
إمراة غجرية بريشة جان فرانسوا رافايللي (صفحة الرسام – فيسبوك)
ملخص
حياة الغجر في القرن الـ20 هي السؤال الذي تتمحور حوله الأحداث في رواية “الشقيقة القمر” للروائية الإيرلندية لوسيندا رايلي، الصادرة عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر في بيروت، بترجمة أسامة أسعد. وهي الحلقة الخامسة من سلسلة “الشقيقات السبع” التي كتبتها، وحظيت بشهرة واسعة حول العالم، وحازت الجائزة البلاتينية الهولندية للرواية الأكثر مبيعاً في عام واحد، وهي الجائزة نفسها التي منحت لسلسلة هاري بوتر.
تتناول الإيرلندية لوسيندا رايلي في رواية “الشقيقة القمر” نمط حياة الغجر في إسبانيا بين عامي 1912 و2008، وهو يقوم على الإقامة في الكهوف، والتواصل مع الأرض، والتداوي بالأعشاب، والتناغم مع الطبيعة، والإيمان بالخوارق والمعجزات، وقراءة الطالع، ومعرفة المستقبل، وتحضير الأرواح، والشعور بعراقة الثقافة، ومعاناة التمييز العنصري.
وعلى هامش السؤال المحوري، تطرح الرواية أسئلة الحياة البرية والحرب الأهلية والنسوية المبكرة والأسرة المفككة والتحول الاجتماعي والحب والتبني والشهرة وغيرها، مما يشغل 700 صفحة، هي مساحة الرواية.
في روايتها، ترصد رايلي مجموعة من النساء الغجريات المنتميات إلى أجيال عدة متعاقبة، في مواجهتهن قسوة الحياة وشظف العيش وتهميش المجتمع ووطأة الحرب، وفي تعالقهن مع الرجال المحيطين بهن. ويتمخض رصدها عن إعلاء قيمة المرأة في ذلك العالم المرجعي، وقدرتها على التكيف مع التحولات المختلفة، بينما يشغل الرجل أدواراً مكملة لها. وغالباً ما تكون هي في موقع الفاعل، ويكون هو في موقع من يقع عليه الفعل. وهو ما يمكن استنتاجه من خلال حيوات الجدة الأولى ماريا، والجدة الثانية لوسيا، والحفيدة تيغي وغيرهن. على أن الحيز المتاح لكل منهن، يختلف من امرأة إلى أخرى، فتشغل تيغي الحيز الأكبر من الرواية، تليها لوسيا وماريا. وبذلك، نكون إزاء ثلاثة نماذج نسائية، تتقاطع في ما بينها في نقاط محددة، وتتفارق في أخرى.
إيثار وتضحية
النموذج الأول تمثله الجدة ماريا، ويقوم على الإيثار والتضحية والنبل والحب، مما تعكسه الوقائع الروائية، فماريا الغجرية البارعة في رقص الفلامنكو، تعتزل الرقص للاهتمام بأولادها، مؤثرة أسرتها على فنها. تبدي قلقها على ابنتها الصغيرة لوسيا التي يزخر رأسها بالأحلام الكبرى، ولا تقف عائقاً دون انتقالها مع أبيها إلى برشلونة للرقص على مسارحها، مقدمة مصلحة ابنتها على أمومتها. تأخذ على عاتقها رعاية الأسرة في غياب زوجها، تغرق في حزنها على ابنها فيليبي الذي قاده تصرف طائش إلى السجن، حتى إذا ما خرج منه لقي حتفه. تمتنع عن الخروج من غرناطة، خلال الحرب الأهلية، قبل أن تعرف مصير ولديها اللذين اختفيا كارلوس وإدواردو، ثم توافق على الخروج منها إلى برشلونة لتنقذ ابنها الرابع بيبي.
وهناك تقوم برعاية ابنتها لوسيا والسهر على راحتها، حتى إذا ما ضبطت زوجها يخونها مع أخرى، تصب جام غضبها عليه، وتعاقبه بامتناعها عن مشاركته الفراش، لكنها تحرص على عدم تشويه صورته في عيون ولديها لوسيا وبيبي، مترفعة عن الانتقام منه.
وحين تضع الحرب أوزارها، تسارع إلى العودة لحي ساكرومونتي الغرناطي، على رغم أخطار العودة، للبحث عن ولديها وأحفادها، فلا تقع لهم على أثر، لكن القدر ينصفها حين تعثر على حفيدتها أنخيلينا، وقد ربتها الساحرة ميكاييلا، فتتعهدها بالرعاية، لا سيما أنها تمتلك قدرات خارقة في قراءة الطالع ومعرفة الغيب، ويساعدها في ذلك صديقها رامون الذي كثيراً ما وقف إلى جانبها في محنتها، وشكل تعويضاً عن الزوج المفقود. وهكذا، نكون إزاء نموذج متقدم للمرأة الغجرية التي تقدم واجبها على فنها، ومصلحة أسرتها على مصلحتها، وتعرض نفسها للخطر كي تحمي أولادها.
الرقص أولاً
النموذج الثاني تمثله لوسيا ابنة ماريا، وهي على خلاف أمها، تقدم نفسها على أسرتها، وفنها على حبها، وتلبي النار المستعرة في جسدها، فتنخرط في الرقص بكل جوارحها، وتنتقل مع فرقتها من دولة إلى أخرى، وتدهش العالم برقصها، وتسعى إلى العالمية في فنها، ويتحقق لها ذلك بكثير من الجهد والإرادة، فيتحول نمط حياتها رأساً على عقب، من صبية بائسة في السنوات الـ11 الأولى من مزاولتها الرقص، إلى نجمة عالمية تقف على كبريات المسارح العالمية، وتحقق كثيراً من الشهرة، وتجني الوفير من المال. وتتمخض عن شخصية قوية، مبادرة، تطرق الأبواب الموصدة فتفتح لها، وتملي شروطها على الآخرين، وتعهد إلى والدها العازف الشهير بإدارة أموالها.
غير أنه يستغلها، ويخيب أملها في كثير من المحطات لا سيما حين يخون والدتها، وينخرط في علاقات غرامية متعددة، ويهمل أسرته، ولا يهتم بمعرفة مصير أبنائه. وهو ما تبرزه الوقائع الروائية المتعلقة بها، ذلك أن لوسيا المهووسة بفنها، ترفض عرض حبيبها العازف الشهير مينيكي الزواج منها والانتقال للعيش معاً في بلاد أخرى، على رغم حبها الشديد له، حتى إذا ما رحل عنها، تغرق في الحزن والإحباط. وحين تعلم أنها حامل، تحاول إسقاط الحمل الذي يعوقها عن ممارسة الرقص، غير أن تدخل أمها يحول دون ارتكابها تلك الخطيئة، حتى إذا ما وضعت طفلتها، تنقطع عن الرقص لتمارس أمومتها.
وحين يستبد بها الحنين للرقص مجدداً، تعهد بها طفلة إلى أمها، وتلبي نداء جسدها، لينتهي بها المطاف ميتة على المسرح، خلال تأدية أحد عروضها الراقصة. وفي المقابل، تقوم لوسيا بإنقاذ أمها ماريا وشقيقها بيبي من موت محقق في ساكرومينتي، وتدفع كثيراً لإحضارهما إلى برشلونة. وهكذا، تزاوج بين القيام بواجباتها إزاء أسرتها، وممارسة حقوقها في الفن والشهرة والضوء، مع إعطاء الأولوية للحقوق على الواجبات. وبذلك، نكون إزاء نموذج آخر للمرأة الغجرية، يقدم حقوقه على واجباته، ويطرح مبكراً سؤال النسوية في المجتمع الغجري.
تحت جنح الظلام
وإذا كانت الوقائع المتعلقة بهذين النموذجين تنتمي إلى الماضي البعيد والمتوسط، فإن تلك المتعلقة بالنموذج الثالث تنتمي إلى الماضي القريب الذي تدور أحداثه في عامي 2007 و2008، وتشغل الحيز الأكبر من الرواية، وتمثله الحفيدة تيغي. وفي الوقائع المتعلقة بهذا النموذج التي تجري بين اسكتلندا وأتلانتس وغرناطة، تعمل تيغي، المختصة في علم الحيوان والحفاظ على البيئة، في توطين بعض القطط البرية في عقار كينيرد في اسكتلندا الذي تتوراثه عائلة كينيرد منذ 300 عام، وتزيد مساحته على 40 ألف فدان.
وتبدي تفانياً في عملها، مما يؤدي إلى قيام صداقة بينها وبين وارث العقار الطبيب الوسيم تشارلي، مما يثير حفيظة زوجته الجميلة المتكبرة أولريكا، وعلاقة أخوة بينها وبين كال مدير التشجير في العقار، وعلاقة تبن بينها وبين العجوز الغجري تشيلي، مما يجعلها تشعر بالانتماء إلى المكان الجميل، وتتمنى لو أنها تبقى فيه. غير أن تعرضها لإطلاق نار في العقار ومقتل الأيل الأبيض الذي كانت تتواصل معه وترعاه، وقيام الزوجة الغيور بالطلب منها مغادرة العقار وعدم التدخل في شؤون أسرتها، ورغبتها في البحث عن جذورها، وهي التي نشأت في كنف أسرة سويسرية تبنتها مع ست شقيقات أخريات.
يجعلها تغادر العقار تحت جنح الظلام، لتحط بها الرحال في حي ساكرومونتي الغرناطي الذي ولدت فيه، مستندة إلى رسالة تركها لها والدها بالتبني قبل رحيله، ومعلومات أدلى بها العجوز الغجري العراف القاطن في أحد أكواخ المحمية، الذي يمت لها بصلة قرابة، حتى إذا ما وصلت إلى الحي المقصود، تلتقي بإحدى جداتها العرافة الساحرة أنخيلينا وخال الجدة بيبي، وتتعرف إلى الكهف الذي ولدت فيه، وتحصل على جميع المعلومات المتعلقة بجذورها، وتزمع البقاء في مسقط رأسها.
أزمة مركبة
غير أن حضور الطبيب تشارلي بنفسه، بعد أسبوع من وصولها، مصطحباً معه إحدى شقيقاتها آلي، لينبهها إلى خطورة وضعها الصحي وضرورة عودتها لمستشفى إنفرنس لإجراء فحوص طبية، يحدث تحولاً في مجرى الأحداث، لا سيما أن أحدهما منجذب إلى الآخر، يدفعها إلى العودة لتجد أن العقار على شفا الإفلاس.
وأن الطبيب يعيش أزمة زوجية مستعصية، وأن حبل التواصل بين ابنته زارا وأمها مقطوع، وأن الأخ غير الشقيق للطبيب ينازعه وراثة العقار، ويأخذ زوجته منه، فتقوم بمساعدة الطبيب في تخطي الأزمة المركبة التي يعيش، حتى إذا ما تخطاها بالفعل، يعرض عليها الزواج، وهو الغارق في حبها، مذ رآها للمرة الأولى، وهي التي تبادله الشعور نفسه لكنها لم تسمح لنفسها بالتعبير عنه كي لا تتسبب في تفكيك أسرة على وشك التفكك.
أما وقد تحرر الطبيب من زوجته، فلم يعد ثمة ما يحول دون قبول عرضه. وهكذا، تؤول الأحداث إلى نهايات سعيدة، يتزامن فيها عثور تيغي على جذورها، مع الارتباط بحبيبها، مع ممارسة العمل الذي تحب. وبذلك تتمخض الوقائع الآنفة عن نموذج ثالث معاصر للمرأة الغجرية، يتصف بالمثالية الأخلاقية، والكفاءة العلمية، والخبرة العملية، واحترام البيئة، والرفق بالحيوان، والأمانة على الجذور، والوفاء للأسرة المتبنية، مما يجعلنا أقرب إلى النموذج المثالي.
إيجابي وسلبي
في المقابل، تتمخض الوقائع المروية عن نماذج مختلفة من الرجال، على المستويين الإيجابي والسلبي. يندرج في المستوى الأول تشارلي الطبيب الذي يتفانى في عمله، ويحرص على استمرار الإرث العائلي، ويحيط ابنته بالرعاية والحب، وينصف العاملين معه، كال ماكينزي مدير التشجير في المحمية الذي يقوم بعمله بإخلاص، وتشيلي العراف الغجري العجوز الذي يحيط تيغي براعايته، وبيبي خال الجدة أنخيلينا الذي يحرسها ويقوم على خدمتها.
ويندرج، في المستوى الثاني، فريزر الأخ غير الشقيق لتشارلي الذي يسرق منه حبيبته على مقاعد الدراسة، ويختطف منه زوجته، وينازعه في ملكية العقار، وزد الثري المحتال الذي جمع أمواله بطرق مشبوهة، ويوقع النساء في حبائله ثم يتخلى عنهن. ويتراوح بين المستويين الأب خوسيه الذي يسعى إلى تأمين فرصة الشهرة لابنته لوسيا، لكنه يتنصل من واجباته إزاء أسرته، ويخون زوجته، ويستغل ابنته مالياً، وهو ما يجعله أقرب إلى المستوى السلبي منه إلى الإيجابي.