لم يعد الكاتب الفرنكوفوني يُقاس فقط بما يكتبه، بل بما يُثار حوله من صراعات. بين الحكم القضائي الذي طاول كمال داود، وما رافقه من جدل حول شرعية الحكاية وحدود تمثيل الذاكرة، وبين المسار المعقد لـبوعلام صنصال داخل دور النشر الفرنسية، من غاليمار إلى غراسيه، وما ارتبط به من إعادة ترتيب داخل المؤسسة وصلت إلى إقالة أوليفييه نورا، تتكشف حقيقة أعمق: لم يعد الكاتب مجرد فاعل داخل الحقل الأدبي، بل أصبح موضوعًا للصراع نفسه.
في الحالتين، لا يتعلق الأمر فقط بنصوص أو مسارات فردية، بل بكيفية اشتغال منظومة كاملة تعيد توزيع الشرعية بين القضاء والسوق والمؤسسات الثقافية. هكذا، يتحول الكاتب إلى نقطة توتر تتقاطع عندها أسئلة متباينة: من يملك حق الحكاية؟ من يحدد قيمة العمل الأدبي؟ ومن يقرر موقع الكاتب داخل هذا النظام؟ بين المحاكمة القانونية وإعادة التموضع داخل سوق النشر، يظهر أن الاعتراف الأدبي لم يعد لحظة تتويج بقدر ما أصبح شكلًا من أشكال الانخراط في صراع مفتوح يعيد تعريف الكاتب باستمرار.
من الهامش إلى المركز… ومن التتويج إلى المساءلة
يُجسّد كمال داود نموذجًا لافتًا لهذا التحول الدرامي. فوزه بجائزة غونكور 2024 عن رواية «حوريات» لم يُنهِ الأسئلة حول موقعه، بل أعاد إنتاجها بصورة أكثر حدة. لم يقتصر النقاش على القيمة الأدبية، بل امتد إلى شرعية الحكاية نفسها: من يملك حق رواية الذاكرة الجماعية؟ وهل يحق للكاتب استخدام قصص الآخرين دون إذن صريح؟ أثارت الرواية اتهامات بسرقة قصة ناجية حقيقية، ودعاوى قضائية في الجزائر، بل وصل الأمر إلى حكم بالسجن ثلاث سنوات بتهم تتعلق بـ«الوئام المدني». هكذا، أصبح التتويج في باريس مصدر توتر في الجزائر، وتحول الكاتب من «صوت حر» إلى «متهم» في لعبة الشرعية المزدوجة.
لا يقتصر هذا التوتر على داود. ليلى سليماني، التي تمثل نموذج «الاندماج الكامل» داخل المؤسسة الفرنسية بعد فوزها بغونكور 2016 عن «أغنية هادئة»، تواجه بدورها مساءلات مستمرة حول تمثيلها للهجرة والجسد الأنثوي والنساء المغاربيات. يرى بعض النقاد أن كتاباتها تعيد إنتاج صور نمطية أو تبتعد عن السياقات السياسية العميقة، رغم دفاعها عن قضايا النساء والحريات. هنا يظهر توتر جديد: القرب من المركز لا يحمي من المساءلة، بل يجعلها أكثر دقة وإلحاحًا، كأن الاندماج نفسه يفرض ثمنًا أخلاقيًا.
أما محمد مبوغر سار، الفائز بغونكور 2021 عن «الذاكرة السرية الأكثر سرية للرجال»، فقد أعاد صياغة علاقة الأدب الأفريقي بالمركز الفرنسي من الداخل. كأول كاتب من جنوب الصحراء يفوز بالجائزة، أثار فوزه نقاشات حول «الرمزية» مقابل «القيمة الأدبية»، وكيف يستخدم الكاتب أدوات المركز — اللغة الفرنسية وآليات النشر — للنقد الداخلي. حالته تكشف أن الدخول إلى المركز لا يعني الخروج من التوتر، بل إعادة تشكيله من داخله.
المقارنة مع آسيا جبار كاشفة تمامًا. اشتغلت جبار على الذاكرة والجسد الأنثوي والاستعمار في زمن كانت فيه «المساءلة الأخلاقية» أقل حدة وأكثر ارتباطًا بالنضال التحرري. نصوصها مثل «الأبيض الجزائري» كانت تُقرأ كفعل استعادة للصوت المسكوت عنه. أما اليوم، فإن التوتر نفسه تغير: ما كان يُحتفى به كـ«صوت مضاد» أصبح عرضة لسؤال إضافي: هل يحق لهذا الصوت أن يتكلم باسم الآخرين؟ هل يُعاد تعريفه داخل معايير أخلاقية معاصرة أكثر صرامة؟
هكذا، لا يتغير موقع الكاتب فحسب، بل تتغير شروط القراءة والتلقي ذاتها، من الاحتفاء بالحرية السردية إلى «رقابة الشرعية» الجماعية.
الكاتب داخل اقتصاد النشر: من يكتب… ومن يُنشر؟
يبقى موقع الكاتب داخل سوق النشر عنصرًا حاسمًا. مسار بوعلام صنصال، وعلاقته بدور النشر مثل غاليمار — التي نشرته لعقود — وانتقاله إلى غراسيه، يكشف أن النشر ليس وساطة تقنية محايدة، بل فعل تصنيف وإعادة تموضع داخل الحقل. الدار تمنح الكاتب منصة، لكنها تفرض إطارًا دلاليًا: كيف يُقرأ؟ ولمن يُوجَّه؟ وأي صورة — متمرد، مندمج، ناقد للإسلاموية — يُراد له أن يمثلها؟ ما حدث مع بوعلام صنصال لا يندرج فقط في مسار مهني فردي، بل يكشف أن موقع الكاتب داخل دار مثل غاليمار أو انتقاله إلى غراسيه يمكن أن يعيد ترتيب توازنات المؤسسة نفسها، إلى حد إزاحة أسماء مركزية مثل أوليفييه نورا.
| محمد مبوغر سار: من أعاد صياغة علاقة الأدب الأفريقي بالمركز الفرنسي من الداخل (Getty) |
في هذا السياق، يصبح السؤال «من ينشر الكاتب؟» مكملًا للسؤال «ماذا يكتب؟»، بل أحيانًا أسبق منه. الاقتصاد الرمزي للنشر يعيد إنتاج التوترات الاستعمارية/ما بعد الاستعمارية داخل آليات رأسمالية حديثة.
هل المساءلة شكل جديد من الاعتراف؟
ما يميز المرحلة الراهنة أن المساءلة لم تعد نقيض الاعتراف، بل أحد شروطه الضمنية. كلما ازداد حضور الكاتب في المركز، ازداد تعرضه للنقد، وربما للهجوم الإعلامي أو القضائي.
يمكن طرح فرضية مقلقة: ربما لا يدخل الكاتب إلى مركز الحقل الأدبي إلا عندما يصبح «قابلًا للمحاكمة»، أي عندما يصبح نصه مادة للصراع الرمزي. بهذا المعنى، ليس الكاتب ضحية نظام معقد فحسب، بل فاعل داخله يستفيد من آلياته — الجوائز والمبيعات والشهرة — بقدر ما يخضع لها. بل يمكن الذهاب أبعد: هل تحولت «المساءلة الأخلاقية» نفسها إلى شكل جديد من السلطة الثقافية، تعيد ضبط حدود القول المقبول داخل الحقل؟
ما تكشفه هذه التحولات ليس مجرد تغير في مسارات كتّاب معينين، بل إعادة تشكيل عميقة للحقل الأدبي نفسه. أصبح الأدب جهازًا لإدارة الشرعية: يحدد من يُعترف به، وكيف، ولماذا، وفق قواعد تتقاطع فيها الجمالية مع السياسي والأخلاقي.
لكن السؤال الأعمق يظل مفتوحًا: هل ما زال المركز الفرنسي — غونكور وغاليمار وغراسيه — مركزًا فعليًا، أم تحول إلى منصة عالمية لإعادة توزيع الاعتراف، منصة تستقبل أصوات الهامش لتعيد إنتاج شرعيتها الخاصة؟
بين جائزة غونكور ودار غاليمار، بين النص وسوقه، بين حرية السرد والمساءلة الأخلاقية، لم يعد الكاتب الفرنكوفوني مجرد من يكتب نصه، بل صار كيانًا يُعاد تشكيله باستمرار داخل شبكة معقدة من الاعتراف والسلطة والرمزية الثقافية. لم تعد الكتابة فعلًا فرديًا خالصًا، بل أصبحت فعلًا مشروطًا بتوقعات السوق الأدبي، وبآليات التتويج، وبما تسمح به مؤسسات النشر من سرديات قابلة للتداول والاحتفاء.
داخل هذا التوتر، يتحول النص إلى مساحة تفاوض مستمرة: بين ما يريد الكاتب قوله، وما يُنتظر منه أن يقوله، وبين ما يمكن أن يُنشر، وما يُستبعد أو يُعاد تأويله بما يتناسب مع منطق الجوائز والقراءة الموجهة. وهكذا، يصبح الاعتراف الأدبي ليس نتيجة للنص فقط، بل لقدرته على الاندماج في منظومة تقييم تُعيد تعريفه خارج إرادته أحيانًا.
من محاكمة كمال داود إلى إعادة تموضع بوعلام صنصال داخل سوق النشر، تتأكد فكرة أن الكاتب لم يعد خارج النظام، بل في قلب آلياته، حتى حين يعتقد أنه يعارضه أو يلتف عليه. فالقضية لم تعد تتعلق فقط بحرية التعبير، بل بحدود هذه الحرية حين تُترجم إلى منتج ثقافي قابل للتسويق، وإلى خطاب يُقرأ دائمًا داخل سياقات سياسية وأخلاقية متشابكة.
هكذا يصبح الكاتب الفرنكوفوني معلقًا بين صورتين: صورة الذات التي تكتب بحرية، وصورة تُصاغ له من الخارج بوصفه شاهدًا، أو ممثلًا، أو حتى «صوتًا» لمكان أو جماعة. وفي هذا التمزق تحديدًا، تتحدد معالم موقعه المعاصر داخل الأدب العالمي.
السؤال الأخير الذي يظل معلقًا: هل يكتب الكاتب نصه اليوم؟ أم أن النظام الأدبي — بمؤسساته واقتصاده ورموزه — هو الذي يكتب موقعه؟