مثل دعم بكين للغزو الروسي لأوكرانيا، فيما انتشرت أفكار جين على نطاق واسع في وسائل الإعلام الحزبية. وفي الخطاب الصيني، غالباً ما تؤدي أصوات كهذه دوراً تمهيدياً على المستوى الفكري، تختبر وتستبق تحولات سياسية يدرسها المسؤولون الحكوميون فعلاً. وتشكل مجموعة الأفكار المتداولة الآن داخل المؤسسة الأمنية في بكين وحولها، من تعبئة تشن “على امتداد السلسلة كلها”، إلى “التدخلية 2.0″ لدى تشنغ، و”داء السلام” عند جين، حجة متماسكة يعزز بعضها بعضاً، مفادها أن عصر الفوضى الراهن يتطلب من بكين أن تشكل بيئتها الأمنية الدولية وتسيطر عليها. فالقضية لم تعد ما إذا كان ينبغي للصين أن تتدخل في الخارج، بل متى تفعل ذلك، وكيف، وتحت أي ذرائع تضفي الشرعية على تدخلها.
منطق الإمبراطورية
يثير المنطق الكامن وراء التعبئة التي لوّح بها المفكرون الصينيون سؤالاً يمس صميم هوية الصين: هل تستطيع بكين حماية مصالحها المتنامية في الخارج من دون أن تتحول إلى ذلك النوع من القوى التدخلية الذي لطالما عرّفت نفسها في مواجهته؟
لقد واجهت الولايات المتحدة سؤالاً مشابهاً ذات يوم. فقد صُممت “عقيدة مونرو”، التي أعلنتها واشنطن عام 1823، في الأصل كأداة مناهضة للإمبريالية لإبقاء نصف الكرة الغربي بمنأى عن التدخل الاستعماري الأوروبي. لكن مع توسع المصالح الأميركية العالمية، تطورت العقيدة نفسها. ففي عام 1904، أكد ملحق الرئيس ثيودور روزفلت بالعقيدة حق واشنطن في التدخل في دول أميركا اللاتينية لتحقيق الاستقرار فيها بما ينسجم مع المصالح الأميركية، محولاً فعلياً إعلاناً مناهضاً للإمبريالية إلى بنية لإمبراطورية غير رسمية.
القضية لم تعد ما إذا كان ينبغي على الصين أن تتدخل في الخارج، بل متى تفعل ذلك وكيف.
راقبت بكين كيف منحت البنية التحتية العسكرية العالمية لواشنطن الولايات المتحدة ميزة هائلة، لكنها في الوقت نفسه بددت هيبتها ومواردها في حروب لم تحقق سوى فائدة استراتيجية محدودة، لا سيما في الشرق الأوسط، حيث أدى عقدان من التدخل إلى زعزعة الاستقرار، وارتدادات عكسية، وتآكل صدقية الولايات المتحدة. ومع انتقال بكين، اسماً أو فعلاً، إلى موقف أكثر تدخلاً، فإنها ستسعى إلى التعلم من أخطاء التجربة الأميركية.
ومن المرجح أن تحاول بكين المضي قدماً، قدر الإمكان، تحت غطاء التعاون الثنائي أو المتعدد الأطراف، لتجنب مقارنتها بالسياسة الأميركية المتهورة والمستهترة. لكن هذا الغطاء لا يوفر سوى حماية جزئية. فالمثال الأميركي يبيّن أن حتى التدخلات غير المباشرة تولّد استياءً لاحقاً، وتبعيات مستمرة، والتزامات مصدرها الصدقية. والأكثر إلحاحاً أن أزمة تشمل مواطنين صينيين، أو مورداً استراتيجياً حيوياً، أو دولة عميلة آخذة في الانهيار، قد تجبر بكين على التحرك قبل أن يتوافر أي غطاء دبلوماسي. وبأي شكل جاء، يميل التدخل إلى التصعيد: فالمصالح تتطلب حماية، والحماية تتطلب حضوراً، والحضور يستدعي مقاومة، والمقاومة تتطلب مزيداً من الحماية. هذه الآلية هي التي تحرك الآلة الإمبراطورية، وتقود إلى تشابكات خطيرة محتملة وإلى تمدد مفرط.
وصف ماو القواعد العسكرية الأميركية بأنها أحبال المشنقة التي ستخنق الإمبراطورية الأميركية في نهاية المطاف. لكن بينما تمضي بكين في التمدد خارجاً، قد تكتشف أن مصالحها العالمية تتحول إلى شرك من صنع يديها.
ترجمة عن “فورين أفيرز” 14 مايو (أيار) 2026
سام تشيتوين جورج زميل وباحث أول في مركز العلاقات الأميركية – الصينية التابع لجمعية آسيا.
