احمد علي إبراهيم.. جريدة المدى
لا يزال الجمهور يتفاعل بشدة مع الإجراءات الحكومية المدعومة قضائيا بشأن الفساد ويتطلع الى ذلك اليوم الذي يشاهد فيه رؤوس الفساد خلف القضبان وقد كتب أحد الأصدقاء (في العلوم السياسية يعرف هذا السلوك بتقديم «أكباش الفداء البنيوية» فالنظام السياسي في العراق يمتلك غريزة بقاء عالية جداً… ما يحدث اليوم هو عملية صيانة اضطرارية لبنية النظام وليس تغييراً في جوهره أو هويته. إنها خطوه فرضتها غريزة البقاء لا إرادة البناء والإصلاح).
وعندي ان الإشكالية لا تتعلق فقط بمدى نجاح هذه الحملات في ملاحقة الفساد بل بقدرتها على إحداث تحول مؤسسي يعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمجتمع ويؤسس لأنماط جديدة من الحوكمة والإدارة العامة.
والسؤال المركزي: هل تمثل الإجراءات الحالية المتعلقة بمكافحة الفساد بداية لعملية اصلاح بنيوي أم أنها تعكس آليات تكيف يعتمدها النظام السياسي لإعادة انتاج نفسه والحفاظ على استمراريته؟
في الغالب ان الأنظمة السياسية لا تعمل بوصفها كيانات جامده بل تمتلك قدرة مستمرة على التكيف مع التحديات التي تواجهها، ان الدولة وفق التحليل الماركسي ليست مؤسسة مستقلة او محايده بالمطلق بل تمثل في جانب منها ما يعكس التوازنات للقوى والمصالح السائدة داخل المجتمع وبهذا الفهم فإن الفساد لا يفسر بوصفه مجرد سلوك فردي أو انحراف اداري ناتج عن أشخاص بعينهم وانما بوصفه تعبيراً عن طبيعة العلاقات الاقتصادية والسياسية التي نشأت داخل المجتمع فعندما تتداخل السلطة السياسية مع مراكز النفوذ الاقتصادية وشبكات المصالح يصبح الفساد جزءاً من آلية توزيع الموارد والنفوذ وليس مجرد حاله استثنائية يمكن معالجتها عبر تغيير أشخاص أو استبدال مسؤولين وعندنا يمكن النظر الى الدولة وهي تعمل داخل بنيه ذات طابع ريعي يعتمد بصورة كبيرة على عوائد النفط فإن الصراع السياسي يحتدم حول توزيع الريع والسيطرة على موارده لهذا يمكن تفسير حملات مكافحة الفساد بوصفها احدى آليات إعادة تنظيم التوازنات داخل المكون أو الكتلة المهيمنة على المجال السياسي والاقتصادي. من هنا يصبح من الضروري إعادة ترتيب العلاقات الداخلية وإعادة توزيع الأدوار للحفاظ على الاستقرار العام.
غير ان الماركسية لا تتوقف عند هذا المستوى من التحليل بل ترى ان تراكم الازمات الاقتصادية والاجتماعية يؤدي تدريجياً الى تعميق التناقضات داخل المجتمع حيث تظهر البطالة بصورة مختلفة عما كانت عليه سابقاً لتصبح مرتبطة بفوضى التحولات التي شهدها قطاع التعليم وبالأعداد المتزايدة من الخريجين مقابل محدودية قدرة سوق العمل على استيعابهم وهذا الأثر لا ينتج ازمة اقتصادية فحسب بل بخلق ايضاً أزمة توقعات اجتماعية تتعلق بمستقبل فئات واسعه من المجتمع. وحيث تتراجع الخدمات ويتسع الشعور بعدم المساواة وتكبر الفجوة بين التوقعات والقدرات الواقعية للمؤسسات تبرز بوضوح مؤشرات على وجود أزمة تتجاوز حدود الإدارة والسياسات اليومية لتصل الى مستوى البنية نفسها. لذلك فإن الازمة في هذا السياق ليست لحظة تفكك حتمي وإنما لحظة تتكثف فيها التناقضات وتفتح احتمالات متعددة للمستقبل وفي ضوء هذه المعطيات يمكن توصيف المرحلة الراهنة بأنها مرحلة ” لايقين سياسي واجتماعي” حيث تتعدد المسارات المحتملة وتصبح التنبؤات الحاسمة أقل دقة نتيجة تشابك عوامل عديدة مؤثرة. كما ان الخروج المؤقت من أزمة معينه لا يعني بالضرورة العودة الى الوضع السابق والى نفس شبكة المصالح المستحكمة لأن كل أزمة تترك آثاراً تراكمية تعيد تشكيل الوعي.. الاجتماعي وتغير طبيعة المطالب العامة وفي هذ السياق قد تتجه البلاد نحو مزيد من التعقيد والصراعات الممتدة كما تظهر فرص لإعادة بناء العلاقات بين الدولة والمجتمع على وفق أسس جديدة الا ان كلا المسارين يحمل كلفاً سياسية واجتماعية واقتصادية باهضه.
ان الملاحظة الأكثر دقة في التوصيف كما يبدوا لنا، ان البلاد تعيش مرحلة يتراجع فيها قبول الصيغ القائمة في الحكم بينما لم تتبلور بعد صيغة سياسية واجتماعية جديدة قادرة على ايجاد الحل لذلك تزداد حالة اللايقين والصراع حول المستقبل وكما قال أنطونيو غرامشي أن ” الأزمة تتمثل في أن القديم يحتضر والجديد لم يولد بعد».
