علي حسين…جريدة المدى
سيظل كتاب العلامة المرحوم علي الوردي “وعاظ السلاطين” أول وأجرأ أسئلة علي الوردي التي واجه فيها فرسان الطائفية في محاولة لتفسير التاريخ من خلال الحكايات والموروثات التي ترسخت في أذهان الملايين، عبر مئات السنين، وفي فهم ما يجري وسيحدث مستقبلاً في العراق، وهذا سر شهرة هذا الكتاب وخلوده؛ فرغم مرور أكثر من نصف قرن على صدوره، إلا أنه لا يزال يثير اهتمام القراء.
وكما قال الوردي مرةً في أحد حواراته إن: “الهدف من الكتاب هو تصوير ماذا ستفعل حكايات الطائفية لو أصبحت جزءاً من حياة الناس اليومية.. كنت أسأل بعض رجال الدين، هل تريدون السير في طريق الإصلاح أم العيش في الماضي؟”.
يكتب علي الوردي في وعاظ السلاطين: “وما دام السلطان الظالم محاطاً بالفقهاء والوعاظ، وهم يؤيدونه فيما يفعل ويدعون له بطول البقاء، فمتى يستطيع أن يحس بأن هناك أمة ساخطة أو إلهاً مهدداً؟”.
هذا ما يجعل الوردي، وهو ينحاز إلى المواطن البسيط المبتلى بفرسان الطائفية ووعاظها، يضيف إلى قدراته كمؤرخ ميزة أخرى هي الجمع بين المؤرخ ورجل التنوير. وبين التعرف على خزعبلات التاريخ الذي يصر الآن معظم الساسة على أن نبقى نعيش فيه ولا نغادر حوادثه، وبين المستقبل الذي لا يمكن الدخول إليه بلباس طائفي وعقول تعيش في القرن الأول الهجري.. ولهذا سيظل كتاب وعاظ السلاطين أقرب نبوءات علي الوردي للعراقيين.
وهذا ما يمكن أن نحذر منه اليوم.. وعاظ الطائفية الذين يصرون على أن نعيش في ظل أزمات لا تنتهي والذين وجدوا في تحقير الآخر والنيل منه مهمة مقدسة. وأن نظل نتساءل: لماذا أصبحت الطائفة أهم وأقوى من الوطن؟ ولماذا يصرّ الساسة على ترسيخ منطق الجماعات بدلاً من المواطنين؟
بعد ما يقارب السبعين عاماً على صدور كتاب “وعاظ السلاطين”، يخرج علينا نموذج حديث من وعاظ السلاطين ليخبرنا أن العراقيين لا يحتاجون الكهرباء ولا التنمية ولا الاستقرار، ماذا يحتاجون يا شيخ إذاً؟ يجيبك بكل أريحية: الحرب وعليهم أن لا يتركوا السلاح، فيما واعظ آخر يقول إن الفساد أهون من الفوضى فحافظوا على مسؤوليكم حتى وإن كانوا فاسدين.. وشيخ يجد في محاسبة الفاسدين إساءة للعملية السياسية في العراق ويجب أن تتوقف، تعددت منابر وعاظ السلاطين والخطاب واحد: إياكم والاقتراب من حيتان الفساد.
أيها السادة، اليوم نحن بحاجة إلى صرخة شبيهة بصرخة علي الوردي؛ لأن الشعوب التي ترهن مصائرها بوعاظ السلاطين، شعوب لن تذهب إلى المستقبل، وستظل مستنقعات الفساد والطائفية تحيط بها من كل جانب، وتظهر إلى العلن في الفضائيات، كلما خرج علينا أحد وعاظ نسخة 2026.