في الجانب الآخر، تأتيك أخبار جوائز كبرى بفوز كتب لا تُسمن ولا تُغني من جوع، عن السيرة الذاتية في الرواية والحجاج في الرواية وغير ذلك من القضايا التي لا تصلح إلا للتدريس في السنوات الأولى في أقسام الأدب العربي واللسانيات، ولا أثر لها في غير هذا السياق حصرًا. بل هي كتب قد لا يتذكرها حتى محكّمو الجوائز.
| الخطيبي |
ما الذي يحدث؟ أين صُلب المفارقة الكبرى التي نعيشها؟ كان المثقفون العرب في ما مضى من العقود يؤلفون أكثر مما يترجمون، مهما كانت تآليفهم ذات صبغة أيديولوجية، وهم اليوم يترجمون أكثر مما يؤلفون، بل إن تآليف الكثيرين منهم عبارة عن ترجمات بتصرف وسرقات أدبية خفية. هل تحوّلت الترجمة إلى تعويض (بالمعنى النفساني) عن الإبداع الثقافي؟ لماذا لا تُغري موضوعات من قبيل تلك التي تجذب المترجمين، عقولَ وأقلامَ الباحثين والكتّاب، الشباب منهم وذوي الخبرة؟
من ثقافة الاستنبات إلى ثقافة الاستهلاك
كانت الأجيال السابقة أجيالًا موسومة بالازدواج والتعدد اللغوي. وكان ضمور الترجمة حافزًا على القراءة والتكوين المعرفي، على الأقل بلغة أجنبية واحدة. ولعل النشأة في عصر الاستعمار كانت عاملًا مساعدًا في ذلك. فالحس الوطني لم يكن يمنع من تملُّك لغة الآخر بل يشجع عليه بناءً على حكمة: اعرف عدوك. وكان تكلّم اللسان الأجنبي علامةً على الانفتاح السياسي والثقافي. ولم يكن الانفصام والشرخ بين الثقافة الحداثية والثقافة الأصولية (ثقافة الأزهر وجامع الزيتونة والقرويين) كبيرًا، بل كان مثيرًا لصراعات ثقافية خصيبة.
وكان الكتّاب بلغة أجنبية يتناولون قضايا وطنهم. فبالمغرب مثلًا ساهمت كتابات إدريس الشرايبي والعروي والخطيبي وغيرهم في طرح قضايا المجتمعات المغاربية والعربية أكثر مما أثارتها كتابات علال الفاسي. ولم تُساهم موجة التعريب (تعريب التعليم والإدارة) سوى في خلق أجيال لا تُتقن لا اللغة العربية ولا الفرنسية، بل خلقت شرخًا (بالجزائر كما بالمغرب) بين جيل الاستقلال وجيل الدولة الوطنية.
أما جيل الثمانينيات والتسعينيات فقد وجد نفسه يفقد هذا التعدد اللساني ويعيش ضربًا من التيه الثقافي، فيما اتجه جيل “زد” (جيل الألفية الجديدة) إلى ترك العربية والفرنسية لصالح الإنكليزية. إنه جيل شفهي بامتياز نشأ في قلب التواصل الإلكتروني (الشات). مع تراجع التعدد اللساني تطوّرت الترجمة خاصةً منذ التسعينيات وصارت تأخذ أحيانًا حصة الأسد في استراتيجيات دور النشر في البلدان العربية. وفي رأينا، أدى تراجع التعدد اللساني إلى تنامي مجهودات الترجمة (التي أُفردت لها جوائز لم تكن معروفة قبلًا)، فيما أدى تطور الترجمة إلى تحجيم القراءة بلغات أخرى وتعميق أحادية اللسان لدى المتعلمين عمومًا. وهذا لعمري نتيجة كارثية مقلوبة لا تعرفها الأمم المتقدمة. فالمفروض في الترجمة تعزيز التعدد اللغوي لا تحجيمه، وإخصاب الثقافة المترجِمة لا إنضاب مياهها المعرفية. وهذا السياق العام هو الذي يفسر لنا كيف أن الترجمة اليوم تُنتج لدينا عكس ما يُفترض فيها إنتاجه من آثار إيجابية، على الأقل فيما يخص تطوير الثقافة المحلية وتجديد دمائها. فالترجمة، عدا كونها تساعدنا على التعرف على الثقافات الأخرى وفرادتها، مطالبةٌ بأن تصبّ دماءً جديدة في الثقافة المحلية بما تحمله من غريب وجديد ومبتكر، وإلا فلا حاجة لنا بها.
مرةً أخرى أبدأ بحصافة الخطيبي في هذا المضمار، هو الذي كان يعتبر أن الترجمة تخترق الكتابة والتأليف. فكتابات هذا الأخير (رغم أن ما تُرجم منها قليل) تقدم لنا مثالًا ثاقبًا عن تلك المفارقة التي أشرنا إليها. تملَّك الخطيبيُّ كتابات نيتشه وهايدغر ودولوز وبارت في لغتها الأصل أو مترجمةً إلى الفرنسية. فقد جعلت منه صداقته بجاك دريدا ورولان بارت، وتمثّله العميق لهايدغر ونيتشه، أحد أكبر الكتّاب السجاليين في العالم العربي الذي حطّمت مطرقته خطاب ما كان يُسمى بـ”اليسار الصهيوني”، وأول مفكر للاختلاف، وأول السيميولوجيين العرب، ومن أوائل دارسي الجسد…
بالشكل نفسه، تمثَّل عبد الله العروي فكرَ هيغل ومفكري الأنوار الفرنسيين بشكل لا مثيل له في العالم العربي، فأنتج فكرًا مميزًا على هامش الفكر الماركسي الذي كان سائدًا في عصره، وفي تقاطع معه. وانتهى به المطاف إلى إعادة ترجمة كتابه “الأيديولوجيا العربية المعاصرة” بنفسه (لأنه لم يكن راضيًا عن ترجمة محمد عيتاني). وعمد بنفسه إلى ترجمة بعض كتابات الأنوار، تأكيدًا منه على حاجتنا الماسة إلى فكر تنويري، بالنظر إلى أن نهضتنا غامضة وملتبسة وتنويرها وحداثتها معطوبة ومحجوزة ومبتورة.
| جاك دريدا (Getty) |
إنها الترجمة بمفهومها العام والنصي التي تشتغل في فكر الكاتب نصيًا وثقافيًا، والتي تقوده إلى ضروب من التأويل والتملّك والحيرة الثقافية النشطة. ولا ريب في أن ذلك التملّك المعرفي، باعتباره تعبيرًا عن النضج الثقافي وعن الوعي بالموقع التاريخي والجغرافي للمثقف المحلي، هو الذي يستنبت فكر الآخر من خلال حوار نقدي معه، من غير أن ينصاع له كليًا، فيبني تجربةً معرفيةً جديدةً قوامها ترجمة من نوع خاص.
أين نحن اليوم من هذه الاستراتيجية المعرفية الخصيبة التي كانت فيها ندرة الترجمات تترجم نفسها بشُسوع المغامرة الفكرية والثقافية؟ فمع وفرة الترجمات، تحجَّم الإبداع المعرفي والثقافي ومغامرة الفكر ضمرت إلى حدود كبرى؛ وشُحُّ النظريات الفكرية الجديدة صار أمرًا ملفتًا للنظر. إنه الجنوح إلى استهلاك الثقافات الأخرى كما تُستهلك تكنولوجياتها. فهل خضعت الترجمة إلى هذا الحد للتسليع؟
الوجه القاتم للقمر
للترجمة إذًا وجهان: أحدهما منير والآخر قاتم. وخطورة هذا الوجه الأخير لا تعود دومًا إلى الترجمة في ذاتها بقدر ما تعود إلى التحولات الراهنة التي أنتجتها العولمة. فكما أن السيولة واللاتحدد وغياب الغائيات الثقافية والمجتمعية أصابَ السلوك اليومي والتواصل، كذلك أصاب الأمرُ الترجمةَ فأفرغها من مقصدياتها ومن غائياتها. مهمة الترجمة متعددة. فهي تعريف بالكتب الغريبة عن الثقافة الأم، وهي دعوة للتعرف إليها مهما كانت غرابتها واختلافها. كما هي عملية تروم بشكل أو بآخر استنبات مفاهيم وأفكار جديدة غريبة عن تلك الثقافة. إنها ضيافة متعددة: لغوية وعرقية وثقافية وفكرية.
هذا الوجه القاتم هو ما يمكن تسميته بالآثار الجانبية للترجمة كترياق. وكل ترياق يغدو سمًا إذا لم يُستعمل بمنهجية واضحة وتبعًا للحاجة إليه وبمقادير معينة مناسبة. لذلك فإن هشاشة الثقافة في العالم العربي لا تطبع الترجمة فحسب، بل تتجاوزها إلى البحث الاجتماعي وإلى الجوائز والفن. لا يمكن الشك في أن الترجمة هي أكثر الممارسات الثقافية حاجةً إلى تنظيم مؤسسي يُخرجها من تهور الاختيارات الفردية والخبط العشوائي والطابع الهاوي للمترجمين، مما لا يمنع من تطوير المبادرات الفردية وتشجيعها. هذه الهشاشة لم يمنحها صلابةً التناميُ المطرد في العقد الأخير للترجمات مقارنةً بالمؤلَّفات، بل عمّق من شروخها وأسئلتها الحرجة.
قد يقول قائل: وما خطيئة الترجمة إن كان متلقوها لا يستعملونها في تطوير قدراتهم الثقافية وتوجيه تلك القدرات نحو الإنتاج الثقافي المحلي المبدع؟
إن سؤالًا من قبيل هذا يفضح طبيعة الثقافة في بلداننا. فهي ثقافة تُساهم الجامعة كما الترجمات في دفعها نحو التهافت وركوب الموجات المتعاقبة، وتقليد الجامعات الغربية بالاهتمام بمستحدثاتها: من ما بعد الحداثة، ومن نسوية (بجميع أنواعها)، ومن جندرية وما بعد كولونيالية وديكولونيالية ونقد ثقافي وهلمّ جرّا… والحال أن ما تنبني عليه تلك المناهج الجديدة لم يأتِ من فراغ بل ينطلق من تاريخ الثقافة الغربية أو الثقافة المحلية لكتّابها ومنظّريها، ويعيد تأويلها أو تثمين بعض عناصرها.
فالمترجَمات تحمل إلينا تصورات جهوية مهما رغبت في التقنّع بالكونية. ونحن باعتبارنا قراء لها، حاملون لخلفياتنا الثقافية وقادرون على تأويلها وانتقادها حتى. فما بالك إذا كان القارئ باحثًا أو كاتبًا أو متدخلاً ثقافيًا؟ إن موقعه هذا يمنحه الحق في تملّك المترجَمات وإدماجها في تصور شخصي قد يكون انتقائيًا وقد يكون منهجيًا واستراتيجيًا. وهو في تلقّيه ذاك يغدو مطالبًا بأن يكون لا فقط في مستوى فكر النص المترجَم، بل أيضًا في مستوى جهد المترجم، بالتيقظ الدائم لمقاصد المؤلف والمترجم معًا، وللسياق الذي جاءت فيه الترجمة.
هكذا، وبهذا الشكل، يمكن مقاومة الآثار السلبية للترجمة بوصفها حجابًا يُغلّف الرغبة المحلية في إنتاج المعنى والمفاهيم والتحولات، لتغدو الترجمة جزءًا من حوارية مركبة تدخل فيها رغبات القارئ المنتِج.
إنتاجية العلوم الاجتماعية أمام الترجمة
تعاني العلوم الاجتماعية في بلداننا من الهشاشة، خاصةً منها الجوانب الميدانية التي تحتاج إلى جهد وتفرّغ وعيانية وتمويل كبير وحرية سياسية واجتماعية كبرى لا زلنا نفتقر إليها في جلّ العالم العربي. إن فقرها هذا، الناجم عن هامشيتها مقارنةً بالأبحاث الأدبية والفنية، وعن خوف سلطات البلدان العربية من جسارتها ونتائجها، يجعلها علومًا تُدرَّس أكثر مما تُنتج من أبحاث ونظريات. ولعل هذه الهشاشة هي ما يجعلها الأكثر تضررًا من الترجمات. ففيض الترجمات في هذا المضمار يُغرق الباحثين الشباب في حال من العجز والوكالة النظرية اللذين يجعلانهم في حيرة من مآلهم، بين الدهشة وعسر الهضم والتمثّل وانحجاب واقعهم المحلي عن مرائيهم. فهذا الواقع المحلي يبدو لهم بعيدًا عمّا تحلله تلك المرجعيات المترجَمة، وغامضًا ومتداخلًا ومتراكبًا وذا إيقاعات عديدة يصعب الإمساك بها بوضوح. لذا تراهم إما يلزمون الصمت ويتجهون إلى أبحاث نظرية يساعدهم فيها بكرم وافر الشاطرُ الاصطناعي، وإما يُسقطون بشطط كبير ما يتلقونه من تنظيرات على وقائع محلية لا ينتظمها خيط جامع.
العوالم الاجتماعية في العالم العربي غنية بمكوناتها، بكرٌ متمنّعة على الباحث. تتداخل فيها موروثات الماضي المتعاقبة مع مستحدثات الحاضر المتوالية، وتجتمع فيها البنيات التقليدية مع أنماط السلوك والعيش الحديثة، وتختلط فيها البداوة بالحضارة والعصبية القبلية بحداثة الدولة، وفيها تتداخل بشكل مركب التكنولوجيا الأحدثُ بالمخلفات الأقدم، والتديّن بالشعوذة والسحر وببعض المعتقدات العتيقة. إلى هذا الطابع المركب للمجتمعات العربية، تنضاف تعدديتها الساطعة، حيث تتجاور اللغات واللهجات والأعراق والجغرافيات والمعتقدات والرسوبات والسلوكيات الوافدة… إنها مجتمعات تعيش الحداثة والعولمة في مزيج يُنتج افتتانًا بهما وممانعةً عنيدة لها، تستعملهما وتُنكرهما في آنٍ واحد، والهوة سحيقة فيها بين الأجيال التي لا يوحّدها سوى استعمال التكنولوجيا الرقمية.
هذه السمات وغيرها تَستشكل على الباحثين الشباب المتشبعين بالترجمات في مجال العلوم الاجتماعية. وما داموا لا يُنسِّبون هذه المرجعيات ولا يتناولونها انطلاقًا من موقعهم المعرفي والوجودي المحلي، فإنهم يخسرون أهميتها كما يخسرون مهمتهم في فهم مجتمعاتهم المحلية. إذا كانت ترجمة الرواية والشعر تخلق متعةً في اللغة الأم وتستنهض متخيَّلها باتجاه كتابة محتملة العالمية، فإن الترجمات في مضمار العلوم الاجتماعية تُغازل فيها لغتنا المفاهيمَ والتصورات الجديدة. وقراءتها، إن لم تفتح أعيننا ووعينا على واقعنا وما يحيط بنا كما على تاريخنا، فإنها تتحول إلى سلطة وإلى نص جامد يستقر في ذاكرتنا كصنم.
تصنيم الترجمات، وصنمية النظريات الحاملة لها، يجعلنا عميانَ أكثر، نتهادى في أبهاء الثقافة وعلى أعيننا طبقات من الحجب الكثيفة، غير مدركين أنها حافز للبحث والفكر والتفكير. إنها تحجب عنّا التفكير لأننا ننغلق في رحمها من غير أن نولد من جديد، ومن غير أن ننظر لمحيطنا بنظرة جديدة، إذ هي تتحول من مصدر إلهام خصب إلى عامل إخصاء ثقافي يعمّق فينا التخلف والإحباط والاجترار والعجز. وذلكم هو الوجه الخفي للترجمة…