
السير وسط الأنقاض في مدينة غزة، سبتمبر (أيلول) 2026 (داوود أبو الكاس/ رويترز)
ترجمة عن “فورين أفيرز” 2 أكتوبر (تشرين الأول) 2026… اندبندنت عربية
مايكل روبنز مدير وباحث رئيس مشارك في “الباروميتر العربي”.
أماني جمال شريكة في تأسيس “الباروميتر العربي” وباحثة رئيسة مشاركة فيه، وعميدة كلية برينستون للشؤون العامة والدولية، وأستاذة إدوارد إس. سانفورد للسياسة والشؤون الدولية في جامعة برينستون.
مارك تيسلر شريك مؤسس وباحث رئيس مشارك في “الباروميتر العربي”، وأستاذ صموئيل جيه. إلدرفيلد للعلوم السياسية في جامعة ميشيغان.
ملخص
تكشف استطلاعات حديثة أن غالبية متزايدة من الفلسطينيين، ولا سيما في غزة، باتت ترى في المفاوضات وحل الدولتين مساراً أفضل من المقاومة المسلحة، مع استعداد أكبر للتسوية إذا اقترنت بقيام دولة فلسطينية حقيقية. وفي المقابل، تتراجع الثقة في “حماس” والسلطة الفلسطينية مع تصاعد الرغبة في تجديد سياسي، فيما يتمسك معظم سكان غزة بالبقاء وإعادة إعمار القطاع رغم الدمار والأزمة الإنسانية.
في سبتمبر (أيلول) 2025، كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن خطة سلام لإنهاء الحرب في غزة، متعهداً بأنها لن تعيد إعمار القطاع المدمر وحسب، بل ستدشن أيضاً “سلاماً أبدياً في الشرق الأوسط”، وبعد عام تعثرت الخطة، فلم تنزع حركة “حماس” سلاحها، ولا تزال إسرائيل تسيطر على أكثر من 60 في المئة من القطاع، ولم ترَ حكومة التكنوقراط وقوة الأمن الدولية الموعودتان النور، فيما لم تبدأ عمليات إعادة الإعمار واسعة النطاق إلا بالكاد، ولا يزال معظم سكان غزة يكافحون للحصول على الغذاء والماء والمأوى.
ويلقى هذا الموقف المتشدد قبولاً لدى غالبية الإسرائيليين الذين لا يعتقدون أن الفلسطينيين مهتمون بالمفاوضات أو الدبلوماسية، فقد أظهرت استطلاعات مراراً أن غالبية ساحقة من الإسرائيليين تعتقد أن الفلسطينيين لا يريدون السلام إطلاقاً، ومن ثم لا يوجد لدى إسرائيل شريك حقيقي للتفاوض، ففي يوليو (تموز) من هذا العام، على سبيل المثال، سأل استطلاع لجامعة تل أبيب الإسرائيليين اليهود عن اعتقادهم في شأن ما يريده الفلسطينيون، وقال 72 في المئة إنهم يعتقدون أن الفلسطينيين “يعارضون بدرجة متوسطة أو شديدة” أية مفاوضات سلام، فيما قال أكثر من 80 في المئة إنهم يعتقدون أن الفلسطينيين يرون أن التوصل إلى سلام مع إسرائيل أمر غير ممكن.
لكن هذا التصور يشوه تماماً ما يؤمن به معظم الفلسطينيين وما هم مستعدون لقبوله، فعلى مدى عقدين أجرى “الباروميتر العربي”، وهو مشروع استطلاعات نشارك في إدارته، استطلاعات شاملة للرأي العام الفلسطيني في الضفة الغربية وغزة، وأظهر أحدث استطلاع واسع أجريناه، في أكتوبر 2025، أن غالبية الفلسطينيين ترى أن المفاوضات الدبلوماسية، لا المقاومة المسلحة، هي أفضل سبيل لحل الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني نهائياً.
ولم تتغير الظروف على الأرض بما من شأنه تعديل هذه النتائج بصورة جوهرية، كما تدعمها نتائج أسئلة طرحها في أغسطس (آب) الماضي “المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية” ومقره رام الله، وهو شريك لـ “الباروميتر العربي”.
وفي الواقع، لدى كثير من الفلسطينيين رؤية واضحة وواقعية للمستقبل، ويؤيد عدد منهم خيار الدولتين بفارق كبير عن أي حل محتمل آخر، وعلى رغم أن سكان غزة تحملوا القسم الأكبر من الدمار خلال الأعوام الثلاثة الماضية، فإنهم يميلون إلى أن يكونوا الأكثر براغماتية، إذ إن نسبة أكبر منهم منفتحة على حل الدولتين مقارنة بالفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية، وكذلك فإن نصف سكان غزة مستعدون لتأييد تطبيع الدول العربية علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، ما دام ذلك يتضمن تقدماً ملموساً نحو تقرير المصير الفلسطيني. كذلك تراجعت بشدة ثقة الفلسطينيين في كل من “حماس” والسلطة الفلسطينية، إذ يرون أن أياً من الطرفين لم يوافر لهم الأمن أو يحسن حياتهم، ويريدون تجديداً سياسياً، ومن اللافت أن غالبية سكان غزة تعرب عن رغبتها في البقاء والمساعدة في إعادة إعمار وطنها المدمر بدلاً من الهجرة.
تبدو الأوضاع في غزة شديدة السوء، فيما تتدهور أحوال الفلسطينيين في الضفة الغربية بسرعة، ومع أن نهاية الصراع لا تلوح في الأفق، فإن استمرار الوضع على ما هو عليه ليس ممكناً، لكن آراء الفلسطينيين أنفسهم توفر بصيصاً من الأمل، فلدى الإسرائيليين فرصة لاختيار حكومة جديدة أكثر التزاماً بالتفاوض، وإذا سعت مثل هذه الحكومة والجهات المانحة الدولية إلى مرحلة انتقالية تجعل إقامة الدولة الفلسطينية جزءاً محورياً من المفاوضات، وتعترف برغبة سكان غزة في الأمن والحكم الشرعي، فإن الغزيين مستعدون للتسوية، شأنهم شأن كثير من الفلسطينيين في الضفة الغربية، وهم مستعدون للعمل من أجل نظام سياسي جديد، لكن لا بد من أن يكون جديداً فعلاً.
واقعية فلسطينية
كشف استطلاع “الباروميتر العربي” في أكتوبر الماضي مدى سوء الأوضاع في غزة والضفة الغربية، في ظل أزمة أمنية واقتصادية وإنسانية لم تشهد تحسناً ملموساً منذ ذلك الحين، وشمل الاستطلاع مقابلات وجهاً لوجه مع 855 شخصاً في غزة داخل منازلهم أو مراكز الإيواء أو المخيمات، ومع 800 شخص في الضفة الغربية داخل منازلهم، وبدأ في اليوم نفسه الذي أُعلن فيه رسمياً وقف إطلاق النار في غزة، مما أتاح صورة واسعة عن الظروف التي تواجه عملية إعادة إعمار القطاع، ونظراً إلى توقيت الاستطلاع، فلم تُطرح في غزة بعض الأسئلة التي طُرحت في الضفة الغربية ودول أخرى في أنحاء الشرق الأوسط، مثل الأسئلة المتعلقة بالسياسة الداخلية والعلاقات الاجتماعية، لإفساح المجال أمام أسئلة تكشف الحاجات العاجلة لسكان القطاع، ومنذ استطلاع “الباروميتر العربي” عام 2025، لم يجرَ استطلاع مماثل لرصد الوضع الإنساني في غزة، ونظراً إلى محدودية المساعدات التي سُمح بدخولها إلى القطاع وفشل “مجلس السلام” في تحقيق تقدم فعلي، يتجاوز المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار، بقي حجم التحدي من دون تغير كبير.
وفي استطلاعنا، قال 85 في المئة من سكان غزة إنهم نزحوا مرة واحدة في الأقل منذ أوائل أكتوبر 2023، ومن بين النازحين، قال 70 في المئة إنهم اضطروا إلى النزوح ثلاث مرات أو أكثر، وقال 61 في المئة إن أحد أفراد أسرهم فقد عمله نتيجة الحرب، فيما أفاد أقل من نصفهم بأنهم تناولوا الطعام كل يوم خلال الأسبوع السابق، وقضى أكثر قليلاً من واحد من كل خمسة أشخاص الأيام السبعة السابقة، كلها أو معظمها، من دون طعام، وكذلك تعرض التعليم لاضطراب شديد، إذ قالت 31 في المئة من الأسر التي لديها أطفال في سن الدراسة، إن أياً من أطفالها لا يحصل حالياً على التعليم، وظلت الخدمات الأساس الأخرى محدودة، إذ لم تتوافر الكهرباء سوى لتسعة في المئة من سكان غزة، والوقود أو غاز الطهي لستة في المئة، وهي أزمات استمرت حتى الآن.
وفي أوائل سبتمبر الماضي، أفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن غزة لا تزال تعاني “غياباً شبه تام للكهرباء للتيار الكهربائي المستقر”، فيما أشارت تقارير سابقة إلى اضطرار سكان القطاع إلى حرق النفايات للطهي.
وكان سكان الضفة الغربية أكثر قدرة على الحصول على الخدمات الأساس، لكنهم أفادوا بتدهور سريع في الأمن، فوصف 58 في المئة فقط من الفلسطينيين في الضفة أحياءهم بأنها آمنة، بانخفاض 16 نقطة عن الاستطلاع الذي أُنجز في أكتوبر 2023، وقيّم ثلثا المشاركين أداء السلطة الفلسطينية في توفير الأمن بأنه “سيئ” أو “سيئ للغاية”، فيما قال 24 في المئة إنهم فكروا في الهجرة، وطلبنا ممن أرادوا مغادرة الضفة الغربية أن يشرحوا لنا، بكلماتهم الخاصة، الأسباب. وبصورة عامة، تضمنت إجابات 38 في المئة أسباباً أمنية، و37 في المئة أسباباً سياسية، و71 في المئة أسباباً اقتصادية، ويختلف ذلك عما نجده في معظم البلدان الأخرى التي نستطلعها، إذ لا يذكر سوى عدد قليل ممن يفكرون في الهجرة دوافع رئيسة غير اقتصادية.
على رغم الظروف المروعة التي يعيشونها، يريد معظم سكان غزة البقاء
وتزداد وطأة الأزمة الاقتصادية في الضفة الغربية، فقد وصف 92 في المئة من المشاركين الوضع الاقتصادي في المنطقة بأنه “سيئ” أو “سيئ للغاية”، بزيادة 21 نقطة مقارنة بعامين سابقين.
وكذلك يمثل الجوع مشكلة كبيرة، وقال 51 في المئة من فلسطينيي الضفة الغربية إن عبارة “الطعام الذي اشتريناه لم يكفنا، ولم يكن لدينا مال لشراء المزيد” كانت صحيحة أحياناً أو غالباً خلال الأيام الـ30 السابقة، وقال 41 في المئة إنهم “اضطروا إلى تفويت وجبة” بسبب نقص المال أو الموارد خلال الأشهر الـ12 السابقة.
ومع ذلك، لم يستسلم سكان غزة بخاصة لفكرة أن مصيرهم محتوم، فقد قالت غالبية منهم لمستطلعي “الباروميتر العربي”، إنهم وأفراد أسرهم لن “يغادروا غزة الآن إن استطاعوا”.
وبلغت نسبة من قالوا إنهم، أو هم وأفراد أسرهم، سيغادرون القطاع الآن لو استطاعوا 41 في المئة، وهي نسبة قريبة من نسبة من فكروا في الهجرة من مجتمعات أكثر سلاماً واستقراراً بكثير، مثل الأردن، حيث بلغت النسبة 44 في المئة، وتونس 41 في المئة، وفق استطلاعات أجراها “الباروميتر العربي” في خريف عام 2025، وبعبارة أخرى، وعلى رغم الظروف المروعة التي يعيشونها، يريد معظم سكان غزة البقاء وإعادة الإعمار.
وقد يفترض المرء أيضاً أنه، في ضوء حجم الدمار في غزة وعنف المستوطنين في الضفة الغربية، ربما تراجع التأييد لتسوية تفاوضية للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني، لكن ذلك لم يحدث، فعندما سُئل المشاركون في الضفة الغربية عن الحل الذي يفضلونه لإنهاء الصراع، سواء كان حل الدولتين أو الدولة الواحدة أو الكونفدرالية أو “خياراً آخر”، اختار 56 في المئة حل الدولتين، بزيادة سبع نقاط عن استطلاع “الباروميتر العربي” لعام 2023، وعلى مدى عامين من الصراع المدمر، ارتفع التأييد لحل الدولتين في غزة بدرجة أكبر، من 54 في المئة في أوائل أكتوبر 2023 إلى 64 في المئة في أكتوبر 2025، وخلال الفترة نفسها، ارتفع التأييد للكونفدرالية في غزة 10 نقاط إلى 20 في المئة، وانخفض التأييد لدولة واحدة أربع نقاط إلى خمسة في المئة، فيما تراجع التأييد لخيار “آخر”، وهو خيار يعكس غالباً تفضيلاً للمقاومة المسلحة، من 20 إلى سبعة في المئة.
ومن اللافت أن الارتفاع في تأييد حل الدولتين كان كبيراً، بصورة خاصة بين الفلسطينيين الأصغر سناً، ففي عام 2023، كان الفلسطينيون الذين تراوحت أعمارهم بين 18 و29 سنة أقل تأييداً لحل الدولتين بتسع نقاط، من الذين تبلغ أعمارهم 30 سنة أو أكثر، وبحلول خريف عام 2025، لم يعد الشباب أقل تأييداً لهذا الخيار من الفئة الأكبر سناً.
وفي الوقت نفسه، انخفض التأييد لخيار “آخر” بين الشباب الفلسطينيين إلى النصف بحلول عام 2025، من 27 إلى 14 في المئة، وتؤكد استطلاعات أحدث أن هذه الآراء لا تزال راسخة، فقد أظهر استطلاع شمل 440 شخصاً من سكان غزة، أجراه “المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية” في أوائل أغسطس هذا العام، أن 61 في المئة يفضلون حل الدولتين على أساس حدود 1967 على خيارات أخرى، مثل إقامة دولة واحدة متساوية الحقوق، ووافق 65 في المئة من سكان غزة على أن المقاومة المسلحة أخفقت في حماية الفلسطينيين، وجلبت إليهم الدمار بدلاً من ذلك.
ويبدي سكان غزة براغماتية خاصة، ففي استطلاع “الباروميتر العربي” في أكتوبر 2025، عندما سُئل المشاركون في الأراضي الفلسطينية المحتلة عما إذا كانوا يؤيدون تطبيع الدول العربية علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل، لم يوافق سوى 11 في المئة، لكن نسبة المؤيدين في غزة كانت أعلى بكثير منها بين الفلسطينيين في الضفة الغربية، إذ اقتربت من واحد من كل خمسة. وفي المقابل، لم يؤيد التطبيع في استطلاع أكتوبر 2023 سوى 10 في المئة من سكان غزة وخمسة في المئة من فلسطينيي الضفة الغربية. وفي 2025، عندما سُئل المشاركون عما إذا كانوا يؤيدون التطبيع العربي – الإسرائيلي، إذا ارتبط بإقامة دولة فلسطينية، وهو شرط أصرّت عليه السعودية خصوصاً في الآونة الأخيرة، قال نصف سكان غزة وأكثر من ربع فلسطينيي الضفة الغربية نعم.
وكانت البيانات واضحة، فعدد سكان غزة الذين يؤيدون عملية سلام يفوق عدد الذين يفضلون المواجهة العنيفة، وكذلك دحضت نتائج الاستطلاع تصوراً خاطئاً واسع الانتشار، فغالبية سكان غزة تعطي الأولوية لنيل الاستقلال على السعي إلى الانتقام من إسرائيل، وأحد الأسباب الرئيسة لمعارضة الفلسطينيين التطبيع هو احتمال أن يمضي من دون استقلال فلسطيني، وعندما يقترن التطبيع بالاستقلال، يرتفع التأييد له بصورة كبيرة.
طي صفحة الماضي
ولدى الفلسطينيين أيضاً قناعة راسخة بأن قادتهم الحاليين خذلوهم، فعلى مدى عقود، تمحورت السياسة الفلسطينية حول فصيلين رئيسين، حركة “فتح” التي تسيطر على السلطة الفلسطينية، وحركة “حماس”، وكثيراً ما افترض المحللون أن تراجع التأييد لأحدهما يعني ارتفاع التأييد للآخر، وستكون سلطة فلسطينية مُصلحة أفضل من الوضع القائم، لكن من الواضح أن النظام السياسي الفلسطيني يحتاج إلى إصلاح أوسع، وبات معظم الفلسطينيين الآن لا يؤيدون “حماس” ولا السلطة الفلسطينية، ففي استطلاع “الباروميتر العربي” في أكتوبر 2025، عندما سُئل الفلسطينيون المقيمون في الضفة الغربية عن الحزب السياسي الأقرب إليهم، اختار 24 في المئة “حماس” و18 في المئة “فتح”، فيما قال 51 في المئة إنه لا يوجد حزب قريب منهم، أو أجابوا بـ “لا أعرف”، أو رفضوا الإجابة، وقال 23 في المئة فقط إنهم يثقون بحكم السلطة الفلسطينية، بارتفاع ضئيل عن 19 في المئة عام 2023، وكانت الثقة برئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أقل من ذلك، عند 19 في المئة فقط.
وفي استطلاعنا عام 2023، أعرب 29 في المئة فقط من سكان غزة عن ثقتهم في حكومتهم التي تقودها “حماس”، فيما انتقد 72 في المئة انتشار الفساد بدرجة كبيرة في المؤسسات الحكومية، وعلى رغم أن الاستطلاع تضمّن في غزة أسئلة أقل عن التوجه السياسي العام للفلسطينيين مقارنة بالضفة الغربية، لإفساح المجال أمام مزيد من الأسئلة عن الحاجات العاجلة لسكان القطاع، فقد كان واضحاً أن هجوم “حماس” المروع على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، والحرب التي أعقبته، لم يكسباها أي تأييد على المدى الطويل. وفي استطلاع أكتوبر 2025، أعربت نسبة مماثلة تقريباً من سكان غزة، نحو الثلث فقط، عن الثقة في ما بقي من حكومة القطاع التي تقودها “حماس”.
والفلسطينيون ببساطة لا يريدون أن تقودهم “حماس” أو “فتح”، فعندما سُئلوا عمن سيختارون في انتخابات تشريعية افتراضية تشارك فيها الأحزاب نفسها التي خاضت انتخابات عام 2006، اختار 16 في المئة من الفلسطينيين في المنطقتين “فتح”، وقال 19 في المئة إنهم سيدعمون قائمة “التغيير والإصلاح” التابعة لـ “حماس”، وقال 55 في المئة إنهم إما لن يؤيدوا أياً من الأحزاب التي خاضت انتخابات 2006، أو لن يصوتوا على الإطلاق، ومن ثم فإن الكتلة الأكبر في السياسة الفلسطينية ليست “فتح” ولا “حماس”، بل الفلسطينيون الذين لا يجدون أنفسهم ممثلين سياسياً.
وأظهر استطلاع “المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية” في أغسطس أن نحو 40 في المئة من الفلسطينيين يفضلون مروان البرغوثي، أحد قادة الانتفاضة الفلسطينية الأولى والمعتقل في إسرائيل منذ 2002، والذي دِين بالقتل عام 2004، مرشحاً للرئاسة، وهي نسبة تزيد على ضعف ما حصلت عليه أية شخصية أخرى، لكن إسرائيل رفضت مراراً الإفراج عنه في صفقات تبادل الأسرى، وتشير تقارير حديثة إلى أن حاله الصحية سيئة للغاية.
وإعادة السلطة الفلسطينية إلى غزة، حتى بعد عملية إصلاح، لن تؤدي إلى حكومة تتمتع بالشرعية، فالفلسطينيون لا يعتقدون أن السلطة قادرة على توفير الأمن بفاعلية، إذ لا تثق غالبية الفلسطينيين في الضفة الغربية بقوات الأمن الوطني التابعة للسلطة، وهي أقرب ما لديها إلى جيش، ولا بشرطة السلطة، ولم يكن أي من الجهازين يعمل في غزة وقت إجراء الاستطلاع، ولا يزالان لا يعملان فيها.
وقد يكون أحد المسارات الممكنة للمضي قدماً تشكيل حكومة تكنوقراط تشرف على المرحلة الانتقالية في غزة، وهناك قدر من التأييد الفلسطيني لهذا الطرح، إذ أظهر استطلاع “المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية” في أغسطس 2026 أن 43 في المئة من سكان غزة يفضلون أن تتولى “اللجنة الوطنية” التي اقترحها “مجلس السلام”، الإشراف على القطاع في المدى القريب، فيما يفضل 34 في المئة إجراء انتخابات لتشكيل حكومة، وفي الضفة الغربية، يقل التأييد لكلا الخيارين، إذ يبلغ 24 في المئة لكل منهما، وعلى رغم أن حكومة تكنوقراط قد تكون خطوة أولى ضرورية لتحقيق الاستقرار في غزة، والسماح بمزيد من المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار، فإن ترسيخ مثل هذه الحكومة على المدى الطويل، قد يزيد تكريس انفصال غزة عن الضفة الغربية. ومثلما قال سلام فياض، رئيس الوزراء الفلسطيني بين عامي 2007 و2013، في مقابلة حديثة مع مجلة “فورين أفيرز”، فإن وجود حكومة انتقالية موحدة وغير فصائلية للمنطقتين أمر ضروري.
وعلى رغم أن نسبة فلسطينيي الضفة الغربية، الذين قالوا إن الديمقراطية هي “أفضل نظام” للحكم لم تتغير فعلياً بين استطلاعينا عام 2023، حين بلغت 78 في المئة، و2025 حين بلغت 77 في المئة، فإن التأييد لزعيم قوي “يتجاوز القواعد إذا لزم الأمر لإنجاز الأمور”، ارتفع 10 نقاط خلال الفترة نفسها، من 41 إلى 51 في المئة. ووافق ثلثا المشاركين على أن “نوع الحكومة لا يهم ما دامت قادرة على حل المشكلات الاقتصادية لبلادنا”، وفي ضوء الدمار في غزة والأزمات الأمنية المستمرة في الضفة الغربية، فمن الواضح أن الفلسطينيين يريدون بشدة زعيماً قادراً على فرض النظام والاستقرار، لكن ذلك لا يعني أنهم لا يفضلون الديمقراطية، بل يُفهم بصورة أدق، باعتباره مؤشراً إلى الإنهاك السياسي والهشاشة بعد أعوام من الانقسام والصعوبات الاقتصادية والحرب، فالفلسطينيون يفضلون الديمقراطية، لكنهم يريدون في نهاية المطاف نتائج من نظامهم السياسي.
الخطة الصحيحة
وتقدم آراء الفلسطينيين أنفسهم توجيهات واضحة للجهود الرامية إلى إنهاء الصراع في غزة، وإعادة إعمار القطاع، وينبغي لأي نقاش حول إعادة الإعمار أن يعكس تفضيلاتهم، ففي النهاية، وعلى رغم أن فقدان الفلسطينيين الثقة بالسلطة الفلسطينية يرتبط إلى حد كبير بفسادها، فإنه يعكس أيضاً حقيقة أنها كثيراً ما أعطت الأولوية لتلبية المطالب الأمنية الإسرائيلية، في وقت أسهم توسع المستوطنات في الضفة الغربية في تقويض شرعيتها، والانطباع المتزايد بأن السلطة الفلسطينية تعمل ذراعاً للاحتلال الإسرائيلي، لا أداة لتمثيل الفلسطينيين سياسياً والتعبير عنهم بصورة حقيقية، أسهم مباشرة في ارتفاع شعبية “حماس” في منتصف العقد الأول من هذا القرن، ويجب ألا يتكرر مثل هذا الخطأ الجسيم.
ولا يمكن لمجرد إعادة السلطة الفلسطينية إلى غزة، من دون خطة لمعالجة أزمة شرعيتها، أن يؤدي إلى الاستقرار، وسيكون مضللاً أي مقترح يقوم على مغادرة أعداد كبيرة من سكان غزة القطاع، قبل بدء إعادة الإعمار، مثل الخطة التي كشف عنها وزير الأمن القومي الإسرائيلي إيتمار بن غفير في سبتمبر 2026، فسكان غزة يريدون البقاء وتغيير وطنهم وفق شروطهم، والعيش جنباً إلى جنب مع دولة إسرائيل.
وعلى نطاق أوسع، تُظهر الاستطلاعات أن ابتعاد الفلسطينيين من فصيليهم السياسيين الرئيسين، لم يفقدهم اهتمامهم بالسياسات العامة ونتائجها، فلديهم رؤية واضحة، وهم مستعدون لتأييد التسوية، لكنهم، على رغم ما أصابهم من إنهاك، لن يقبلوا بحل يقتصر على إنهاء القتال، ويترك مستقبلهم معلقاً.
ولا يمكن فصل مستقبل غزة عن مستقبل الضفة الغربية، فتحقيق الاستقرار في القطاع سيكون بالغ الصعوبة، حتى إذا نُظر إليه بمعزل عن الضفة، وسيصبح أصعب بكثير فيما تتوسع المستوطنات، ويتصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية. وكذلك فإن الفلسطينيين واضحون في أن أي حل في المدى القريب يجب أن يتضمن مساراً موثوقاً نحو دولة مستقلة، وألا تُعامل الدولة الفلسطينية، باعتبارها مكافأة محتملة في نهاية طريق طويل وغير مضمون، ومن المرجح بدرجة أكبر أن يتقبل الفلسطينيون دور إسرائيل في المنطقة، وكذلك يتمثل في تطبيع علاقاتها مع دول عربية أخرى، عندما يُسمح لهم هم أيضاً بتقرير مصيرهم، ولا يمكن ترك مسألة الدولة الفلسطينية إلى نهاية عملية السلام، بل يجب أن يكون احتمال قيامها ذا صدقية، لضمان دخول الفلسطينيين في التجديد السياسي.
شريك للفلسطينيين
وتعرض الفلسطينيون، ولا سيما سكان غزة، لصدمات عميقة، والإحباط شديد، فيما ستستغرق إعادة الإعمار أعواماً، إن لم يكن عقوداً، لكن نتائج “الباروميتر العربي” تناقض بشدة أي تصور للسياسة الفلسطينية، باعتبارها مؤدلجة بصورة جامدة، ومتمسكة بالانتقام، ومؤيدة للعنف، بل على العكس، يبدي الفلسطينيون قدراً لافتاً من البراغماتية، وخصوصاً في غزة، حيث قد يُتوقع أن يزداد التطرف، ولم يرفضوا فكرة التسوية السلمية مع إسرائيل. وعلى رغم خيبة أملهم في السلطة الفلسطينية، فإنهم لا يتجهون نحو “حماس” أو المقاومة العنيفة، ومع وجود معارضة فلسطينية لحل الدولتين، فإن نسبة متزايدة، باتت الآن غالبية، تريده وتتطلع إلى قيادة أكثر كفاءة ومسؤولية، تلبي حاجاتها وتوافر لها الأمن.
وتأتي العقبة الأخطر أمام التسوية الآن من إسرائيل، وليس فقط من الجناح اليميني في طيفها السياسي، فوفق استطلاع أجراه “معهد دراسات الأمن القومي” في جامعة تل أبيب، في أكتوبر 2025، يرفض نحو 70 في المئة من الإسرائيليين اليهود حتى مجرد التفكير في إقامة دولة فلسطينية، “تحت أي ظرف”. وترى شريحة واسعة من الجمهور الإسرائيلي أن الفلسطينيين غير مهتمين بالتسوية أو السلام، لكن استطلاعاً أجراه المعهد نفسه في يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) الماضيين، وجد أن 52 في المئة من فلسطينيي الضفة الغربية يرون أن المفاوضات هي أفضل سبيل لإنهاء الصراع مع إسرائيل، وهي نسبة تفوق بفارق كبير أي خيار آخر، مثل المقاومة المسلحة.
والوقت عامل حاسم في تحسين أوضاع الفلسطينيين على الأرض، ففي غزة تتفاقم أزمات سوء التغذية والفقر والأمراض المعدية وشح المياه النظيفة وتراكم النفايات والأنقاض، فتثقل كاهل القطاع، فيما يُجبر الفلسطينيون في الضفة الغربية بصورة متكررة على مغادرة منازلهم وأراضيهم على أيدي المستوطنين الإسرائيليين، وغالباً بالتعاون مع الجيش الإسرائيلي، لكن ثمة واقعاً بديلاً ممكناً هو التعايش. ومن اللافت، وربما المثير للدهشة، أن الفلسطينيين الذين يعيشون في هذه الظروف لا يزالون متمسكين بحل الدولتين، واستعداد الجمهور الفلسطيني للتسوية الإقليمية والسلام ليس جديداً، لكن المهم أنه صمد، بل ازداد، خلال الأعوام الثلاثة الماضية، على رغم ما عانوه.
وما يقدمه الفلسطينيون هو رغبة واستعداد حقيقيان لإنهاء الصراع، والكرة الآن في ملعب إسرائيل والولايات المتحدة وسائر أعضاء “مجلس السلام”، وعلى هذه الأطراف اتخاذ خطوات ذات معنى لدفع السلام إلى الأمام. وقد عانى الإسرائيليون أيضاً معاناة هائلة، لكن السؤال المطروح ليس ما إذا كان لدى إسرائيل شريك للسلام، بل ما إذا كان لدى الفلسطينيين شريك، وقد تسهم نتائج الانتخابات الإسرائيلية في الـ 27 من أكتوبر الجاري، إلى حد ما، في الإجابة عن هذا السؤال.
ترجمة عن “فورين أفيرز” 2 أكتوبر (تشرين الأول) 2026
مايكل روبنز مدير وباحث رئيس مشارك في “الباروميتر العربي”.
أماني جمال شريكة في تأسيس “الباروميتر العربي” وباحثة رئيسة مشاركة فيه، وعميدة كلية برينستون للشؤون العامة والدولية، وأستاذة إدوارد إس. سانفورد للسياسة والشؤون الدولية في جامعة برينستون.
مارك تيسلر شريك مؤسس وباحث رئيس مشارك في “الباروميتر العربي”، وأستاذ صموئيل جيه. إلدرفيلد للعلوم السياسية في جامعة ميشيغان.