
من فيلم “الكلبة” البرازيلي التشيلي (ملف الفيلم)
سارة النمس… ناقدة. .. المصدر اندبندنت عربية
ملخص
للوهلة الأولى، قد لا يبدو عنوان رواية الكلبة للكاتبة الكولومبية بيلار كينتانا، مغرياً بما يكفي للقراءة. فهو قد يوحي أن ثمة حكاية كاملة تدور عن كلبة أو لعلها تبدو رواية رمزية شبيهة برواية “مزرعة الحيوانات” لجورج أورويل. كذلك قد تترك الانطباع أنها مخصصة لشريحة معينة من القراء ممن يحبون رفقة الكلاب.
تبدو رواية “الكلبة” التي تحولت إلى فيلم برازيلي – تشيلي، على خلاف كل التكهنات، من الأعمال الواقعية والمكثفة التي قد ترغب بقراءتها مرتين. رواية تبدو بسيطة في ظاهرها غير أنها تتمتع بالعمق الكافي الذي يدفع لطرح تساؤلات جادة، فلسفية ووجودية، إذ تكشف بيلار كينتانا عن جانب من الإنسان هش ومتوحش في الوقت ذاته، من خلال علاقة امرأة بكلبتها، حتى تتحول العلاقة إلى مرآة للذات تفضح كل ما كانت البطلة تخشى مواجهته.
هذه الرواية التي أسرت القراء في أميركا اللاتينية، نشرت بعنوان مماثل باللغة الإسبانية La Perra، وترجمت إلى 16 لغة، ورشحت لجوائز عدة، واقتبس عنها فيلم من إنتاج برازيلي تشيلي، عرض هذا العام في مهرجان “كان”، ومن حظ القارئ العربي، أن هذه النوفيلا التي لا تتجاوز صفحاتها 104 صفحات، متوافرة بترجمة أحمد محسن عن دار الرافدين.
داماريس وتشيرلي
بلا أي تمهيد، تبدأ رواية “الكلبة” بحوار يدور بين داماريس (بطلة الرواية) وسيدة تدعى إلوديا، تخبرها عن كلبتها التي عثرت عليها مسمومة وميتة على ظهرها في الشاطئ. فتبدي داماريس تعاطفاً تجاه إلوديا، وتقرر بعفوية أن تتبنى أحد الجراء اليتيمة. تأخذ منها الكلبة الصغيرة التي لم تتعلم بعد حتى كيف ترضع الحليب من القنينة، لتعيش برفقتها هي وزوجها روخيليو، رجل متجهم لا يحب الكلاب، غير أنه يربيها لأجل الحراسة. على هذا النحو، تنطلق أحداث رواية “الكلبة” بهدوء، في قرية لاتينية نائية، على ضفاف المحيط الهادئ، لتروي حياة شخصيات فقيرة ومهمشة، وتتطرق إلى تحدياتهم اليومية وكيف يواجهون مشكلاتهم الشخصية التي لا يملكون دائماً الإمكانات لحلها بطرق يسيرة.
تصف الكاتبة بطلتها على أنها امرأة سمراء وفقيرة، ممتلئة الجسد في منتصف العمر، عانت العقم، وظلت تحاول لسنوات طويلة التداوي بالأعشاب والطب البديل، حتى يئست وتوقفت عن المحاولة. تقيم داماريس، في كوخ خشبي متهالك يقع في جرف الغابة، أسفل البيوت الفخمة التي تتمتع بأحواض سباحة وأرصفة صخرية. تصور الروائية عن قرب، عالماً متناقضا بهوة اجتماعية يطغى عليه التفاوت الطبقي بين الأثرياء البيض الذين يقضون إجازاتهم في بيوتهم الراقية، والخدم الذين يحرسون بيوتهم ويحرصون على تنظيفها وإصلاحها في غيابهم.
وحين تتبنى داماريس الكلبة، تطلق اسماً عزيزاً عليها “تشيرلي”، اسم احتفظت به في نفسها لسنوات كي تطلقه على ابنة تنجبها. يأتي هذا التبني في أنسب توقيت للشخصية، في وقت تشعر فيه بالفراغ والوحدة والوحشة، وفي حاجة أليمة لمنح العطف والحنان لأي كائن حي. تصف الكاتبة، لحظة احتضان داماريس للكلبة بهذا النص: “حملتها على صدرها، كانت في حجم يديها، وتفوح برائحة اللبن، وتجعلها تشعر برغبة شديدة في عناقها بقوة، والبكاء”.
في المرحلة الأولى من التبني، تبدأ علاقة أمومية حميمية بين داماريس وكلبتها، ترعاها بحب وتغدق عليها الحنان، وتبذل مجهوداً خرافياً كي تغذيها. فهي كي تشتري لها الخبز وتبلله بالحليب، تضطر إلى هبوط السلالم وحمل مجداف وركوب زورق، وعبور خليج صغير للوصول إلى محال القرية على الجانب الآخر. تداعب داماريس كلبتها طوال الوقت، كما لو أنها لا تصدق وجودها إضافة إلىها، أو تخشى أن تفقدها بصورة ما، كما فقدت أمها ذات يوم. تنتقدها قريبتها وتقول لها: “ستقتلين هذا الحيوان بكثرة لمسه”. غير أن هذه العلاقة التي تجمع داماريس بكلبتها لا تستمر بهذه الرتابة، وتأخذ منحى مغايراً وغير متوقع، عندما توضع الشخصية الرئيسة في ظروف نفسية جديدة مرتبطة بماضيها، فيتابع المتلقي عقدة سردية محيرة، تجعله يهتم بمعرفة ما ستؤول إليه الأمور.
البحر كخلفية روائية
يحضر البحر بقوة في رواية “الكلبة” كخلفية روائية بارزة، لا كما نعرفه كمكان شاعري ملهم، ولكن بصورته الكئيبة والغاضبة والمتمردة. تستغله الكاتبة في تأثيث العمل الروائي ورسم مشهد سردي متكامل. وفي الوقت ذاته توظفه بحضور رمزي وبأسلوب تجريدي، حتى يتحول إلى استعارة وجودية لعالم داماريس، ومرآة نفسية لذاكرتها وماضيها وعقدها. فكأننا في كل مرة نتأمل البحر من خلال عينيها هي وكما تراه، وليس كما هو موجود في هذا العالم. كأن يصفه الراوي العليم: “هي والكلبة جالستان، وجهاهما إلى الخليج، حيث الأمواج ترتفع مسرعة ومظلمة وصامتة مثل أناكوندا هائلة”.
يمثل البحر إذا لداماريس أي شيء إلا الأمان، البحر بالنسبة إلى ها هو المكان الذي يذكرها بذكريات بعيدة وأليمة. ويرتبط في ذاكرتها بالهم والحزن والقسوة والفقد، ويضاعف وحشتها كلما مرت به: “ظل البحر هادئاً كحمام سباحة لا نهائي، لكن داماريس لم تنخدع، هي تعلم جيداً أن ذلك البحر هو الحيوان الشرير الذي يبتلع ويبصق الناس”.
شجاعة قول ما لا يقال
تتميز كتابة الكولومبية بيلار كينتانا بأحد أقوى الأدوات السردية، وهي شجاعة قول ما لا يقال. تلك الخواطر التي نفكر فيها دون أن نمتلك شجاعة البوح عنها، وتلك الأحاسيس الدفينة التي قد تعشش في قلب امرأة عجزت عن الإنجاب. إلا أنها غالباً لا تستطيع أن تصوغها في كلمات تجرح كبرياءها. لذا قد نجد النساء ممن حرمن من الأمومة في الواقع، قادرات على الحديث عن حاجاتهن الفطرية للإنجاب، وإحساس بعضهن بالنقص ورغبتهن الملحة في الأمومة، ولكن ليس بكلمات دقيقة كالمشرط، كالتي تكتبها كاتبة مثل بيلار كينتانا، إذ تعبر عن هذه الهشاشة بعبارات أدبية مؤثرة، كأن تقول: “كان خزياً أنثوياً، أشعرها كما لو كانت فضلة من فضلات الطبيعة”. أو تصف داماريس قائلة: “جسد لا يمنحها الأبناء، ولا ينفع سوى في كسر الأشياء”. كذلك في العالم الواقعي الموازي، تحاول النساء ألا يظهرن غيرتهن ممن أنجبن، ولكن في الرواية يرد مثلاً هذا النص: “عن المرات التي بكت فيها في صمت وعن بشاعة أن الجميع يمكنه إنجاب الأطفال وهي لا، وعن الطعنات التي تشعر بها في روحها في كل مرة ترى فيها امرأة حاملاً أو طفلاً حديث الولادة، وعن عذاب أن تعيش مشتاقة إلى أي كائن صغير”.
تنهي بيلار كينتانا رواية “الكلبة” بخاتمة من الصعب تخيلها والتنبؤ بها، بعدما اشتغلت على شخصية مركبة ونامية تعاني عقداً نفسية وذاكرة مكبوتة وذكريات لم تتوقف عن إيلامها وتعكير أيامها. في لحظة واحدة، تصعد كل العقد إلى السطح، لتباغت شخصية داماريس القراء بسلوك غير متوقع، في رواية ميزتها بساطة السرد وهدوئه، وأفكار ناضجة بأبعادها العميقة. حكاية في غاية البساطة لكنها شديدة التعقيد، قصيرة ومكثفة، هادئة ببوح جريء، وقائمة على عوالم نفسية تستفز التلقي الذهني.
تحكي رواية “الكلبة” ما تفعله الوحشة بالإنسان إلى حد التوحش، وتعرض تناقضاته وغرابته حتى عن نفسه، إلى حد قد يكون محيراً في مبادئه وقيمه وعواطفه وأفعاله، وذلك القلب الإنساني الذي نحمله، وقد يكون مليئاً بالرحمة، قد تفرغ منه تماماً لتحل محلها قسوة لا حد لها.