ملخص
لم تكن هذه المرة الأولى التي يستعير فيها الأمير عبدالعزيز صوراً غير مألوفة لتفسير مواقفه، ففي سبتمبر (أيلول) 2019، بعد توليه وزارة الطاقة، قدم نفسه للصحافيين خلال مؤتمر الطاقة العالمي في أبوظبي قائلاً “لست حصاناً يمكن ترويضه”.
من الحصان الذي لا يروض والفيل الذي يصعب تجاهله، إلى طائر الفينيق الذي ينهض من الرماد، يمتلك وزير الطاقة السعودي قاموساً غير مألوف في سجالات النفط، لكن استعاراته الأخيرة جاءت وسط هجمات دامية على الرياض، لتتحول معاركه من مواجهة المضاربين والخصوم في أسواق الطاقة إلى الدفاع عن قدرة بلاده على الصمود والوفاء بالتزاماتها تجاه العالم، مهما بلغت قسوة الظروف.
لم يكن طائر الفينيق الذي استحضره وزير الطاقة السعودي الأمير عبدالعزيز بن سلمان، في افتتاح اجتماعات الطاقة الدولية بالرياض، استعارة جديدة في قاموسه الحافل بالتشبيهات غير المألوفة وحسب، فقد جاءت عبارته عن النهوض من الرماد بينما كانت العاصمة السعودية تلملم آثار اعتداءات دامية على مطارها الدولي، خلفت قتلى ومئات المصابين، بينهم معتمرون لم يبلغوا مكة المكرمة. وفي وقت راهن فيه ناقمون على إلغاء المناسبة المرموقة بمشاركة مسؤولين تنفيذيين في شركات نفط عالمية في مؤتمر البترول العالمي، وقف الوزير أمام الحاضرين ليؤكد أن بلاده لن تتراجع عن التزاماتها، مهما بلغت التحديات
وكان الهجوم الذي استهدف مطار الملك خالد الدولي السبت الماضي هو الأكثر دموية، إذ أوقع 12 قتيلاً و309 مصابين، وفق الهيئة العامة للطيران المدني، قبل أن يتجدد الاستهداف في اليوم التالي ويسقط قتيل آخر و11 مصاباً. وأظهرت تسجيلات كاميرات المراقبة لحظات الانفجار والذعر، فيما كشفت شهادات إنسانية عن مأساة المعتمرين الذين طاولتهم الضربة. ومن بينهم المفتي البنغلاديشي نصر الله بدربوري، البالغ 35 سنة، الذي وصل ضمن مجموعة من45 معتمراً، وكان يستعد لمواصلة رحلته إلى مكة، لكنه فارق الحياة تاركاً زوجة وثلاثة أطفال.
“كسر إرادتنا مستحيل”
وسط هذه الأجواء، جاء حديث الأمير عبدالعزيز عن الصمود محملاً بدلالات تتجاوز أسواق النفط، وقال “نحن نقدر التزاماتنا ونحرص على الوفاء بها، ونؤكد أنه مهما كانت الظروف والتحديات، فإن صمودنا وخططنا وتعهداتنا تجاه العالم ستظل ثابتة، وسنواصل الالتزام بها”، قبل أن يستحضر الطائر الأسطوري قائلاً “لا يمكن لأحد أن يكسر إرادتنا أو يثنينا عن المضي قدماً، فنحن أشبه بطائر الفينيق، ننهض من الرماد في كل مرة، مهما واجهنا من تحديات”.
ولا تنطبق تلك الاستعارة على النفط وحده أو الأزمة الراهنة مع اعتداءات ميليشيات الحوثي، فقد دأبت السعودية على خذلان رهانات المتربصين لعقود وقرون، فعلى رغم الأزمات التي عصفت بها، قامت في كل مرة على نحو متوقع، خصوصاً بعد سقوط الدرعية قبل نحو قرنين، واستعادة مؤسس الدولة الحديثة الملك عبدالعزيز (جد وزير النفط)، قبل 130 عاماً. فضلاً عن أزمات أدنى من ذلك، مثل ثورات عبدالناصر، وغزو صدام حسين الكويت، وحرب الإرهاب، والتحولات التي أعقبت رؤية 2030 ومحاولات إفشالها.
أما طائر الفينيق فهو في الأساطير القديمة رمز للتجدد بعد الفناء، إذ تحكي الأسطورة أنه يحترق ثم ينهض حياً من رماده. وهي صورة تحمل معنى يتجاوز مقاومة المحنة إلى القدرة على استعادة القوة بعد الخراب، ولعلها أكثر استعارات الوزير اتصالاً بالظروف المحيطة بها، خصوصاً حين أعلن أمام ضيوفه أن “هذا البلد، وهذه المدينة، الرياض، هي عاصمة أمن الطاقة”، مشيراً إلى أن الأحداث التي وقعت في الأسابيع القليلة الماضية كانت شديدة، وأن رد المملكة يجب أن يكون بالقدر نفسه من الشدة.
ووجه خطابه إلى المسؤولين في القاعة، قائلاً “إلى كل من سافر إلى الرياض، شكراً لكم. أنتم تعلمون أن هذا البلد آمن وأننا نحرص على حمايتكم بكل إخلاص، اجتماعنا هنا لا يعني أن الخطر قد زال”.
ولم يكتف الوزير بالتعبير عن الثقة، بل ربطها بالاستعداد المسبق، محذراً من الإفراط في الاطمئنان إلى التوقعات، إذ قال إن “لا أحد يستطيع التنبؤ بكيفية تطور حالة عدم اليقين أو الاضطرابات المقبلة”، داعياً الدول إلى التواضع والحذر في افتراضاتها والانضباط عند اتخاذ القرارات.
وأضاف أن “الاستعداد للأزمات لا يتطلب معرفة ما سيحدث مستقبلاً”، وإنما بناء البدائل والقدرات الاحتياطية والمحافظة على الإمكانات الحيوية قبل الحاجة إليها، مستذكراً في هذا السياق تجربة بلاده في بناء أنبوب “شرق – غرب”، الذي لعب دوراً مهماً في هذه الأزمة، معلناً عمل منظومة الطاقة السعودية على رفع طاقته في غضون سنوات قليلة إلى 10 ملايين برميل.
وفي تفسيره لمعنى الصمود، شدد على أنه ليس استجابة موقتة للأزمات، بل استعداد مستمر يقوم على تأهيل الأفراد والمؤسسات وبناء قدراتهم مسبقاً، واستحضر جهود العاملين في قطاع الطاقة، مؤكداً تقديره لدور النساء والرجال، قبل أن يقول لضيوفه “كنت أتمنى لو أنكم قضيتم معنا الأشهر الثمانية الماضية، لتشهدوا حجم الجهود التي بذلناها، وما أنجزناه خلال هذه الفترة، وما سنواصل القيام به، من أجل طمأنة الجميع بأننا لن نخذلهم أبداً”.
الحصان الجامح والفيل في الغرفة
ولم تكن هذه المرة الأولى التي يستعير فيها الأمير عبدالعزيز صوراً غير مألوفة لتفسير مواقفه، ففي سبتمبر (أيلول) 2019، بعد توليه وزارة الطاقة، قدم نفسه للصحافيين خلال مؤتمر الطاقة العالمي في أبوظبي قائلاً “لست حصاناً يمكن ترويضه”، مضيفاً أنه معروف بعفويته المفرطة، وأنه أحياناً يشبه “الفيل في الغرفة”.
وفي التشبيه الأول، يقدم الحصان الجامح صورة لشخص يصعب إخضاعه أو التنبؤ بسلوكه، أما “الفيل في الغرفة” فهو تعبير إنجليزي شائع يشير إلى مشكلة كبيرة وواضحة يتجنب الجميع الحديث عنها. وباستخدامه التعبير لوصف نفسه، بدا الوزير ساخراً من حضوره المباشر، الذي قد يثير الحرج أو يفرض على الآخرين مواجهة ما يفضلون تجاهله، وهو استعارة استخدمها أكثر من مرة لتقريب أزمات تحولات الطاقة، مؤكداً ذات مرة ضمن فعاليات مبادرة “مستقبل الاستثمار” أن الهوس بالصفر الكربوني، تجعل بعض الدول تنسى تحديات أكبر لا تريد أن تراها، كمثل الفيل في الغرفة، الضخم ولكن لا أحد يهتم لشأنه.
ولم تكن هذه اللغة بعيدة من أسلوبه في إدارة معارك النفط اللاحقة، ففي سبتمبر (أيلول) 2020 استعار عبارة “Make my day” الشهيرة من أفلام الشرطي الأميركي “هاري”، التي جسد شخصيتها كلينت إيستوود، متوعداً المضاربين الذين يراهنون على انخفاض الأسعار بأنهم سيتألمون بشدة كما لو أنهم في الجحيم. وفي مايو (أيار) 2023، عاد للتوعد من الدوحة، لكن هذه المرة باستعارة من لعبة البوكر، قائلاً إنه ليس مضطراً إلى الكشف عن أوراقه، قبل أن يحذرهم بكلمة مقتضبة “احذروا”، وبعد أيام أعلنت السعودية خفضاً طوعياً إضافياً لإنتاجها بمليون برميل يومياً.
معارك النفط والسياسة
لكن مواجهات “جنرال النفط” لم تقتصر على المضاربين، ففي مارس (آذار) 2020، دخل في خلاف حاد مع روسيا بعدما رفضت موسكو تعميق تخفيضات الإنتاج خلال جائحة كورونا، لتندلع مواجهة سعرية ساهمت في اضطراب الأسواق، قبل التوصل إلى اتفاق تاريخي لخفض الإنتاج في أبريل (نيسان) من العام نفسه.
وبعد عامين، وجد نفسه في مواجهة سياسية مع إدارة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، إثر قرار تحالف “أوبك+ ” خفض الإنتاج بمليوني برميل يومياً، وهو القرار الذي انتقدته واشنطن باعتباره يصب في مصلحة موسكو خلال حرب أوكرانيا، بينما تمسكت الرياض بأنه يستند إلى اعتبارات السوق وليس إلى المواقف السياسية.
أما سجاله الأطول، فكان مع وكالة الطاقة الدولية وتوقعاتها لمستقبل النفط، خصوصاً دعوتها إلى وقف الاستثمارات الجديدة في مشاريع الوقود الأحفوري ضمن مسار الوصول إلى الحياد الكربوني. ولم يتردد الوزير في وصف تلك التصورات بأنها أشبه بجزء ثان من فيلم “لا لا لاند” الهوليوودي، في إشارة ساخرة إلى رؤى يرى أنها بعيدة من واقع الطلب العالمي على الطاقة.
واليوم، تبدو استعارة الفينيق امتداداً لتلك الشخصية التي اعتادت المواجهة، لكنها تحمل معنى مختلفاً. فالحصان والفيل عبرا عن طباع الوزير، بينما خاطب من خلال البوكر وهوليوود خصومه في الأسواق. أما الفينيق، فجاء تعبيراً عن المملكة وسط حرب تهدد منشآتها ومطاراتها، وتختبر قدرتها على ضمان إمدادات النفط.
مواجهة “دبلوماسية المؤامرات”
ويشير المحلل السياسي السعودي سليمان العقيلي إلى أن الأمير اختط له طريقاً لإيصال الرسائل السياسية، بأساليب لا تخلو من الإثارة والسخرية اللاذعة.
وقال “الأمير عبدالعزيز رجل لماح وألمعي يستطيع إيصال رسالته بطرق عدة، مرة لغة جادة، ومرة ساخرة، ومرة ظريفة ومضحكة. وهو يتوخى في ذلك السياق السياسي والاقتصادي والاجتماعي، ويمارس مهاراته البلاغية بجودة بالغة”.
ولفت إلى أن الخطاب السياسي السعودي “كسب ببروزه وزيراً للطاقة ثم الصناعة كثيراً، فأعطى الخطاب السياسي قليلاً من الميلودراما، وقليلاً من المباشرة حيناً والضمنية حيناً آخر”. وقصد بذلك بحسب العقيلي تنويع طرق إيصال الرسالة السياسية في ظل “التعقيدات الاقتصادية والسياسية الراهنة المتسمة بتراكم التحديات والمؤامرات ودبلوماسية الدسائس التي يمارسها الخصوم والأعداء”، ليخلص بذلك أن الوزير السعودي القوي “بنى بهذا أسلوباً خاصاً في الخطاب السياسي لا يقدر عليه سواه”.
وبين الكلمات والبراميل، ظل الأمير عبدالعزيز يستخدم التصريحات وسيلة للتأثير في توقعات السوق، فيما تمنحه قرارات الإنتاج أدوات أكثر مباشرة، غير أن رسالته الأخيرة من الرياض اختصرت جانباً آخر من تجربته، وهو أن أمن الطاقة لا يقوم على حجم الاحتياطيات والإنتاج وحدهما، بل على الاستعداد للأزمات والقدرة على تجاوزها، في مثل حالة السعودية التي وصف شعبها بأنه “لا يعرف كلمة الخوف في قاموسه”، متعهداً أمام مجتمع صناع النفط والمستهلكين أن بلاده “ستثبت للعالم أنه أياً كان ما تمر به فإننا سنتغلب عليه”.