احتفل العراق الرسميّ والفصائليّ، في الثلاثين من أيلول الماضي، بيوم “السيادة” و”الجلاء”، بعد إعلان الإدارة الأميركيّة وقيادة التحالف الدوليّ انتهاء عمليّة خروج وانسحاب آخر جنديّ أميركيّ ودوليّ من العراق، وتسليم المنشآت والقواعد العسكريّة إلى الجانب العراقيّ.
الانسحاب، الذي سعت الحكومة العراقيّة والفصائل المسلّحة والميليشيات إلى إظهاره وكأنّه إنجاز وطنيّ، جاء في سياق تنفيذ الولايات المتّحدة الأميركيّة، التي تقود التحالف الدوليّ، التزاماتها وفق الجدول الزمنيّ الذي تمّ الاتّفاق عليه مع حكومة رئيس الوزراء السابق محمّد شيّاع السودانيّ في الرابع والعشرين من أيلول عام 2024، لإنهاء مهامّ قوّات التحالف الدوليّ، وكجزء من اتّفاق الإطار الاستراتيجيّ الموقّع بين الطرفين عام 2009، في عهد رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكيّ.
السّلاح: تفاهمٌ بلا حسم
على الرغم من الجهود التي بذلتها الإدارة الأميركيّة، من خلال توم بارّاك، المبعوث الخاصّ للرئيس دونالد ترامب الذي أوكل إليه الملفّان العراقيّ والسوريّ، للربط بين انسحاب التحالف الدوليّ والتزام حكومة بغداد بإنهاء ملفّ سلاح الميليشيات والفصائل المسلّحة خارج إطار الدولة، فإنّ التعقيدات التي رافقت الخطوات التمهيديّة لتنفيذ الحكومة التزاماتها، نتيجة الضغوط التي مارستها بعض الفصائل بدعم إيرانيّ واضح، ورفضها تسليم السلاح وربطها ذلك بشروط أوسع من مجرّد الانسحاب الأميركيّ، دفعت الإدارة الأميركيّة إلى التراجع والقبول بمسار زمنيّ “ضبابيّ” لمعالجة هذا السلاح، على أن تنتهي معالجته في حزيران من العام المقبل 2027.
رئيس الحكومة العراقيّة عليّ الزيديّ، الذي رأسَ احتفاليّات “يوم السيادة”، سبق أن خاض نقاشات وحوارات مع قادة الفصائل المستهدفة في عمليّة حصر السلاح، وهي “حركة النجباء”، “كتائب الحزب العراقيّ”، “كتائب سيّد الشهداء”، “أنصار الله الأوفياء”، “عصائب أهل الحقّ”، و”كتائب الإمام عليّ”.
انتهت هذه النقاشات إلى تفاهم مدعوم من قادة “الإطار التنسيقي” الشيعيّ حول الآليّات والجداول الزمنيّة لإنهاء هذه الأزمة، من دون السماح بتحوّلها إلى صراع داخل المكوّن الشيعيّ، أو بين هذه الفصائل من جهة والحكومة من جهة أخرى. وقد أثمرت هذه الجهود أيضاً عن إعلان غالبيّة هذه الفصائل فكّ الارتباط بأجنحتها العسكريّة واعتبارها جزءاً من قوّات “هيئة الحشد الشعبيّ”.
شروط الدّاخل ورسائل الخارج
في خطابه بعد احتفاليّة “يوم السيادة”، حدّد الزيديّ بنود “خريطة الطريق” لمرحلة ما بعد الانسحاب الأميركيّ، وكيفيّة التعامل مع الملفّ الأمنيّ وإنهاء السلاح خارج الدولة. وهي بنود تبدأ بإقفال ملفّ انسحاب القوّات القتاليّة للتحالف الدوليّ، وتشمل غالبيّة الملفّات التي وضعتها الفصائل شروطاً للتعاون مع الحكومة في مسألة حصريّة السلاح بيد الدولة، وبنودها هي:
1 ـ انسحاب القوّات التركيّة من المواقع والقواعد التي توجد فيها في مناطق شمال العراق ومحيط نينوى، بالإضافة إلى تفكيك أيّ وجود لحزب العمّال الكردستانيّ (PKK)، وإنهاء وجود الجماعات المسلّحة الأجنبيّة على الأراضي العراقيّة. وهذا يصبّ في إطار معالجة المخاوف التركيّة من أيّ نشاط قد تقوم به هذه الجماعات.
2 ـ توحيد قوّات البيشمركة الكرديّة، بما يعزّز وحدة القرار الأمنيّ والعسكريّ. وهذا يفتح الباب أمام إمكانيّة بروز إشكاليّة في العلاقة بين بغداد والحكومة الاتّحاديّة من جهة، وحكومة إقليم كردستان من جهة أخرى، حول مرجعيّة السلطة على هذه القوّات، خاصّة أنّ إربيل بدأت مسار توحيد إمرة هذه القوّات وإنهاء الازدواجيّة بين إربيل والسليمانيّة، ووضعها تحت إشراف وزارة البيشمركة.
3 ـ إنهاء وجود أيّ معارضة أجنبيّة مسلّحة على الأراضي العراقيّة، وعدم السماح باستخدام العراق منطلقاً للاعتداء على دول الجوار. وهذه النقطة، بالإضافة إلى معالجتها للمخاوف التركيّة، تلبّي أيضاً المخاوف الإيرانيّة التي ضغطت على بغداد وإربيل لإنهاء نشاط الأحزاب الكرديّة المعارضة في الإقليم، والتي تتّهمها بالعمل مع واشنطن وتل أبيب لإثارة الفوضى في الداخل الإيرانيّ وتهديد وحدة الأراضي الإيرانيّة.
من المفترض أن تعالج النقطة الثالثة أيضاً الأنشطة على الأراضي العراقيّة التي تقوم بها جماعة “أنصار الله” الحوثيّة، التي تنشط في ظلّ حماية بعض الفصائل المسلّحة الموالية لإيران، ولا سيما أنّ الهجمات الأميركيّة والسعوديّة التي حصلت في 29 تمّوز الماضي على مقرّات هذه الفصائل أدّت إلى مقتل قياديّ من هذه الجماعة، إلى جانب خمسة ضبّاط من “قوّة القدس” في الحرس الثوريّ الإيرانيّ. وبالتالي، تشكّل هذه الفقرة مدخلاً لتوجيه رسالة طمأنة إلى الدول الخليجيّة بشأن جدّيّة الحكومة العراقية والتزامها التصدّي لأيّ تهديد قد تتعرّض له انطلاقاً من الأراضي العراقيّة.
4 ـ بناء منظومة دفاع جوّيّ متكاملة، بما يعزّز قدرة العراق على حماية أجوائه وسيادته.
الدّولة العراقيّة تستوعب السّلاح ولا تنزعه
ربّما أخطر ما في “خريطة الطريق” هذه، التي سمّاها الزيديّ “مرحلة السيادة التي تحميها الدولة”، هو ما جاء فيها عن الآليّة التي ستعتمدها الحكومة في ضبط ملفّ السلاح، على أن تكون وفقاً للدستور والقانون، وحسب الجدول الزمنيّ المتّفق عليه لمعالجة أوضاع الفصائل وإدماجها ضمن مؤسّسات الدولة.
الاتّفاق على أن يكون الحلّ وفق الدستور والقانون يعني أنّ التعامل مع سلاح الفصائل لا يندرج تحت مسمّى حصر السلاح، أو حتّى تنظيم السلاح. وهذه الصيغة الضبابيّة والفضفاضة تسمح للفصائل بالتملّص من الاتّفاق، أو فرض القراءة والرؤية التي تريدها بما يخدم مصالحها، ويتيح لها الاحتفاظ بقدراتها العسكريّة والعودة إلى استخدامها في التوقيت الذي تراه مناسباً، وبما يخدم التزاماتها العقائديّة والأيديولوجيّة والسياديّة.
كما أنّ الاندماج الذي تحدّث عنه الزيديّ لن يكون ضمن صنوف القوّات العسكريّة التابعة لوزارتَي الدفاع والداخليّة، بل في إطار تشكيلات “الحشد الشعبيّ”، التي تخضع مباشرة لإمرة القائد العامّ للقوّات المسلّحة، بالتوازي مع قوّات الوزارتين المذكورتين.
