علي حسين….جريدة المدى
عندما جلس الرجل البالغ آنذاك ثمانية وأربعين عاماً على كرسي الرئاسة، كانت أول الكلمات التي اتخذها منهجاً لحكمه هي: “لا قيمة للمال إذا لم يُسخَّر لخدمة الناس”، وكان يرى أن “الحاكم الذي يوضع في السلطة ليحمي مصالح الشعب، سيكون دون قيمة إذا عاش لنفسه، وسخَّر ثروات البلاد لمصالحه الذاتية”. بهذه العبارات بدأ الشيخ زايد في مثل هذه الأيام قبل 60 عاماً، رحلته مع الحكم والعمران.
كان القرار أن يبني في عمق الصحراء، بلاداً للمستقبل، تتحول فيها الرمال ومياه البحر إلى شوارع تشعُّ عملاً ومثابرةً وناطحات سحاب وحدائق ومدارس وجامعات ومستشفيات ومتاحف وأحلاماً أخرى تتولد كل يوم، وليثبت لنا أن الإنسان العربي قادر على منافسة العالم المتطور.
لم يكن يحب الشعارات والخطب الطويلة، فهو يعشق الهدوء والحكمة وتنمية المدن، وطوال مسيرته السياسية لم يظهر واقفاً على منصة ينتظر الهتافات، قدَّم إلى مواطنيه نموذجاً مزدهراً من خلال العمل، ظل يؤمن حتى اللحظة الأخيرة من حياته أن وقت المسؤول ملك للناس، فإما أن يمضيه في العمل ورفع شأن البلاد، وإما أن يقضيه في صراع مع الأوهام. فاختار ثلاثية “العمل والحكمة والسعادة” لبناء وطن يتسع للجميع.
على مدى سنوات حكمه التي تجاوزت الثلاثة عقود ورغم النهضة الكبيرة التي شهدتها الإمارات، ظل الشيخ زايد يردد: “ما زلنا في بداية الطريق”، فقد كان يؤمن أن ما حدث في الإمارات هو بداية الطريق لانطلاقات أكبر وأنجح.
تخلصت الإمارات من مقرات الشعارات الرنانة ودكاكين السياسة الزائفة، لتنشئ بدلاً منها الشركات والجامعات ومتاحف الفنون والمكتبات، تتحول الصحراء إلى مدن بشوارع تشع سعادة وأحلام متواصلة تُصبح بفضل حكمة الشيخ إلى حقائق.
قبل 60 عاماً كان العراق آنذاك يقدم خبراته إلى الجميع، وعقوله تسعى لتعمير البلدان، وبعد ستة عقود تحولت الإمارات إلى ورشة للعمل، فيما لا يزال العراق حائراً في عدد الأحزاب وتوزيع مقاعد برلمانه “العتيد” بين الطوائف.
60 عاماً أثبتت للعالم أن هناك طريقين للحكم: طريق تعيش فيه البلاد في ظل نظام طبيعي عادي ليس فيه شعارات وحروب، وطريق تتبدد فيه الثروات مثلما تتبدد فيه مصائر الناس، وقد اختار الشيخ زايد للإمارات العيش في نظام يحترم الحياة.
الذين يقلبون صفحات سيرة الشيخ الراحل، سيدركون قضية جوهرية خلاصتها: لكي تبقى ذكراك ساطعة في نفوس أبناء بلدك، عليك أن تحررهم من العوز والخوف من المجهول، وأن يحجز المواطن مكاناً له في مستقبل البلاد .
كان الهدف الذي عاش الشيخ زايد بن نهيان لأجله: العمل من اجل حياة أفضل للمواطنين ، وبث السعادة في نفوس المواطنيين ، واعلاء شأن الحكمة .