اتّهم الناشط السياسيّ والإعلاميّ اليهوديّ الأميركيّ رافائيل شيمونوف الرئيس الأميركيّ الأسبق بيل كلينتون بتقديم رواية غير دقيقة بشأن مسؤوليّة الرئيس الفلسطينيّ الراحل ياسر عرفات عن فشل مفاوضات السلام عام 2000، مستشهداً بمواجهة تلفزيونيّة قديمة اعترض خلالها مستشار الأمن القوميّ الأميركيّ الأسبق زبيغنيو بريجنسكي على الرواية التي تحمّل عرفات مسؤوليّة ضياع فرصة تاريخيّة لإقامة دولة فلسطينيّة.
أعاد شيمونوف نشر المقطع على منصّة “إكس” في 8 تشرين الأوّل 2026، بعد نحو شهر من مقابلة دافعت فيها وزيرة الخارجيّة الأميركيّة السابقة هيلاري كلينتون عن موقف زوجها أمام جو سكاربورو، مقدّم برنامج “مورنينغ جو”، وهو المذيع نفسه الذي واجهه بريجنسكي عام 2008، متّهماً إيّاه بامتلاك معرفة “سطحيّة بصورة مذهلة” بتفاصيل المفاوضات.
في تعليقه على المقطع، دعا شيمونوف إلى وضع حدّ لما وصفه بأنّه “أسطورة متحيّزة ضدّ الفلسطينيّين”، في إشارة إلى الرواية التي يكرّرها بيل كلينتون، ومفادها أنّ عرفات رفض عرضاً لإقامة دولة فلسطينيّة، ما أدّى إلى ضياع فرصة لتحقيق السلام. واستند شيمونوف إلى شهادة بريجنسكي للطعن في هذه الرواية، معتبراً أنّ مستشار الأمن القوميّ السابق كان مطّلعاً على مجريات المفاوضات. وفي المقطع، رفض بريجنسكي القول إنّ عرفات انسحب من المفاوضات، مؤكّداً أنّها استمرّت بعد قمّة كامب ديفيد، خلافاً لما كان يردّده سكاربورو عن ضياع فرصة السلام بسبب الموقف الفلسطينيّ.
لماذا أعادت هيلاري فتح ملفّ عرفات؟
في 10 أيلول 2026، استضاف برنامج “مورنينغ جو” هيلاري كلينتون في مقابلة تناولت الانتخابات النصفيّة الأميركيّة، والحرب مع إيران، والذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 أيلول، وتداعياتها على السياسة الخارجيّة الأميركيّة. وخلال النقاش، انتقل سكاربورو إلى مواقف التيّار اليساريّ داخل الحزب الديمقراطيّ من إسرائيل، ولا سيما مواقف منظّمة “الاشتراكيّين الديمقراطيّين الأميركيّين”، وإلى الانتقادات الموجّهة إلى آل كلينتون بشأن سياساتهما تجاه الفلسطينيّين.
في هذا السياق، ذكّر سكاربورو هيلاري بأنّها كانت من أوائل الشخصيّات السياسيّة الأميركيّة التي دعت إلى حلّ الدولتين، قبل أن يستعيد مواجهته مع بريجنسكي، الذي اعترض على رواية مفادها أنّ إدارة بيل كلينتون عرضت على الفلسطينيّين معظم ما طالبوا به، بما في ذلك إقامة عاصمة لهم في القدس الشرقيّة، ومنحهم السيادة على 97 في المئة من الضفّة الغربيّة، مع تبادل للأراضي. ثمّ طلب من هيلاري توضيح الجهود التي بذلتها هي وزوجها لتحقيق السلام.
هيلاري تدافع عن رواية زوجها
أيّدت هيلاري رواية سكاربورو، قائلة إنّ زوجها أقنع رئيس الوزراء الإسرائيليّ آنذاك إيهود باراك بتقديم عرض لإقامة دولة فلسطينيّة، وإنّ عرفات أعطى تطمينات متكرّرة بأنّه سيوافق عليه، لكنّه تراجع مع اقتراب انتهاء ولاية كلينتون.
بريجنسكي عن الرّواية: “شعارات وليست حقائق”
في 30 كانون الأوّل 2008، استضاف سكاربورو بريجنسكي في برنامجه لإجراء نقاش حول الصراع الفلسطينيّ الإسرائيليّ. وخلال الحوار، قال سكاربورو إنّ بيل كلينتون قدّم للفلسطينيّين كلّ ما كانوا يريدونه، لكنّ عرفات رفض أفضل اتّفاق كان يمكنهم الحصول عليه. فردّ بريجنسكي بحدّة، واصفاً معرفة المذيع بتفاصيل المفاوضات بأنّها “سطحيّة بصورة مذهلة، إلى حدّ يكاد يجعل الاستماع إليه محرجاً”.
عندما أصرّ سكاربورو على موقفه، رفض بريجنسكي التعامل مع ما يردّده باعتباره حقائق ثابتة، قائلاً: “إنّها آراء وشعارات”. وشدّد على أنّ عرفات لم ينسحب من عمليّة السلام، بل قال إنّه سيعرض المقترحات على العواصم العربيّة لاستطلاع مواقفها، نظراً إلى طبيعتها الخلافيّة. واستشهد باستمرار الاتّصالات والمفاوضات بعد قمّة كامب ديفيد، وصولاً إلى محادثات طابا في كانون الثاني 2001.
مع ذلك، لم يُعفِ بريجنسكي عرفات من المسؤوليّة عن بعض الأخطاء، معتبراً أنّه أساء التصرّف عندما ترك انطباعاً بأنّه يرفض المقترحات، في حين كان يحاول كسب الوقت.
في تفسيره لكيفيّة ترسّخ الرواية التي تحمّل عرفات مسؤوليّة إخفاق المفاوضات، ربط بريجنسكي بين التغطية الإعلاميّة الأميركيّة والحسابات الانتخابيّة في الولايات المتّحدة وإسرائيل. وأوضح أنّ المعلومات التي تلقّاها الصحافيّون كانت تأتي أساساً من إحاطات يهيمن عليها الجانبان الأميركيّ والإسرائيليّ، فيما جرت أجزاء واسعة من المفاوضات شفهيّاً، من دون توافر وثائق مكتوبة كافية، الأمر الذي أتاح تقديم تفسيرات متباينة لما حدث.
لفت بريجنسكي إلى أنّ إيهود باراك وأرييل شارون استغلّا المفاوضات بطرق مختلفة، وأنّ المرشّح الديمقراطيّ للرئاسة آل غور كان حريصاً على تجنّب الخلاف مع الإسرائيليّين خلال حملته الانتخابيّة. واعتبر أنّ التبسيط الإعلاميّ للقضايا المعقّدة قد يتجاوز حدود الاختزال، ليتحوّل إلى تشويه للوقائع.
