ما يجب الإقرار به قبل أيّ قراءة أو تفصيل أو نظر في ما ستؤول إليه مقرّرات البيان المشترك، هو أنّ وزيرَي خارجيّة الأردن وسوريا، أيمن الصفدي وأسعد الشيباني، تمكّنا من نزع فتيل الفتنة بين البلدين الجارين الشقيقين، الأردن وسوريا.
مصادر سوريّة مطّلعة أشارت لـ”أساس” إلى أنّ الوزيرين الصفدي والشيباني وضعا خارطة طريق للانتقال من التفاهم السياسيّ إلى خطوات تنفيذيّة واضحة تأتي على الشكل التالي:
1- إعلان نتائج التحقيق المشترك ضمن إطار شفّاف، وتحديد المسؤوليّات والثغرات التي رافقت العمليّات الأخيرة، بما يساعد على منع تكرار سقوط ضحايا مدنيّين.
2- اعتماد بروتوكول أمنيّ مشترك ينظّم تبادل المعلومات بشأن التهديدات الإرهابيّة، ويحدّد قنوات الاتّصال المباشر وإجراءات التنسيق في الحالات الطارئة. ومن شأن ذلك أن يتيح للأردن حماية أمنه، مع تعزيز قدرة الدولة السوريّة على ممارسة سيادتها على أراضيها.
3- معالجة تداعيات الحادثة الإنسانيّة، ومساعدة المتضرّرين، ومنع توظيف الخلاف في تصعيد سياسيّ أو إعلاميّ يضعف فرص التفاهم. كما ينبغي عدم السماح للأزمة بتعطيل المشاريع الاقتصاديّة المشتركة، بل جعل التعاون الاقتصاديّ أحد الضمانات العمليّة لاستقرار العلاقة.
في هذا السياق، لا يمكن قراءة البيان المشترك الصادر عن وزيرَي خارجيّة الأردن وسوريا، بمعزل عن التطوّرات الأمنيّة التي أعادت التوتّر إلى العلاقات بين عمّان ودمشق، بعد الغارات الأردنيّة التي استهدفت مواقع محسوبة على “داعش” في جنوب سوريا، في أعقاب الهجوم الدامي على كنيسة في مدينة الكرك الأردنيّة. البيان لا يقتصر على محاولة احتواء تداعيات حادثة عسكريّة، بل يطرح اختباراً جدّياً لقدرة البلدين على التوفيق بين متطلّبات الأمن الوطنيّ، واحترام السيادة، ومنع انزلاق الخلاف إلى أزمة سياسيّة وأمنيّة أوسع.
تكمن أهميّة الخطوة في أنّها جاءت في لحظة دقيقة تتداخل فيها التحدّيات الأمنيّة على جانبَي الحدود، مع مساعي البلدين لبناء علاقة استراتيجيّة تقوم على التعاون والتنسيق، بعد سنوات طويلة من الاضطرابات التي شهدتها سوريا والمنطقة. الأردن ينظر إلى أمن حدوده الشماليّة باعتباره جزءاً أساسيّاً من أمنه الوطنيّ، فيما تواجه دمشق تحدّيات تتّصل ببسط سلطتها على أراضيها، ومنع استخدام الأراضي السوريّة منصّة لتهديد دول الجوار.
كسر دائرة التّصعيد
نصّ الاتّفاق على إنشاء لجنة أمنيّة مشتركة تتولّى الوقوف على تفاصيل العمليّات العسكريّة الأردنيّة الأخيرة وتداعياتها، والعمل على تطوير آليّات التنسيق الميدانيّ والاستخباريّ لمواجهة التهديدات الإرهابيّة وحماية المدنيّين. وقد أعرب الجانب الأردنيّ عن أسفه العميق لسقوط ضحايا مدنيّين، مؤكّداً احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها.
أهمّيّة الخطوة أنّها تنقل التعامل مع الأزمة من تبادل المواقف والاتّهامات إلى مسار مؤسّساتيّ يمكن أن يتيح التحقّق من الوقائع، وتحديد المسؤوليّات، ومعالجة الثغرات التي أدّت إلى التصعيد. وهو ما بدأ باستدعاء وزارة الخارجية السورية للسفير الأردني في دمشق سفيان القضاة، وتسليمه احتجاجاً على الغارة الجوية التي استهدفت درعا. فالمشكلة لا تكمن فقط في وقوع الضربات، بل أيضاً في غياب التنسيق المسبق الذي تقول دمشق إنّه لم يحصل، وما يثيره ذلك من مخاوف بشأن تكرار العمليّات العسكريّة داخل الأراضي السوريّة.
لن يُقاس نجاح اللجنة بمجرّد إعلان تشكيلها، بل بقدرتها على الوصول إلى نتائج واضحة، ووضع قواعد عمليّة تمنع تكرار الحوادث المشابهة، وتضمن التعامل مع التهديدات العابرة للحدود من خلال قنوات اتّصال مباشرة وموثوقة.
تواجه عمّان ودمشق معادلة دقيقة. من حقّ الأردن اتّخاذ الإجراءات اللازمة لحماية مواطنيه من التهديدات الإرهابيّة، لكنّ معالجة هذه التهديدات لا يمكن أن تنفصل عن احترام سيادة الدولة السوريّة، ولا عن ضرورة حماية المدنيّين الذين يدفعون غالباً ثمن المواجهات العسكريّة.
زادت الخسائر البشريّة التي رافقت الغارات من حساسيّة الموقف، خصوصاً مع إعلان السلطات السوريّة مقتل سبعة مدنيّين في درعا والسويداء، بينهم نساء وأطفال، في حين تحدّث الجانب الأردنيّ عن استهداف مواقع لتنظيم “داعش” بناءً على معلومات استخباريّة تتعلّق بتهديدات وشيكة. هذا التباين يجعل التحقيق المشترك ضرورة لتوضيح الوقائع، وليس مجرّد إجراء دبلوماسيّ لامتصاص الغضب.
في هذا السياق، قد يشكّل البيان فرصة لإرساء قواعد جديدة للتعامل مع المخاطر الأمنيّة تقوم على تبادل المعلومات والتحقّق من الأهداف وتحديد آليّات الاستجابة السريعة، بما يمنع تحوّل أيّ تهديد أمني إلى مواجهة بين الدولتين. كما أنّ إظهار نتائج التحقيق بشفافيّة من شأنه تعزيز الثقة المتبادلة وطمأنة الرأي العامّ، ولا سيما أهالي الضحايا.
مصالح مشتركة تفرض التّنسيق
لا تنحصر الأزمة الحاليّة في الغارات الأخيرة، بل ترتبط بتحدّيات أمنيّة أوسع تشمل نشاط الجماعات المتطرّفة وتهريب المخدّرات والأسلحة عبر الحدود. وهي ملفّات يدرك الطرفان أنّ التعامل معها بصورة منفردة لن يحقّق نتائج مستدامة، خصوصاً في ظلّ الطبيعة المتشابكة للشبكات العابرة للحدود.
على خلفيّة ذلك، من الضروريّ أن تتحوّل اللجنة الأمنيّة المشتركة إلى إطار دائم للتعاون، لا إلى آليّة ظرفيّة لمعالجة حادثة محدّدة. ويتطلّب ذلك تبادل المعلومات بصورة منتظمة، وتعزيز الرقابة الحدوديّة، وتطوير وسائل الإنذار المبكر، وتحديد إجراءات واضحة للتعامل مع أيّ تهديد محتمل، مع إخضاع العمليّات التي قد تمسّ الأراضي السوريّة للتنسيق بين الجانبين.
كذلك لا يمكن إغفال البعد الاقتصاديّ. فاستقرار الحدود شرط أساسيّ لاستمرار حركة التجارة والنقل بين البلدين، ولتطوير المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة والمياه والأمن الغذائيّ. وكان الوزيران قد أكّدا، في مباحثاتهما السابقة في العقبة في 22 تشرين الأوّل، أهميّة متابعة هذه المشاريع والاستعداد لاجتماع مجلس التنسيق الأعلى الأردنيّ السوريّ المقرّر في دمشق يومَي 8 و9 تشرين الثاني 2026.
عليه فإنّ احتواء الأزمة الأمنيّة لا يخدم العلاقات السياسيّة وحدها، بل يحمي أيضاً المصالح الاقتصاديّة والاجتماعيّة للبلدين، ويمنع انعكاس التوتّر على حركة العبور والتبادل التجاريّ وحياة السكّان في المناطق الحدوديّة.

