ملخص
عراقيات كثيرات أجمعن على أن حقوقهن شهدت تحسناً دستورياً لفظياً فقط، لكن الأمور باتت أسوأ. والدستور على رغم أنه يحمي المرأة في عدد من القضايا لكن هناك مسائل لم يتفق عليها، وتبذل النساء جهداً من أجلها. وهناك شعور بأن النساء يتعرضن لسوء المعاملة والخوف أثناء التنقل، فضلاً عن العنف الجسدي والجنسي، وأن حياة العراقيات لا تزال مهددة من جميع الاتجاهات، وحتى القوانين لا يتم تنفيذها على قدر المساواة.
منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، كانت المرأة قريبة على التحولات التي شهدها النظام القانوني في البلاد، فمع نشوء مؤسسات الدولة وظهور الدستور والقوانين، بدأت مكانة المرأة تنتقل تدرجاً من نطاق الأعراف والتقاليد والأحكام الدينية المتعددة إلى فضاء قانوني تتولى الدولة تنظيمه عبر التشريعات، وأسهم تعليم المرأة المبكر في التعجيل بتطورها العلمي والمهني والقانوني. انعكس ذلك على ضرورات مشاركتها في إدارة الشأن الحكومي والمجتمعي عموماً، مما جعلها منخرطة في ميادين التحولات الكبرى في الحياة العامة، كالثورات التي شهدتها البلاد منذ عام 1958، وتحول النظام السياسي من ملكي إلى جمهوري، وجاء تعيين أول وزيرة للبلديات العراقية الطبيبة اليسارية نزيهة الدليمي عام 1958 ليعطي للمرأة العراقية أملاً في المشاركة السياسية الواسعة وفي العمل الحكومي، وكانت الدليمي أول وزيرة في العالم العربي، وفتحت الباب لأخريات في مجالات الصحة والتعليم والبيئة وسواها طيلة العهد الجمهوري، حتى حققت المرأة نسبة 27 في المئة من مقاعد برلمان عام 2005.
لكن هذا لم يحل دون تعرضها للتهميش والقسوة المجتمعية، وتشكو كثيرات من ظواهر كثيرة جعلت المرأة في حال قلق مستمر، سيما التشريعات التي فرضتها الغالبية الإسلامية في البرلمان بعد عام 2003 بفرض “القانون الجعفري” الذي أثار ويثير جدلاً لم ينته بعد، لما فيه من إجحاف ونكوص عن التشريعات المدنية التي سبقته، حتى باتت أوضاعها تتدهور جراء عوامل مركبة منها التشريعية والسياسية والعشائرية وبروز ظاهرة اللادولة والسلاح المنفلت، إضافة إلى الشعور بالاستهداف الذكوري لدورهنّ الاجتماعي.
عنف وتهديد
تقول شذى القيسي، وهي ناشطة مدنية في مجال حقوق الإنسان لـ”اندبندنت عربية”، “تمثل المرأة العراقية حالياً 49 في المئة من سكان العراق، ويمثّل انعدام الأمن للمرأة أحد العوامل الرئيسة التي تقف حاجزاً أمام تحقيق المساواة بين الجنسين، ممَا يعوق عملية السلم المجتمعي، إذ تتعرض عشرات الآلاف من النساء للعنف الأسري من قبل الأهل والأزواج والأبناء والأقارب. كذلك حالات العنف والتعسف الوظيفي التي استدعت تدخلاً أمنياً، بصرف النظر عن عدد الحالات المخفية في المنازل. وتعرَّضت المجموعات النسائية وناشطو المجتمع المدني الذين ظهروا بوصفهم قيادات بعد عام 2003 للتهديد المستمر أو القتل في وضح النهار في محاولة لتجنُّب جهودهم نحو النشاط السلمي أو المطالبة بالحقوق”.
وتضيف شذى “كان افتقار العراق إلى المؤسسات الوظيفية يعني أن منظمات المجتمع المدني كانت ضرورية للحفاظ على الأرضية الأساسية أثناء الاضطرابات التي أعقبت سقوط النظام السابق، ومع ذلك لم تنعكس هذه الجهود التي تقودها النساء في أي مظهر من مظاهر إشراكهنَّ في السياسة مشاركة واضحة، ومن دون إملاءات أو تهديدات مستمرة، فقد واجهت النساء في العراق عنفاً منهجياً من قبل الهيئات الحكومية والعشائر والجماعات المسلحة، ونتيجة لذلك لا يزلن يجدن أنفسهن مواطنات من الدرجة الثانية، فضلاً عن تأثير الأوضاع الاقتصادية السيئة المستمرة في عدم المساواة بين الجنسين الموجودة سابقاً، أضف إلى ذلك العقبات القانونية التي تعامل النساء على أنَّهن أقل درجة من الرجال، ولها ارتباط مباشر بزيادة العنف أو تعرُّض حياتهن للخطر”.
وتتابع “من بين القوانين الرئيسة غير المنصفة للنساء والفتيات في العراق المادة (41) من قانون العقوبات العراقي رقم (1)، الذي نص على أنه (لا جريمة في ممارسة حق الزوج الشرعي مع زوجته)، بما في ذلك تأديب الزوجة من قبل زوجها، أما المادة (128) فتوضح عدداً من الأسباب التي تؤدي إما إلى تخفيف العقوبة أو إلغائها، وتُعفي المادة (398) من قانون العقوبات الجاني الذي ارتكب جريمة بدافع (الشرف) من العقوبة تحت ما يسمى (غسل العار) في المجتمعات المحلية. ويمنح القانون الحرية لكل شخص يقوم باغتصاب ضحيته ومن ثم يتزوجها، ويُعفى الجاني في هذه الحال من الملاحقة القضائية. وهذا يدل على تواطؤ قانون العقوبات العراقي المشرّع عام 1969، الذي بقي من دون تغيير حتى مع تغير النظام السياسي في 2003، مما حفز الجناة على ارتكاب جرائمهم مع الإفلات المستمر من العقاب، وترك النساء والفتيات الناجيات من العنف من دون أي حماية قانونية”.
وتستند أحكام قانون العقوبات المذكورة آنفاً إلى افتراض أنَّ للرجال الحق في تأديب النساء والفتيات والأطفال، ويمنح قانون العقوبات العراقي السلطةَ الكاملة للذكور في “تطبيق القانون” داخل بيوتهم، وتُبرر الجرائم المتزايدة تجاه النساء والأطفال بتردي الأوضاع السياسية والاقتصادية. وفي ظل التشريعات والقوانين المستحدثة بعد عام 2003 يراوح المشهد بين مكاسب سياسية ودستورية متقدمة من جهة، وتحديات وتشريعات قانونية واجتماعية مثيرة للجدل تهدد حقوقها المدنية والأسرية من جهة أخرى، إذ حصلت المرأة على حقها في المشاركة التشريعية بفضل دستور عام 2005، الذي نص في المادة (49/ رابعاً) على تخصيص كوتة نسائية لا تقل عن 25 في المئة من مقاعد مجلس النواب، وللأسف هذه النسبة من المشاركة أدخلت نساء بعيدات عن الثقافة المجتمعية والأكاديمية، بفعل ترشحهن من قبل الأحزاب لسد الفراغات ليس إلا.
تراجع التمكين
تعزو أستاذة الهندسة البيئية بجامعة بغداد سعاد ناجي العزاوي، في دراسة عن “تراجع تمكين المرأة في التعليم أثناء الاحتلال (2003-2011)”، التباطؤ والتراجع في وضع حقوق للمرأة العراقية إلى حال الفوضى التي عاشها المجتمع إذا ما قورنت مع العقود الثلاثة التي سبقتها، إذ انتقلت المرأة فيها إلى وضع أكثر تقدماً مقارنة بوضع المرأة عموماً في منطقة الشرق الاوسط، وانخفضت نسبة الأمية بين النساء من 91 في المئة عام 1957 إلى 12 في المئة فقط عام 1990. فعلى سبيل المثال وخلال فترة التسعينيات شكلت نسبة عضوات الهيئة التدريسية في الجامعات ومراكز البحوث أكثر من 30 في المئة من مجموع أعضاء هيئة التدريس في الجامعات العراقية عموماً، وحوالى 67 في المئة من أعضاء الهيئات التدريسية في المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية. وتراجع العدد في التسعينيات إبان الحصار الطويل وبعد تدمير المرتكزات الأساسية والخدمات الضرورية ومن ضمنها المؤسسات التعليمية عام 1991، وكذلك فرض الحصار الاقتصادي الشامل (1991- 2003)، واستمر هذا التراجع في ظل الاحتلال (2003- 2011) بعد تدمير البنى الارتكازية والخدمية لحياة السكان المدنيين للمرة الثانية إبان عقد واحد من الزمن، أصبح من المستحيل على النساء في العراق الاستمرار في إكمال دراستهن، أو حتى الإبقاء على وظائفهن وحياتهن المهنية. لقد أنهى الاستهداف المستمر للعراق التطور والمكتسبات التي حققتها المرأة خلال 40 عاماً من الجهود التي بذلت لتحسين وضع وحقوق المرأة المدنية، لتعود نسب الأمية بين النساء بالصعود لتصل إلى 50 في المئة بأكثر المحافظات العراقية خلال عام 2007، وكذلك زادت نسبة البطالة بين النساء لتصل إلى أكثر من 50 في المئة للعام نفسه.
وتضيف العزاوي أن “الحكومات الطائفية أرجعت وضع المرأة لعصور التخلف والظلام، ونسبة الـ25 في المئة من مقاعد البرلمان التي خصصت للنساء في الدستور ما هي إلا مسألة سياسية رمزية فقط لتحسين صورة المرحلة الجديدة التي رفعت راية تحرير المرأة في العراق كأحد مسوغات وجوده. إن النساء المرتبطات بالأحزاب السياسية لا يمثلن عموم سكان العراق من النساء اللواتي فقدن حقوقهن والامتيازات التي حصلن عليها خلال العقود الثلاثة التي سبقت الحصار واحتلال البلاد”.
وتذكر الباحثة في دراستها عن تعليم المرأة بما جاء في لائحة حقائق الـ”يونسكو” في مارس (آذار) 2003 “لقد كان النظام التعليمي في العراق قبل عام 1991 واحداً من أفضل الأنظمة في المنطقة بمعدل قيد عام إجمالي بحدود 100 في المئة بالتعليم الأساسي، مع نسبة عالية من المتعلمين بين كل من الرجال والنساء، وتعليم عال، وبخاصة المعاهد العلمية والتقنية، بمستويات عالمية ومعززة بنوعيات رصينة من أعضاء الهيئات التدريسية. لقد اتبع التعليم العالي في العراق نمط التصاعد للتعليم الابتدائي والثانوي، فخلال ثلاثة عقود من الزمن انتقلت المرأة في العراق إلى وضع أكثر تقدماً، ووجدت نفسها تتنافس في هذه الظروف مع زملائها من الرجال على درجات الشرف ومقاعد البعثات والزمالات الدراسية وبرامج الدراسات العليا المختلفة داخل وخارج العراق. وفي عام 1980 وصلت نسبة مشاركة المرأة في قطاع التعليم إلى 46 ي المئة من مجموع المدرسين في العراق، وحوالى 29 في المئة من مجموع الأطباء، و46 في المئة من أطباء الأسنان، و70 في المئة من الصيادلة، و15 في المئة من المحاسبين، و14 في المئة من مجموع العاملين في المصانع، و16 في المئة من موظفي الخدمة المدنية.
إنجازات وتهميش
حتى المجال الرياضي للمرأة لا يخلو من تحديات كثيرة جراء التهميش وغلبة الذكورية على إدارة المؤسسات الرياضية، وترى الأستاذة الأكاديمية سهام حسن فيوري أن “المرأة العراقية لم تكن بعيدة من المشهد الرياضي، بل أثبتت على مدى عقود أنها قادرة على المنافسة وتحقيق الإنجازات ورفع اسم العراق في المحافل العربية والآسيوية والدولية. فقد دخلت ميادين الرياضة في ألعاب عدة، ونجحت لاعبات عراقيات في تسجيل حضور مميز في ألعاب القوى وكرة القدم والتنس وكرة السلة ورياضة المعاقين، لكن على رغم هذه الإنجازات لا تزال الرياضة النسوية في العراق تواجه تحديات حقيقية تحد من قدرتها على التطور، فالمشكلة لا تكمن في نقص الموهبة، وإنما في ضعف الاهتمام والاستثمار والاستمرارية، وكثير من المواهب النسوية تظهر في المدارس والجامعات والأندية، لكنها تختفي لاحقاً بسبب ضعف الدعم وقلة المنشآت الرياضية المناسبة ومحدودية فرص المشاركة في البطولات والمعسكرات التدريبية، وبعض المؤسسات الرياضية لا تزال تتعامل مع الرياضة النسوية باعتبارها نشاطاً ثانوياً مقارنة برياضة الرجال، مما ينعكس على حجم الموازنات، وعدد البطولات، وفرص التدريب والتأهيل، هذا التهميش لا يؤثر في اللاعبة وحدها، بل يحرم الرياضة العراقية من طاقات بشرية قادرة على صناعة الإنجاز. ومن القضايا المهمة أيضاً ضرورة زيادة حضور المرأة الرياضية المتخصصة في مواقع صنع القرار الرياضي، فالمرأة الرياضية لا ينبغي أن تكون لاعبة أو مدربة فقط، بل يجب أن تكون حاضرة في الاتحادات والأندية واللجان الإدارية والفنية، وأن تشارك في رسم السياسات التي تخص مستقبل الرياضة النسوية”.
وتضيف فيوري “إن النهوض بالرياضة النسوية في العراق يحتاج إلى استراتيجية وطنية واضحة تبدأ من المدرسة والجامعة، وتوفر اكتشاف المواهب ورعايتها، وتمنح اللاعبات فرصاً عادلة في التدريب والمنافسة، وتدعم المدربات والحَكَمات والإداريات، فضلاً عن توفير بيئة رياضية آمنة ومحترمة. إن المرأة العراقية أثبتت أنها تمتلك القدرة على الإنجاز، وما تحتاج إليه اليوم ليس الشفقة ولا الشعارات، وإنما الفرصة والعدالة والدعم الحقيقي. فحين تحصل الرياضة النسوية على المكان الذي تستحقه، لن تكون إنجازاتها استثناءً، بل ستصبح جزءاً أساساً من تاريخ الرياضة العراقية ومستقبله. إن أهم عامل لعودة المرأة إلى سابق عهدها في المحافل الدولية هو مشاركة النساء في إدارة الرياضة وصنع القرار، وهذا الأمر مغيب تماماً إذ إن أبعاد الكفاءات من الرياضيات عن إدارة المرافق الرياضية هو سبب تسلط الرجال وتفردهم بالقرار”.
نساء عراقيات كثيرات أجمعن على أن حقوقهن شهدت تحسناً دستورياً لفظياً فقط، لكن الأمور باتت أسوأ. وأن الدستور على رغم أنه يحمي المرأة في عدد من القضايا لكن هناك مسائل لم يتفق عليها، وتبذل النساء جهداً من أجلها. وهناك شعور بأن النساء يتعرضن لسوء المعاملة والخوف أثناء التنقل، فضلاً عن العنف الجسدي والجنسي، وأن حياة العراقيات لا تزال مهددة من جميع الاتجاهات، وحتى القوانين لا يتم تنفيذها على قدر المساواة.
