ملخص
وفاة باحث بالطاعون الرئوي في سيبيريا أعادت المخاوف من أخطار الأوبئة والحوادث المختبرية، لكن الخطر الأكبر قد يكمن في مرض مجهول ينتشر بين البشر. وبينما يظل الطاعون قابلاً للعلاج والسيطرة، تكشف تجارب كوفيد-19 وغيرها عن أن العالم لا يزال يفتقر إلى استراتيجية فعالة لمواجهة الوباء المقبل.
تختلف قصة وفاة عاملة في مختبر بسيبيريا أخيراً بالطاعون الرئوي باختلاف الرواية التي نقرأها: فإما أنها أصيبت بعد كسرها أنبوب اختبار، أو خلال رحلة ميدانية إلى شرق روسيا، أو إثر زيارة لتايلاند. ومجرد سماع كلمة “الطاعون” كفيل باستحضار صور الدمار الذي أحدثه المرض في العصور الوسطى، فضلاً عن ذكريات التخبط الذي طبع التصدي لجائحة “كوفيد-19″، فإلى أي مدى ينبغي أن نقلق حيال هذه الحادثة الأخيرة؟
خلال الأيام الماضية، عملت شركتنا الناشئة المتخصصة في تحليل المعلومات على فحص الأدلة والروايات المتداولة عن الحادثة. وكما يحدث عادة في المراحل الأولى من أي تفش يشتبه فيه، كثرت التكهنات وتضاربت المعلومات. وحتى الآن، كان تناول وسائل الإعلام الروسية لفرضية تسرب العدوى من المختبر أقل بنحو النصف مقارنة بوسائل الإعلام الدولية، فيما أولت الرواية القائلة إن العدوى حدثت خلال رحلة ميدانية اهتماماً مماثلاً. وثمة أيضاً معلومات تفيد بأن الحالة ربما شخصت في البداية خطأ على أنها إصابة بـ”كوفيد-19″، الذي ينتقل بسهولة أكبر من الطاعون.
وأعلنت الهيئة الصحية المركزية في روسيا، الإثنين الماضي، أن المرض ليس طاعوناً، وأن سببه لا يزال مجهولاً. لكن هذا التفسير لم يقنع الجميع، إذ بدأت تظهر اتهامات بمحاولات للتستر على حقيقة ما جرى على مستويات مختلفة. وفي الوقت نفسه، تضاربت الأنباء حول فرض ارتداء الكمامات، ونقص المضادات الحيوية، وفرض قيود على السفر رداً على الحادثة.
وإذا تبين أن العدوى ليست طاعوناً، بل التهاباً رئوياً مجهول السبب وقابلاً للانتشار، فقد يكون هذا السيناريو هو الأكثر إثارة للقلق. وحتى الآن، لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت العدوى قد انتقلت إلى أشخاص آخرين.
ويحدث الطاعون الرئوي عندما تصل البكتيريا المسببة للمرض إلى الرئتين، ويمكن أن يكون شديد الخطورة، وقد أودى بحياة أعداد كبيرة من البشر في الحقبة التي سبقت اكتشاف المضادات الحيوية، لكن أموراً كثيرة تغيرت منذ ذلك الحين.
فمن حيث المبدأ، أصبح الطاعون اليوم عدوى يمكن علاجها والسيطرة عليها، ولا سيما إذا نفذت إجراءات التصدي لها سريعاً. وعلى خلاف “كوفيد-19″، تنتقل العدوى عادة عندما تكون أعراض المرض واضحة على المصاب، مما يتيح عزل الحالات القادرة على نقل العدوى وإعطاء من خالطوها علاجاً وقائياً.
وأفادت منظمة الصحة العالمية الشهر الماضي بأن 10 دول سجلت، بين عامي 2019 و2025، أكثر من 3800 حالة طاعون مشتبهاً فيها و423 وفاة. وعلى رغم أن الطاعون قد يشكل عدوى خطرة في المناطق التي تعاني نقصاً في الموارد، فإنه أبعد ما يكون من تهديد يمكن أن يتحول إلى جائحة.
وبصرف النظر عما إذا كان سيتبين في نهاية المطاف أن حادثة سيبيريا ناجمة عن تسرب من مختبر، فإن الأخطار الناجمة عن الحوادث المختبرية، وكذلك عن ظهور الأمراض بصورة طبيعية، لا تزال حقيقية للغاية. ففي عام 2009، سجلت وفاة بعد التعرض لبكتيريا الطاعون داخل مختبر في شيكاغو. وفي عام 2004، حدث تفش لفيروس “سارس-1” ارتبط بعدوى وقعت داخل مختبر في الصين.
وربما كان النشاط البشري وراء جائحة “الإنفلونزا الروسية” عام 1977 أيضاً. فقد كان المرض، الذي أبلغ عنه للمرة الأولى في روسيا، خفيفاً على نحو لافت، كما أن معظم المصابين كانوا من الشباب، في وقت أشارت الأدلة إلى أن الفئات الأكبر سناً سبق أن تعرضت للفيروس.
والسبب وراء ذلك؟ أن السلالة التي اعتبرت “جديدة” عام 1977 كانت مماثلة لفيروس انتشر خلال خمسينيات القرن الـ20، وربما عادت للظهور نتيجة حادث مختبري أو تجربة للقاح يعتمد على فيروس حي.
وتبقى كذلك مسألة كيفية ظهور عامل ممرض جديد من مجموعة حيوانية وتوقيت ذلك، وما إذا كنا سنتمكن من اكتشافه بالسرعة الكافية. ففي دراسة حديثة نشرتها مجلة “نيتشر” وقادها روري غيب، حللنا 58 ألف حالة تفش لـ32 من مسببات الأمراض، ووجدنا أن احتمال الإبلاغ عن تفش جديد ينخفض بنحو الثلث مع كل ساعة إضافية يستغرقها الوصول إلى منشأة صحية.
وما يحدث في روسيا يذكرنا بحجم الغموض الذي نواجهه عند التعامل مع أخطار مرضية جديدة، كما أظهرت أحداث من قبيل جائحة “كوفيد-19” الأخيرة وحالات تفشي إنفلونزا الطيور “إتش 5 إن 1” H5N1 في الولايات المتحدة أن الدول لا تتعامل بالضرورة بكفاءة مع حال عدم اليقين حين تتحول إلى أزمة فعلية، فكثير من الإصابات لا تخضع للفحص، ولا يجري تتبع مخالطي المصابين.
وفي دول كثيرة، يبدو أن خطة التعامل مع الجائحة المقبلة لا تتعدى عملياً نهج “انتظر وراقب، ثم افرض الإغلاق وانتظر وصول اللقاح”.
لكن ثمة حقيقة واحدة لا يكتنفها الغموض: سيظهر عاجلاً أم آجلاً تهديد وبائي كبير آخر. وعندما يحدث ذلك، ستحتاج الدول إلى استراتيجية أفضل بكثير لمواجهته.
